1- تاريخ المسلمين مرصودا بعين النبوة

ننطلق من الحديث الذي نقله الإمام الشاطبي عن الحافظ البزار رحمهما الله. جاء قي كتاب الموافقات أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: “إن أول دينكم نبوة ورحمة. وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم يكون ملكا عاضا فيكون فيكم ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله جل جلاله. ثم يكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي، ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض (أي يتمكن فيها)، يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطر إلا صبته مدرارا، ولا تدع الأرض من نباتها وبركاتها شيئا إلا أخرجته”. هذا حديث من أحاديث أخرى تضع الصوى الكبرى لتاريخ المسلمين بدءا من عهد النبوة حيث أسس عليه الصلاة والسلام أول دولة إسلامية بعد سنوات من الجهاد الرباني المتواصل، إلى عهد الخلافة الراشدة الموسوم بالرحمة، وما كان الخلفاء الراشدون عليه من الله الرضى والرضوان إلا رحمة، لا لشيء إلا لأنهم كرعوا من النبع الصافي، وربوا في أحضان النبوة المطهرة، وكان لهم شرف الصحبة والمجالسة والتلمذة بل والمصاهرة والاندماج التام أحيانا، لا غرابة أن يكونوا رحمة وقد صحبوا الرحمة المهداة، صحبوا من كانت معاملاته كلها رحمة، ومواقفه كلها رحمة، وتوجيهاته وإراشاداته كلها رحمة، صحبوا من كانت نظراته وكلماته رحمة، وحركاته وسكناته رحمة، وغزواته ومعاهداته رحمة… كيف لا وهو المخاطب بقول ذي العزة والجبروت وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، ثم مرحلة الملك العاض وهو والله أعلم، الملك الوراثي من لدن نهاية الخلفاء الأربعة الراشدين إلى سقوط الدولة العثمانية) 1 ثم مرحلة الملك الجبري وهو والله أعلم، الحكم المستبد الذي يعرفه زمننا) 2 ، ثم الوعد النبوي بعودة الخلافة على منهاج النبوة التي ستتميز بإحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتمكين للإسلام تمكينا يرضى عنه أهل السماء وأهل الأرض، في إشارة نبوية إلى استعادة ما عليه قامت دولة الإسلام الأولى من عدل وشورى ومحبة وعمران أخوي أساسه المحبة والصفاء والتعاون والاعتصام بحبل الله والغيرة على محارم الله تعالى.

2- الربيع العربي وعين النبوة

إن كل قراءة لما عرفته الأقطار العربية خلال موسم الربيع العربي بعيدا عن عين النبوة، تبقى قراءة خداج تنجزها عين بها رمد، يسعى أصحابها عبثا إلى التنكر للحق، وإلى إخفاء الشمس، وأنى للعين الرمداء أن ترى! وأنى للغربال أن يخفي ما لا يمكن أن يخفى…!؟

لعل أبرز حقيقة تجليها ثورات الربيع العربي منذ انطلاقها هي أن الشعوب العربية وضعت يدها أخيرا على موطن الداء، وأنها أخيرا أصبحت قادرة على أن تسمي الأشياء بمسمياتها، وأنها بعدما تخلصت من شبح الخوف، وبعدما كسرت طوقه، وخرجت من شرنقته، صاحت بملء فيها أن أصل الداء كله إنما هم الحكام الذين يسميهم الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام بحكام الجبر، بكل ما توحي به كلمة جبر من إكراه وإلزام واستبداد وضغط وتسلط… غير أن وضع اليد على مكمن الداء لم يكن كافيا، ثمة حقيقة أخرى عاشتها الجماهير العربية، تكمن في اقتحام عقبة الموت في سبيل الحياة، وكأني بهذه الشعوب تفهم أخيرا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يشخص حال الأمة بعدما أصابها الوهن، فسئل عليه الصلاة والسلام “وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت”، هكذا إذا أعطت هذه الشعوب أكبر دليل على أنها بدأت تتخلص من داء الوهن، بعدما اقتنعت تمام الاقتناع أن الموت أفضل ألف مرة من حياة الذلة والمهانة تحت سياط الظلم والعبودية والاستبداد، وكأني بها تتمثل حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه: احرص على الموت توهب لك الحياة). هكذا إذا تفجر هذا التسونامي العربي الخضم يحطم عروش الطغاة والجبابرة تباعا، تحركه قوة اليقين بأن الحرص على الموت يساوي الحياة، وكأن هذه الجماهير تفهم أخيرا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “”ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار. ألا إن كتاب الله والسلطان سيختلفان، فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم ما لا يرضون لكم، إن أطعتموهم أضلوكم. وإن عصيتموهم قتلوكم”. قالوا: “وما نفعل يا رسول الله؟” قال: “كما فعل أصحاب موسى، حملوا على الخشب، ونشروا بالمناشير. فوالذي نفس محمد بيده، لموت في طاعة خير من حياة في معصية””، وجدت الجماهير نفسها أخيرا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما طاعة الأمراء الطغاة الجبابرة، وهي طاعة لم تورثهم إلا الذل والهوان والفقر والجهل والتهميش… وإما عصيانهم، وهو عصيان يؤدي إلى موت العزة والكرمة والحياة “لموت في طاعة خير من حياة في معصية”.

