إلى أخي وسيدي إدريس أرباج الأعز الأكرم الأفضل، الأبر الأوفى الأوصل.

السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، ثم أما بعد،

آه يا كعبة الأنس، ويا روضة المزن، واحر قلباه، وثكلاه.

هذا أوان العجٌ 1 والثجٌ 2 ، هذا إعلام بأوان الإحرام، وانسكاب العبرات، “هاهنا ينبغي أن تسكب العبرات” 3 ، ما أشد من جاد عليه دهره بالمطلوب فلبى وزار واقتفى الأثر، وما برح به الشوق حتى تعلق بالأستار.

آه يا كعبة الحسن ويا روضة المزن، فارت المراجل في الصدور، فما أشد وجدي عليك، وشوقي إليك.

كم دم عليك مسفوح! وكم قلب عليك مقروح! آه لشوق مزعج!

ها أنت يا سيدي قد ألبست لباس الإحرام وودعت الأهل والخلان، قاصدا البيت العتيق، قاطعا كل فج عميق، ممتطيا صهوة جواد الصحبة المنيف، مسكبا الدموع الغزار، مرددا مع المرشد الحبيب نشيد الشوق والاعتبار لتلك المعاهد والديار:ولي كَبد تنفت بالحســـرات *** تحن لذاك الربع بالجمــرات
ويلهبني شوقي لأعتسف الفلا *** وأركب متن البحر في الغمرات
تصرم عمري والطريق طويلة *** فيا أيها المولى أقل عثراتي
4 ها أنت سيدي قد ألبست لبوس المحبة، وقد حان الميقات فخرجت من رق الأوقات، رافعا صوتك بالإهلال، ملبيا دعوة ذي الجلال، تجردت من كل مخيط ومحيط، فأخذت تلبي من دعاك بشيء ما كنت قبل ذلك قد وعيته، آه أين من يعرج به قلبه فيرى؟ ويهيم به القلب سائحا في بطون الأودية وفنن الجبال شوقا لذلك الجمال، وهيمانا في ذلك الدلال. فطوبى لمن ناح على فائته وبكى، ولازم باب من سيرده عليه فحن وشكا 5 .

ها أنت تستقبل مكة الغراء فادخل على اسم الله وسنة نبيه من باب بني شيبة، وقل اللهم صن من لفح نارك هذه الشيبة، فإذا اكتحلت عيناك بسناء الكعبة البيت الحرام وذهلت، فهناك استهونت كل مشقة لقيتها في طريقك، واستسهلت ودنوت حتى وقفت خلف الحجر الأسود، وجعلته على يسارك وكبرت، وقبلت حيث قبل المصطفى صلى الله عليه وسلم واستعبرت، وأخذت بالأشواط الثلاثة بالرمل، وقد أيقنت ببلوغ أقصى الأمل.

ثم أكملت بالسعي مأمولك بقية أسبوعك، فحينئذ تجد برد السلوة عن أوطانك وربوعك، ثم اركع ركعتي الطواف خلف المقام، وادع لمن بعدك بالمقام، وتعلق بالأستار داعيا عند الملتزم، وتضلع عند شربك من ماء زمزم، وانو فيه نية من أخلص لله عمله، فماء زمزم لما شرب له، ثم اجعل خروجك على باب الصفا والمروة، وقف على درجاتها، وادع بخلاص نفسك ونجاتها، ثم انحدر في واد سيدنا إبراهيم عليه السلام، فإذا بلغت الميل الأخضر فخذ في الرمل أخذ المجد إذا أحضر، فإذا أتممت السعي فبادر بالحلاق، واحرم من مسجد سيدتنا عائشة رضي الله عنها بعمرة، وقل: طوبى لمن أفنى في هذه الأحوال السنية، والمشاعر المرضية عمره، ولازم الحجر الكريم، وقف داعيا تحت ميزابه، وتذكرني يا سيدي بالدعاء وتذكر إخوانك وصل على الرخامتين الخضراوين فهما علامتا قبري سيدنا إسماعيل وأمه هاجر، وقل الحمد لله الذي جعلني ممن انقطع إلى حرمه المعظم وهاجر، وإذا فتح باب الكعبة المعظمة المكرمة فكن فيها أول داخل، وأول خارج، وهنئ قدميك تربيهما في تلك المدارج وتوخ مصلى النبي صلى الله عليه وسلم متوسلا إلى الله ذي المعارج، واستدع معاينة المقام الكريم عند باب الرحمة، وقيل فيه، واشرب ماء زمزم في أثر القدمين المباركين، فطوبى لمن باشرهما بغية.

طالع أيضا  الإخوانيات (1)مكاتبات الآخرة

وفي أثناء مقامك تعهد المعاهد الشريفة والآثار، وحرك فيك شوقك المثار، وزر المولد المقدس المبارك، واجعل فيه نظرك واعتبارك، والمم بدار الخيزران وسائر تلك المنازل الشريفة والمواطن.

فإذا تأهبت للزيارة الطيبة، وطفت طواف الوداع، فاستودع الله دينك وأمانتك، فهو أهل الإيداع، وسر على بركة الله، فإذا اجتزت بقبر أم المؤمنين ميمونة بسرف، فأمسك عنانك وقف، واسكب دمعك في رأفة واذرف، ففي ذلك الموضع كاتبها، وابتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وفيه قضيت وفاتها، ومنه تجيء زمرتها الطاهرة ورفاتها، ثم عج في طريقك على خيمة أم معبد فقد حازت بحلول الرفيقين الكريمين فيها شرف الذكر إلى الأبد.

