مقدمة

خلق الله كل مواليد العالم أمِّيين جهلاء لا يعلمون شيئا ولا يعرفون ما يدور حولهم، ولكن الله الرؤوف الرحيم زوَّدهم بالوسائل التي تُكتَسب بها المعرفة ويُنال بها العلم ويحصُل الإدراك، وشرح صدورهم ونوّر عقولهم ووسع مداركهم لتكون أوعية لذلك، يقول الله الكريم مبينا الهدف من العلم: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون 1 ، ولو شاء بقدرته لجعلنا صما بكما عميا لا نعقل ولا نفهم شيئا.

الرسول المعلم

لقد بعث الله الأنبياء والرسل للقيام بمهمة التعليم والتربية والتزكية فأرسل لكل قوم رسولا فقاموا بواجبهم وبذلوا جهودهم لتعليم أقوامهم دون مقابل، فمنهم من قبِل التربية والتوجيه وانتفع بهما، ومنهم من أعرض عن ذلك، فعاش منكوس القلب مطموس العقل، إلى أن جاء خاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المربي الكبير والمعلم العظيم، حيث وجد معالم العلم النافع قد انمحت، ومظاهر الجاهلية قد استفلحت حتى أعمت البصائر، وعطلت العقول، وألفى الناس هائمين في الضلال والجهل، لا علم يربطهم بالله، ولا نور يضيء لهم ظلمات الحياة، فقام البشير النذير صلى الله عليه وسلم بتعليم الناس وتوجيههم وتزكيتهم على هدى من الله وبصيرة، فتعلم الناس منه ما جهلوا، وحصلوا على حظ وافر من التربية والتزكية فسعدوا في دنياهم وأخراهم، يقول الله عز وجل مبنيا مقاصد البعثة النبوية: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين 2 ، وقال عليه الصلاة والسلام: “إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا” 3 ، وقال عليه الصلاة والسلام: “يا أيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين” 4 .

الإسلام وحضه على طلب العلم

لم تعرف البشرية دينا حث على طلب العلم والقراءة كثيرا كالإسلام، فقد رغب في طلبه ونشره بشتى الوسائل والطرق تعظيما لقدره وبيانا لقيمته، وتقديرا لمكانة العلماء، ولقد رغَّب ديننا الحنيف في العلم، ووعد العلماء والمتعلمين جزاء أوفى ودرجات رفيعة، قال الله عز و جل: يرفعِ الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات 5 ، وجعل طلبه فريضة على كل مسلم ومسلمة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم” 6 ، كما جعل تبليغه وبذله للناس واجبا، وكتمانه إثما مبينا يستحق كاتمه لعنة الله واللاعنين من الجن والإنس وكل دابة، إنه وعيد شديد للذين يكتمون الحق الساطع والعلم النافع، وفي ذلك يقول الله عز وجل: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا، فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم 7 ، وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار” 8 .

إن أمتنا أمة علم بامتياز، ورثته كابرا عن كابر، انتشر فيها العلم بكل فنونه وشعبه حتى برعت فيه وحازت مراتب الشرف، ولم يترك علماؤها فرعا من علم إلا درسُوه وحققوا لأنفسهم ولأمتهم وللإنسانية المجد فيه والسبق، حتى أدهشوا العالم بنهضتهم العلمية، فصنعوا واخترعوا وطوروا وقادوا الأمم حينا من الدهر، قبل أن يسرق منهم الأعداء كتبهم ويحرقوها ويقتلوا علماءهم قتلا ماديا ومعنويا، وأغروا بعضا منهم بالعمل عندهم وهجَّروا طاقاتهم العلمية واستغلوهم لبناء نهضتهم وتطوير علومهم.

