مقدمة

ليس دائما الرجوع إلى الوراء فرارا من الزحف وتوليا للإدبار، وبالتالي ليس تعبيرا عن فشل وهزيمة كما يبدو للبعض ممن لهم ضيق الأفق ويحكمون على الأشياء دون سابق تفكير، وإنما قد ينتج عن قرار فعال من قيادة حكيمة أملاه عليها موقف يطلب الحسم فيه بدقة عالية، ولا يُدرك صواب هذا القرار الحكيم حتى تظهر نتائجه الباهرة. ذلك ما وقع في سرية مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة النبوية.

سبب الغزوة

سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عُمير الأزدي بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم أو بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، فأوثقه رباطا، ثم قدمه فضرب عنقه، ولم يُقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره، فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر، فبعث البعوث، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: “إن أُصيب فجعفرُ بنُ أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة” 1 .

ضوابط الحرب

خرج النبي صلى الله عليه وسلم مودّعا لجيش مؤتة البالغ عدده ثلاثة آلاف مقاتل، حتى بلغ ثنيّة الوداع، فوقف ووقفوا حوله، فقال: “اغزوا باسم الله، فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون فيها رجالا في الصوامع معتزلين للناس، فلا تعرضوا لهم، وستجدون آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص، فاقتلعوها، ولا تقتلُن امرأة، ولا صغيرا، ولا كبيرا فانيا، لا تُغرقنّ نخلا، ولا تقطعنّ شجرا، ولا تهدموا بيتا” 2 .

المعادلة الصعبة

مضى المسلمون حتى نزلوا بمكان يسمى معان، فبلغ الناس أن هرقل الإمبراطور البيزنطي بالبلقاء في مئة ألف من الروم، ثم انضم إليهم من عرب الشام مئة ألف أخرى. إنها معادلة حرجة أمضى المسلمون من أجلها ليلتين في التشاور، فرأى بعضهم أن يكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطلعوه على الموقف، فإما يمدّهم بمدد، أو يأمرهم بأمر آخر، غير أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وجد الحل المناسب للمعادلة الصعبة، خاطب الجيش بقوله: يا قوم! والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، الشهادة. وما نقاتل بعدد ولا قوة ولا كثرة، ولا نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة) 3 . فألهب هذا حماسة الجيش.

استشهاد القادة الثلاثة

اندفع زيد بن حارثة رضي الله عنه بجيشه إلى منطقة مؤتة حيث دارت رحى معركة ملحميّة سجل فيها القادة الثلاثة بطولات عظيمة انتهت باستشهادهم. لم يزل سيدنا زيد يقاتل بها حتى شاط في رماح القوم وخرّ صريعا، فالتقط سيدنا جعفر الراية قبل أن تسقط مع جسد سيدنا زيد، واقتحم يقاتل فلما زاد الروم حوله رمى بنفسه من فوق الفرس وبدأ يقاتل على رجليه وهو يردد على أنغام السيوف اللامعة:

يا حبذا الجنة واقترابها***طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها***كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها
فإذا بسيف يقطع يمينه التي كانت تحمل الراية فيسرع ليلتقطها بشماله التي أبت إلا أن تلحق بأختها، فيأخذ الراية بين ساقيه حتى تنهال عليه السيوف والراية لا زالت مرفوعة تنتظر القائد الثالث سيدنا عبد الله بن رواحة الذي ينطلق كالنسر الثائر ليلتقط الراية ويهرول بها على مرتفع قريب يرقب المعركة ليحدد وجهته.

وأمام صليل السيوف اللامعة وهدير مائتي ألف رومي ذاب فيهم الثلاثة آلاف مسلم، وتناثرت أشلاء قائدين قبله، وإدراكه التام أن حامل الراية هو المستهدف بالدرجة الأولى من قبل العدو، وجد في نفسه بعض التردد، فهتف في نفسه صائحا:

أقسمت يا نفس لتنزلنّه***لتنزلنّ أو لتكرهنّه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة***مالي أراك تكرهين الجنة
يا نفس إلا تُقتلي تموتي***هذا حمام الموت قد صُليت
وما تمنيت فقد أُعطيت***إن تفعلي فعلهما هُديت
ثم يهوي بفرسه إلى أمواج المعركة الهادرة فيلقاه ابن عم له بقطعة من لحم وهو يقول له: يا أخي إنك لم تأكل منذ الصباح، شدّ بهذا صلبك. فأخذها من يده وأخذ قطعة بأسنانه، ولما سمع صوت القتال ألقاها من يده وهو يشدّ لجام فرسه ليهوي إلى المعركة وهو يقول: الناس في المعركة وأنت يا نفس في الدنيا؟، وقاتل حتى قُتل رضي الله عنه.