وإذا كانت الشعوب العربية قد أثبتت بأنها قد استفاقت من غفلتها، وأنها وصلت نقطة اللاعودة بعدما طال صمتها وخضوعها، فإنه آن الأوان لمن تبقى من الحكام أن يتعظوا بمصائر أولئك الذين تخلوا عن كراسي الحكم مرغمين بدأ من الرئيس التونسي الذي فر بعدما أفلت الزمام من يديه، متبوعا بمبارك الذي نُجِي ببده ليكون عبرة لمن يعتبر، ومتبوعا بالقذافي الذي لو أتيح لقاتليه أن يقتلوه آلاف المرات لما ترددوا قيد شعرة لأنه أذاقهم الإهانة والمذلة ألوانا وأشكالا…

3- التوبة العمرية: خلاص للحاكم والرعية

التوبة العمرية نسبة إلى عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي الذي استحق لقب الخليفة الخامس لما اتصف به من ورع وتقوى وخشية وتواضع وحرص على مصالح الرعية خلال فترة حكمه التي لم تطل، وكان أول ما فعله بعدما تولى الحكم هو رد أموال الأمة للأمة، وأمر الأسرة الملكية بإرجاع أملاكها إلى بيت مال المسلمين، ابتداء من زوجته التي سارعت – بعد أن بهرها ما رأت من ورع زوجها وحزمه – إلى وضع كل حليها عند قدميه) 3 ، فضرب أروع أمثلة الزهد والورع والاستقامة والحرص على إقامة العدل فقد قال له بعض أصفيائه، حين جرد الأمراء الأمويين من كل ثرواتهم وممتلكاتهم ودفع بها إلى بيت المال: يا أمير المؤمنين، ألا تخاف غوائل قومك؟؟) فإذا الحليم الأواب، الهادئ السمت، الباكي العين، ينتفض كالأسد، وتخرج الكلمات من فمه كالزئير:

أبيوم سوى يوم القيامة تخوفونني..؟؟ فكل خوف أتقيه دون يوم القيامة لا وُقيتُهُ)!! 4 هذا الخوف من يوم القيامة، لم يكن مجرد إحساس عابر، ولا مجرد حالات تنتابه بين الفينة والأخرى، بل كان مقاما ملازما لهذا القلب المفعم باليقين والإخلاص والرضى، تقول زوجته فاطمة وقد سئلت عن عبادته: والله ما كان بأكثر الناس صلاة ولا أكثرهم صياما، ولكني والله، ما رأيت أحدا أخوف لله منه)..!! 5 ولم يكن وحيدا في رحلته التاريخية هاته بل كان إلى جواره هذه الزوجة الصالحة تشاركه التقشف القاسي الذي فرضه على نفسه… ولم تكن تزيد حين تقرقر أمعاؤها من الجوع، وترتعد أوصالها من الصقيع، على أن تقول: يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين.. فوالله، ما رأينا سرورا مذ دخلت علينا..)!! 6 ، هذه هي الخلافة، وهذه هي المسؤولية التي كانت تثقل كواهلهم، فكانوا يتجنبونها، ولا يتحملونها إلا مرغمين مكرهين، لذلك فإننا لا نستغرب ترديد المؤرخين لهذه العبارة حين حديثهم عن سيرة هذا الرجل… ثم بويع “عمر بن عبد العزيز”، فقعد للناس على الأرض” 7 ، ولم يكن بلوغه هذه المرتبة السامقة إلا لأنه أسسه منهجه في سياسة أمور الرعية على مقومين أساسيين هما: العدل والحق، فقد كتب إليه واليه على خراسان يستأذنه في أن يرخص له باستخدام بعض القوة والعنف مع أهلها، قائلا في رسالته للخليفة: “إنهم لا يصلحهم إلا السيف والسوط”).. فكان رده التقي الحازم: كذبت، بل يصلحهم العدل والحق، فابسط ذلك فيهم، واعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين”..!!) 8 ، ولننصت إليه وهو يؤكد هذه الأسس التي يقوم عليها منهجه، يقول: والله، لو لم ينهض الحق ويُدْحَض الباطل إلا بتقطيع أوصالي وأعضائي، لأمضيت ذلك وأنا سعيد)!! ويقول: ووالله، لو لبثت فيكم خمسين عاما، ما أقمت إلا ما أريد من العدل)..!! 9 لقد كان دخله السنوي حتى اليوم الذي ولي فيه الخلاقة أربعين ألف دينار.. هي حصيلته من مخصصاته كأمير أموي.. ومن الأرض التي كان يملكها. ومن نصيبه الوفير من ميراث أبيه عبد العزيز بن مروان… ومن فوره، اتخذ قراره الحاسم بإلغاء مخصصات الأمراء كافة، ومخصصات حرسهم وخدمهم، وقراره بنزع الإقطاعيات الزراعية منهم جميعا، وردها إلى بيت المال.. وبدأ بنفسه، فتخلى عن جميع أملاكه وأمواله!! حتى أرض “فدك” في “خيبر” وكانت خير ممتلكاته وأثمنها، ولم يكن أحد أقطعه إياها، بل ورثها عن أبيه) 10 ، وكان طبيعيا أن يحتج أقرباؤه الأمراء والأميرات على هذه التدابير الجديدة التي حرمتهم من الامتيازات التي كانت لهم من قبل، والتي أرغمتهم على أن يكونوا قدوة صالحة لغيرهم، فراحوا يحتجون، محاولين عبثا ثنيه عما اتخذه من قرارات في حقهم، فعاد مبعوثهم يقرع أسماعهم بهذه الكلمات: يا بني أمية.. لا تلوموا إلا أنفسكم، فقد عمدتم إلى صاحبكم “عبد العزيز بن مروان” فزوجتموه حفيدة “عمر بن الخطاب”، فجاءتكم بعمر بن الخطاب ملفوفا في ثياب “عمر بن عبد العزيز”، فلا تلوموا إلا أنفسكم”!!!) 11 ، ولأنه لم يجد من المحيطين به من هو في مستوى ورعه، وشموخ نسكه وفضائله، فإنه راح يجتهد في العثور على من يكونون في مستوى رجائه وثقته.. وسارع، فعزل جميع الولاة السابقين الذين عملوا في خدمته السابقة، ثم تولى مكانهم من اصطفاهم للمهمة الجليلة، أمثال: “أبي بكر بن حزم “، و”عبد الرحمن القشيري”، و”عدي بن أرطأة الفزاري”، وآخرين من طرازهم وإخوانهم: وكان أول ما أوصاهم به، هذه الوصاة الجامعة الرائعة: “كونوا في العدل والإصلاح والإحسان بقدر من كانوا قبلكم في الظلم والفجور والعدوان)!! 12 .