لقد كانت بداية الوحي تتضمن ثلاث كلمات وهي “اقرأ، وعلَّم، والقلم” وفي ذلك دعوة صريحة للعلم والقراءة والتعليم قصد الترقي في درجات العلم، ولا يتأتى هذا إلا بالقلم الذي كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثرا في حياة الإنسان، ولقد أقسم الله بهذه الأداة الصغيرة حجما الكبيرة أثرا في قوله تعالى:ن والقلم وما يسطرون، وطلبا لثواب العلم وحرصا على ما أعد الله للعاملين به الجامعين له، وحرصا على نفع الأمة كان الأولون رحمهم الله يقطعون المسافات البعيدة، ويجتازون الفيافي والصحاري من أجل حديث واحد أو مسألة واحدة، قال سعيد بن المسيب رحمه الله وهو من كبار علماء التابعين: إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد).

أي علم يريده الإسلام؟

لقد عاشت الأجيال الأولى من أمتنا عيشة هنيئة، عاشت مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومع صحابته فنهلت العلم من منابعه الصافية وتلقت التربية والتزكية وورثت العمل بذلك، وأورثها العلم خشية الله، فنوَّر الله بالعلم قلوبها وزكى به أنفسها وشرح به صدورها وأنار لها ظلمات الحياة فعاشت سعيدة، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية) 9 .

وفي هذا السياق قال مالك رحمه الله: إن العلم ليس بكثرة الرواية؛ وإنما العلم نور يجعله الله في القلب) 10 . وخلف من بعد تلك الأجيال خلف نُزع منه حب العلم بالله وزالت من قلبه خشية العلماء، وطلب العلوم الدنيوية الصادة عن الله المبعدة عن طريقه التي تصرف القلوب إلى غير خالقها، وتجعل القلوب منكوسة، والعقول مطموسة تفكر في غير بارئها، وتهتم بغير مصيرها، حتى أصبحنا نرى أفواجا من المتخرجين من الجامعات والمعاهد بشواهد عليا، وهم جهلاء بدينهم، ولا يعرفون شيئا عن مصيرهم. ورغم ما يبذل من جهود، وما يصرف من أموال، فان نسبه الأمية ما تزال مرتفعة في بلادنا بما فيها الدينية والأبجدية، قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويظهر الجهل ويُشرب الخمر ويظهر الزنى” 11 ، والمراد بالعلم الذي يرفع هو العلم بالله، مقابل الجهل به وبدينه، وإلا فوسائل العلم اليوم ومؤسساته وشعبه وتخصصاته أكثر من أي وقت مضى. والبشرية اليوم تعلَم كثيرا ولكن من أمور الدنيا، يقول الله عز وجل مؤكدا هذه الحقيقة: ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون 12 ، ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبغض كل جعظري جوَّاظ صخَّاب في الأسواق، جيفة بالليل حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة” 13 . لقد كثرت في هذا الزمان العلوم الدنيوية الصادة عن الله المطغية الملهية، حتى سببت الترف الفكري، والإفراط الثقافي، فمنها ما أسدى للإنسانية خدمات جليلة، ومنها ما سبب لها الشقاء والتعاسة، ولقد عاب الله عز وجل على الذين لهم نصيب من علوم الدنيا فاغتروا به وادَّعوا أن ما هم فيه من خير ونعيم نالوه بعلمهم وخبرتهم وقوَّتهم فقال تعالى: فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم عندي، بل هي فتنة ولكن أكثر الناس لا يعلمون 14 .