ثم أخذ الراية سيدنا ثابت بن أقرم العجلاني فصرخ في الناس: أيها الناس اختاروا لكم أميرا. فقالوا: أنت. قال: لست أصلح لها، إنما يصلح لها خالد). فاختار الناس خالد بن الوليد.

القائد الجديد والمعادلة المعقدة

إنها حقا معادلة معقدة، لم تعد صعبة فقط لمجرد اختلال ميزان العدد والعدة فيكون الحسم بالرجوع أو الإقدام، بل تعدى الأمر ليصبح مشكلة حقيقية تحتاج إلى قرارات فعالة، واختيارات دقيقة، أي خطأ في القرار، وأي سوء في الاختيار سيجني هزيمة نكراء بعواقب وخيمة.

خالد الآن أمام مشكلة أبعادها حقيقية وواضحة:

– اختلال واضح في ميزان العدة والعدد.

– استشهاد القادة الثلاثة في الميدان.

– المعنويات والقدرات التي أصبح يتمتع بها الجيش أمام هول المعركة ربما تغيرت.

– قرب عهده بالإسلام وبالقتال مع المسلمين.

الإجراءات لحل المشكلة

وبدأ سيدنا خالد يفكر في المشكلة ويحللها ليصل إلى أفضل قرار، هل سيستمر في القتال أم ينسحب؟ وفي الأخير استقرت اختياراته على الإجراءات التالية:

– إعادة تنظيم الجيش، حيث أبدل الميسرة بالميمنة، وجعل قسما من الجيش يتقدمون من الخلف وكأنهم أمداد جديدة لإيهام الروم بذلك.

– القيام بانسحاب منظّم عند انتهاء النهار، وبعد مناوشات على البعد ودون الدخول في قتال حقيقي، انسحاب حافظ على الجيش ولم يستشهد منه إلا القليل.

هذا هو قرار سيدنا خالد رضي الله عنه، الذي كان مخالفا ربما لكل التوقعات. ما هي الردود التي تلقاها؟ وما هي النتائج التي ترتبت عن قراره؟

مواقف المسلمين من القرار

مع جيش هذه روحه المعنوية، وتلك قدراته القتالية، وهذه رغبته في الشهادة، من الصعب جدا أن يطالبه قائده بأن يترك المعركة ويعود لمجرد اختلال في ميزان العدد بنسبة واحد من المسلمين مقابل خمسة وسبعين من الروم. وقد بدا واضحا في نفسية المسلمين في المدينة، حيث اتهموهم بالفُرّار، فعلى أبواب المدينة وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يستقبلون خالد ومعه الجيش، فإذا بالصبيان يلقون عليهم التراب ويقولون: يا فُرّار يا فُرّار، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ليسوا بالفرار ولكنهم كرار إن شاء الله تعالى، أنا فئتكم” 4 . وذلك تحقيقا لقوله تعالى: ومن يولهم يومئذ دبره إلا مُتحرّفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (الأنفال:16).

النتائج التي ترتبت عنه

يقول صاحب الرحيق المختوم المباركفوري: وهذه المعركة وإن لم يحصل بها المسلمون على الثأر الذي عانوا مرارتها لأجله، لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين. لقد ألقت العرب كلها في دهشة وحيرة، فقد كان الرومان أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض، وكانت العرب تظن أن معنى جلادها هو القضاء على النفس وطلب الحتف. )فكان لقاء هذا الجيش الصغير (ثلاثة آلاف مقاتل) مع ذلك الجيش الكبير (مائتي ألف مقاتل) ثم الرجوع من الغزو من غير أن تلحق به خسارة تُذكر، كان ذلك من عجائب الدهر يؤكد أن المسلمين من طراز آخر غير ما ألفته العرب وأنهم مؤيدون ومنصورون من عند الله وأن صاحبهم (رسول الله صلى الله عليه وسلم) على حق).

ولذلك أقبلت أشد القبائل عداء على الإسلام، فأسلمت بنو سليم وأشجع، وغطفان، وذبيان، وفزارة وغيرها، ثم كانت هذه المعركة بداية اللقاء مع الرومان ووضع أول مسمار في نعش الإمبراطورية الرومانية، وتحرير المسجد الأقصى من أسرهم ودنسهم.


[1] البخاري وأحمد.\
[2] الواقدي، المغازي: 2/758.\
[3] ابن هشام، السيرة النبوية: 4/36.\
[4] ابن هشام السيرة النبوية: 4/38.\