وإذا جئت بدرا فحي شهداءه بالسلام، فهو أول مشهد نصر الله فيه الإسلام، حتى إذا بدت لك أعلام المدينة، فابشر باحتلالك البلد الذي أظهر الله فيه دينه، فإذا مررت بمسجد ذي الخليفة فعرج عليه ولا تعرج عنه، وحيه بركعتين فهو المسجد المبارك الذي أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، حتى إذا جزت وادي العقيق فهنالك انزل وامش كرامة لمن حل في ذلك المنزل، وادخل على اسم الله، وعليك الوقار والسكينة، واكس الخضوع والسكينة نفسك المسكينة، فإذا دخلت مسجد الشفيع الرفيع فاقصد بعد ركعتي التحية مضجع سيد دار السلام بالسلام.

وكأني أراك تحملك العيس صباحا ومساء إلى تلك البقاع، إلى تلك الديار، متعهدا المعاهد الشريفة والآثار، أحييت زهرة الحب الشريف في قلبك: باكيا مستغفرا، ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما، واقفا على المضجع الشريف مدرفا الدموع الغزار: على بابه تبذل روحك، وكأني بك بلال رضي الله عنه عندما ناداه سيد الخلق في المنام قائلا: ألا تزورنا يا بلال. فما كان منه وقد كان مقامه بالكوفة آنذاك إلا أن جمح حقائبه قاطعا الفيافي والقفار إلى أن وقف على المضجع الشريف فبكى حتى ابتلت لحيته: هكذا أنت صباح مساء، كأني أنظر إليها تبكي تتوسل، تلوذ بالصحبة وأنت واقف على المضجع الشريف مستقبلا الوجه الكريم مقدما التحية وأفضل الزكاة والتسليم، مسلما على الصديق والفاروق وزيريه وصاحبيه، طائفا على تلك المنازل الكريمة والديار، متفقدا مواطن البررة والأخيار، زائرا قبور أمهات المومنين وروضة العباس والحسن رضوان الله عليهم أجمعين ببقيع الفرقد، مضرما الوجد عليهم نار الحزن بين جوانحك وموقد، معرجا في آخر البقيع على روضة ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، مائلا إلى روضة فاطمة بنت أسد أم الإمام علي كرم الله وجهه السابق إلى الإيمان، غير ناس عن يسارها إذا خرجت على باب البقيع قبر العمة الطاهرة صفية، أم سيدنا الزبير رضي الله عنه الذي كان حواري الرسول صلى الله عليه وسلم وصفيه، ماشيا إلى قباء مظهر الأسوة والإقتداء زائرا بأحد عم المصطفى حمزة والشهداء: لا تنس أخاك وأنت في ذلك المقام، وحاشاك أن تنساه، وواسه بدعوة، فمثلك من واساه، وكأني أراك تعلو جبل أبي قيس وقيقعان، وتقصد جبل حراء وهو الذي رأى فيه النبي صلى الله عليه وسلم أول علامات نبوته، وتصعد جبل ثور وتلج الغار وتذكر ثاني اثنين إذ هما فيه، متأهبا إلى يوم التروية، ويا له من يوم يتسابق فيه إلى منى ومن منى إلى عرفات، مغتسلا متطهرا مستعدا للجمع بين الظهر والعصر في مسجد سيدنا إبراهيم عليه السلام، هائما في تلك المسالك المباركة وجدا وشوقا وحق لك أن تهيم.

طالع أيضا  الإخوانيات (2) تبـاريح... المصطفى القديـم

سيدي ما ذكرت لك هذا النسق إلا تبركا بذكراها، وتشوقا للزيارة عسى نجدد العهد الكريم بها ونراها، واستطابة للحديث معك فيها، آه يا سيدي وأخي أرجوك وأنت في ذاك المقام تذكر عبيدا مفلسا وقل: رب تركت من إخواني عبيدا مشتاقين إلى حرمك، متوسلين إليك في ذلك بفضلك وكرمك، فسهل بعزتك وقدرتك مرامهم، وسكن بالوصول إلى كعبتك المقدسة المشرفة غرامهم، وعرفهم معاهدهم الكريمة بعرفات، والمشعر الحرام، وشرفهم بالمثول فيها قبل أن تقضي على مدتهم بالانصرام، وتفجأ أعمارهم قواطع الاخترام، إنك سبحانك مولى المنن الجسام، ومقدر الحظوظ السنية لعباده والأقسام، وأقرأ عليك أيها الأخ الأسنى، المختوم له إن شاء الله بالحسنى، سلاما عطرا من الزهر عند الابتسام، يتلقاه مسك دارين بالتنشق والابتسام، ورحمة الله وبركاته.

آه يا كعبة الأنس ويا روضة المزن:أغرك مني أن حبك قاتلي *** وأنك مهما تأمري القلب يفعلوما حالي إلا كحال شاعر القوم، إذ نادى خلف الركاب:درست ربوعهم، وإن هواهم *** أبــدا جديدا بالحشا ما يـدرس
هذي طلولهم وهذي الأدمـع *** ولذكرهم أبدا تذوب الأنفـــس
ناديت خلف ركابهم من حبهم *** يا من غناه الحسن! ها أنا مفلس
وعليك السلام والرحمة، وعليك السلام والرحمة، وعليك السلام والرحمة،


[1] العج: رفع الصوت بالتلبية.\
[2] الثج: ذبح الهدي وسيلان دمائها.\
[3] رواه ابن خزيمة في صحيحه.\
[4] شذرات ديوان شعر للأستاذ المرشد حفظه الله، ص7.\
[5] “أنا على الحوض أنتظر من يرد علي…” الحديث معروف عد إليه.\