وطد المخزن المغربي مؤسساته عبر صيرورة تاريخية تروم الحفاظ على ديمومة البقاء والاستمرار في الحكم، وقد ظل هذا التفكير، أي البحث عن أسباب الاستمرارية والبقاء، يساور المخزن العلوي طيلة عهوده المتلاحقة، فقد عرف المخزن العلوي في أزهى عصوره فترة حكم السلطان “المولى اسماعيل بن علي الشريف” (1727-1645م) التجسيد الفعلي لسياسة ضبط المجتمع وإخضاعه بالسطوة والجبروت ردحا من الزمن.

لكنه اضطر نتيجة لمعارضة القوى الاجتماعية من قبائل وزوايا ومدن إلى البحث عن آلية تخضع المجتمع لسلطة نفوذه، فأسس جيش “عبيد البخاري” بعد استرقاقه للمسلمين الأحرار وأخر من القبائل الموالية له كجيش نظامي قوي، وأرسى سياسة جبائية مجحفة، عمل على تحصيل أموالها عبر تحركاته التي جابت شمال المغرب وشرقه، غير أن هذه الآلية التي ضمنت للمخزن الإسماعيلي استقرارا مزيفا لسنوات طوال، سرعان ما انقلبت إلى “سوسة” تنخر أسس المخزن الإسماعيلي وأركانه. فقد أحدثت سياسته القمعية قطيعة بين السلطة والمجتمع والعلماء إلى درجة التصفية الجسدية للمعارضين منهم لسياسته، من بينهم العالم “عبد السلام بن حمدون جسوس” (استشهد سنة 1121م) وأرسل العالم “الحسن اليوسي” (1691-1631م) رسائله الناطقة باسم العباد إليه قائلا في إحداها: فلينظر سيدنا فإن جباة مملكته قد جروا ذيول الظلم على الرعية، فأكلوا اللحم وشربوا الدم، وامتشوا العظم، وامتصوا المخ، ولم يتركوا للناس دينا ولا دنيا: أما الدنيا فقد أخذوها، وأما الدين فقد فتنوهم عنه وهذا شيء شهدناه لا شيء ظنناه).

إلى جانب ذلك انقلب “جيش عبيد البخاري” الذي أسسه لضبط المجتمع وضمان استقرار حكمه إلى مهدد لاستقرار الحكم العلوي ومصدر للفوضى، والتلاعب بأمور الدولة وهيبتها، بعد وفاة المولى اسماعيل، حتى كادت تلك الأزمة أن تقضي على الدولة العلوية الفتية.

وأمام التغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم المعاصر، اضطر المخزن العلوي للتكيف مع هذه المتغيرات، من خلال إرسائه لثقافة التبعية واللامبالاة وإلهاء الشعب بالمهرجانات الباذخة والمسلسلات المدبلجة، وغض الطرف عن المخدرات وأوكارها، وأسس لاقتصاد الريع من خلال توزيعه لخيرات البلاد على ذوي النفوذ والمعارضين، لضمان ولائهم واستقرار حكمه من خلال جمعه بين السلطة والثروة.

وكما انقلبت سياسة المخزن الإسماعيلي إلى فوضى وتلاعب بعد وفاة مؤسسه، فإن وقائع اليوم تشهد على فشل سياسة الاحتواء والإلهاء المخزنية لفرض هيمنته، فقد انتشرت الجرائم بشكل فظيع يهدد استقرار المجتمع، من طرف مجرمين تخرجوا من أوكار المخدرات التي غض النظام الطرف عنها، وأنتجت سياسة إلهاء الشباب بثقافة الكرة عنفا حصد المزيد من القتلى في ملاعب أصبحت مدرجاتها متنفسا لغضب شباب ضائع داخل وطنه، أما اقتصاد الريع فقد كشفت أسماء المستفيدين والملايير الممنوحة حجم الفساد الذي ينخر هياكل الدولة ومؤسساتها.

ويستمر المخزن المغربي إلى يوم الناس هذا في ترويجه ورعايته لمهرجانات البذخ والتبذير لتمييع المجتمع وفي ممارسة الظلم، لكن الفرق واضح بين إقامة الدولة وفق موازين العدل وبين موازين رقص تمشي وفق شهية الحكام، فسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن محتاجا لإرساء سياسة ضبط المجتمع وإخضاعه، فموازين العدل كانت قائمة والرعية مطمئنة والراعي تحت الشجرة نائم فقالوا عَدَلت فأمِنْت فنِمْت يا عمر).