فهل يملك من أبقتهم رياح الربيع العربي على كراسي الحكم من الحكام العرب، الجرأة الكافية لتوبوا توبة عمرية، تَجُبُّ ما قبلها من مظالم وعدوان واغتصاب لحقوق البلاد والعباد، وتدخلهم التاريخ من بابه الواسع؟؟!! هل لهم أن يتصفحوا كتب التاريخ الإسلامي لعلهم يستطيعون تمثل صور من ورع وزهد ويقين واستقامة وعدل ورجولة هذا “الرجل” ؟؟! هل لهم أن يستغلوا هذه الفرصة التاريخية ليعيدوا النظر في كل ما حولهم؟؟!! وليعيدوا ترتيب الأشياء، ولينزلوا من بروجهم العاجية ليعايشوا الرعية المغلوبة على أمرها، وليتقاسموا مع أبناء الشعب المساكين هموم الخبز، وأرق فاتورة الكراء، وفاتورة الماء والكهرباء، وفواتير الوصفات الطبية والدخول المدرسي، وفرحة/قساوة الأعياد… لقد آن لهم أن يزيحوا النظارات السود التي طالما وضعوها ليغضوا الطرف عن هموم وأحزان وآلام شعوب طال صمتها وأنينها…؟!

لقد آن لهم أن يتذكروا بأن “الموت” يسوي بين الناس جميعا رؤساء ومرؤوسين ، ولكم شتان بين موت وموت!! شتان بين موت الشهادة والشهامة والبطولة والرجولة والفداء… وموت المهانة والذلة والخنوع والخضوع والاستسلام…!! شتان بين الموت من أجل حياة الآخرين، والموت المجاني الرخيص، بل والموت الذي يصنعه المغلوب انتقاما من الظالمين الفجرة قساة القلوب… وليس الموت في حد ذاته نهاية ، بل ما بعد الموت هو ما يؤرق -وما يجب أن يؤرق- كل مؤمن تق ورع إذ الموت أصعب مما قبله، وأهون مما بعده) كما يقول أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه… وأخيرا أهمس في أذن كل حاكم من حكام الجبر الذين مازالوا ينتظرون هبوب عواصف شعوبهم… -قلت- أهمس وأقول… “كفى بالموت واعظا”


[1] ( مقدمات لمسقبل الإسلام ) / عبد السلام ياسين / الطبعة الأولى / 2005 م / ص: 30.\
[2] ( المرجع نفسه) 30 .\
[3] عبد السلام ياسين (مذكرة إلى من يهمه الأمر) 27.\
[4] (خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم) / خالد محمد خالد / الطبعة الأولى /1424 هـ – 2003 م/ ص: 370.\
[5] (المرجع نفسه) 366.\
[6] (المرجع تفسه) 367.\
[7] (المرجع نفسه) 371.\
[8] (المرجع نفسه) 373.\
[9] (خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم) 374.\
[10] (المرجع نفسه) 375.\
[11] (المرجع نفسه) 379.\
[12] (المرجع نفسه) 380.\