نظمت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان بمدينة تازة ندوة فكرية، يوم الأحد 14 جمادى الثانية 1433 الموافق لـ06 ماي 2012، حول موضوع: الدولة الدينية والدولة المدنية.

استهل الحديث فيها الأستاذ: خالد البورقادي -مُنشط الندوة- بالترحيب بالضيوف والحضارين، وتطرق إلى أهمية الموضوع ومركزيته، خاصة في زمن الربيع العربي الذي كان ظلم الدولة وفسادها واستبدادها السبب المباشر في ثورات الشعوب، وخروجها إلى الشوارع للتعبير عن رفضها الجماعي لمنطق الاستخفاف بحق الأمة في اختيار حكامها، وانتقل بعد هذا إلى التعريف بالمتدخلين وهم الأساتذة: أحمد الفراك، ومحمد دحان، وأحمد الزقاقي.

المداخلة الأولى للأستاذ الباحث أحمد الفراك ركزت على بعض التفصيل في المدخل النظري الضروري المُعرّف لماهية كل من الدولة الدينية والدولة المدنية. وذكر الأستاذ أن الدولة الدينية غربية المنشأ، وهي دولة الكنيسة الكاثوليكية، التي كانت تزعم أن الحاكم هو ممثل الإله في الأرض. كما بين أن هذا الطرح قد يلتقي في تاريخنا الإسلامي مع العقيدة الجبرية التي لا تجيز منازعة الحاكم لأنه خليفة الله في الأرض وظله المقدس.

ثم انتقل بعد ذلك إلى تبيين الأسس التي تقوم عليها الدولة المدنية، وهي القانون، والتعاقد الذي يعطي السيادة للشعب ويرفع عن الحاكم القداسة والوراثة، وفصل السلط، والحقوق سواء منها الفردية والجماعية، ومبدأ التعددية السياسية وحق المعارضة وحق التناوب على السلطة. وعرَّج بعدها على ذكر خصائص الدولة المدنية وهي: دولة مدنية، دولة تشاركية، دولة منفتحة، دولة القانون التعاقدي، دولة الوقع اليومي.

المداخلة الثانية للأستاذ الباحث محمد دحان تمحورت حول دولة الخلافة وعلاقتها بالدولة الدينية والدولة المدنية، وذكر من خلال سرد تارخي للأحداث التي عاشتها الأمة الإسلامية بانتقاض “الخلافة” العثمانية ودخول العالم الإسلامي مرحلة الدويلات الوطنية، والتي كانت شرطاً للغرب الإمبريالي للحصول على الاستقلال. تجزئة كان الهدف من ورائها إحكام السيطرة على الدول المجزأة والمشتتة، غير أنها تجزئة جغرافية لم تمتد لتشمل وحدة القلوب ووحدة الولاء للأمة، هذا الولاء الذي لا يتنافى مع ولاءات ثانوية قطرية أو قبلية أو أسرية، لكن الولاء الأصلي هو الولاء للأمة الإسلامية.

هنا يطرح سؤال الخلافة على الفاعل الإسلامي والذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، وهو في اعتقادنا هدف واقعي وضرورة استراتيجية لنهضة الأمة المسلمة وقوتها. ولعل تجربة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي ليست عنا ببعيد، فهذا الأخير رغم اختلاف لغات دوله والتاريخ الدموي والحروب الطاحنة في الماضي القريب، لم تمنعه من إقامة تكتل سياسي واقتصادي وعسكري.

أما الدكتور أحمد زقاقي فقد أجاب، في المداخلة الثالثة، على مجموعة من الأسئلة والإشكالات المتصلة بالموضوع وأجملها في مداخلته التي عنونها بـ”قواعد وإعلان مبادئ لدولة مدنية ذات مرجعية إسلامية”:

1. النظر في قضية الحكم مفوض إلى الخَلق ولا يدخل في مسمى العقائد.

2. يُقَيم الاختلاف في مجال الحكم بمقاييس الخطأ والصواب لا بمقاييس الكفر والإيمان.

3.لم ينشئ الرسول صلى الله عليه وسلم دولة كي تحكمها عائلته ولذلك لم يستخلف ولم ينص على أحد بعينه كي يخلفه.

4. ولاية العهد شكل من أشكال اغتصاب الحكم ومصادرة حق الأمة في اختيار من يحكمها.

5. يتذرع الاستبداد بمسوغات شرعية من آيات وأحاديث تستعمل في غير محلها ويساء استغلالها، لاسيما آية طاعة أولي الأمر، وأحاديث السمع والطاعة.

6. أولو الأمر المأمور بطاعتهم في الآية المعروفة هم الحكام العاملون بالعدل، والعلماء الآمرون بالعدل.

7. أحاديث السمع والطاعة فيها ما يدعو إلى طاعة مطلقة، وفيها ما يدعو إلى طاعة مقيدة والمعروف في قواعد الأصول أن المطلق يحمل على المقيد فلا طاعة مطلقة لحاكم.

8. بلغت الأمة الإسلامية من النضج مبلغا لم يعد من المقبول أن يظل الحكم مرهونا بمزاج الحاكم الفرد مهما كان صالحا، فلا بد من مؤسسة تراقبه وتحاسبه.

9. في التاريخ الإسلامي كانت السلطة العلمية في يد علماء عاملين وملتحمين بشعوبهم ولم يمثلوا “إكليروسا” يحتكر النطق باسم الله وتأويل الدين.

10. إن الاستبداد أثر في مدارس السلوك ومجالات اشتغال العلوم، في السلوك بإشاعة التصوف التبركي المنعزل عن الاهتمام بالشأن العام للناس والمزكي للسياسات الظالمة، وفي مجالات اشتغال العلوم بتضخم القول في الشأن العبادي وضموره في الفقه السياسي وحقوق الناس، لذلك لا بد من ممارسة اجتهاد تجديدي لتوفير المهاد النظري للدولة المدنية.

11. الحاجة إلى تفعيل دور العلماء بضمان استقلاليتهم، والانفتاح على الأغيار والمخالفين وأصحاب الخبرة والتجربة.

12.البيعة ذات صبغة تعاقدية اشتراطية وليست إرادة تحكمية فوقية.

13. البيعة الدينية هي غير البيعة السياسية، فالأولى كانت منشئة للدخول في الدين الجديد، وهي التي كان عدم الوفاء بها ارتدادا إلى محاور الولاء الجاهلي والقبلي والعشائري، أما الثانية فالوفاء بها يتوقف على وفاء الحاكم بشروط التعاقد، وإلا فعدم الوفاء بها من حق أي أحد بدون وصاية ولا إكراه.

بعد ذلك فتح الباب للنقاش والتداول وتعميق الفكر والنظر، واستحسن الجميع مثل هذه الندوات العلمية التي من شأنها الإسهام في التأسيس لوعي سياسي رصين في التعاطي مع موضوع الدولة.