ولقد أصبحنا نرى اليوم الأفواج تتخرج من الجامعات ومراكز العلم وهي لا تنتفع بعلمها شيئا، لا في الأمور الدينية ولا في الأمور الدنيوية، ومثل هذا العلم كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله منه، فكان يقول: “اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع” 15 ، ونرى أغلب المتخرجين من مؤسسات التعليم لا علم لهم بالجانب الإيماني الأخلاقي السلوكي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من تعلم علما مما يُبْتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرْف الجنة يوم القيامة” 16 ، وقال عليه الصلاة والسلام في رواية أخرى: “من تعلم علما لغير الله، أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار” 17 ، وقال الحسن البصري رحمه الله: لقد طلب أقوام العلم ما أرادوا به الله ولا ما عنده)، قال هذا قديما، فماذا كان سيقول لو اطلع على طلاب العلم اليوم وعرف قصدهم وأخلاقهم؟ إن شبابنا اليوم تتسع عقولهم لحفظ أسماء الفنانين والفنانات والمغنين وأغنياتهم وأسماء اللاعبين وكم سجلوا من انتصارات وأهداف، وتضيق عقولهم لحفظ سور القرءان وأحاديث النبي العدنان، ونصوص الدين وفرائضه وسننه.

إن العلم الذي تفتقده البشرية في عصر الذرة والمعلوميات هو العلم بالله عز وجل ـ ولا علم أشرف منه على الإطلاق ـ علم يكون باسم الرب سبحانه اقرأ باسم ربك علم يربط بالخالق ويبعث على المعرفة به والخشية منه وحُسْن التأدب معه، العلم الذي يذَكِّر بالآخرة ـ المصير الحقيقي للإنسان ـ ويوضح طريقها ويحفز على العمل لها، علم يطهِّر القلب وينور البصيرة ويقوِّم السلوك، ويزكي الفؤاد ويهذب الوجدان وينقذ من الجهل، ويُخرج من الظلمات إلى النور ويهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، ويكسب صاحبه خشية العلماء، ويرفعه في درجات القرب من مولاه حتى يدنيه منه، ويسبب له الاستقامة والتقوى، ويمنعه من إتيان الرذائل والنقائص، ويقوده إلى العمل الصالح، ويبعثه على الخوف من مولاه، علم ٌبكتاب الله وبسنة رسوله وباليوم الآخر وبما فرضه الله، وهو العلم المفروض طلبه على كل مسلم بنص الحديث الشريف، فلا يجوز الاستغناء عنه بحال، ومتى استغنت عنه البشرية ذلت وضلت وزلت، علم الأذواق وليس علم الشهادات والأوراق- وإن كان لابد منه في وقتنا هذا-، علم كعلم العقلاء والعلماء من قوم قارون الذين قالوا له وللمعجبين بعلوم الدنيا وزخارفها، قال الله عز وجل حاكيا عنهم: وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاسورة القصص الآية 80.، العلم الذي أراد الله طلبه وسلوك طريقه، حيث يصل الإنسان به إلى السعادة والهناء، وبدونه يرتع في الضنك والشقاء، قال الله سبحانه: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهمُ إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون 18 ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “العلم علمان: علم في القلب فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم” 19 . وقال أحد العلماء المربين: العلوم التي يتعين على الأمة أن تطلبها وتبذلها لأجيالها وتنشرها في الأمم هي تلك التي يحركها روح العلم بالله وبسنة رسوله، فالخير كله في الفقه في الدين وما يأتي بعد ذلك هو وسيلة لخدمة مقاصد الدين)، كما أنه لا غنى للإنسانية بصفة عامة والمسلمين بصفة خاصة عن العلوم الكونية المتعلقة بالعقل وهي العلوم الإنسانية والتكنولوجية، فهي علوم مطلوبة مرغوبة أودعها الله في خبايا كونه، وخلق العقل وسخره لاستخراج هذا السر، ولقد كان للمسلمين الأوائل حظ وافر منها، كابن سينا وابن الهيثم والرازي وغيرهم، وهي علوم ضرورية لعمارة الأرض ولخدمة الإنسانية وإسعادها في الحياة وتعريفها بالله وسننه في الكون حيث إن العقل الإنساني كلما ازداد علما ازداد يقينه بوحدانية الله وقدرته وربو بيته، وازداد صاحبه خوفا من الله وتقربا منه، قال الله سبحانه: إنما يخشى الله من عباده العلماء 20 .

لقد عُدمت الأهداف الصالحة من التعليم في كثير من بلاد المسلمين، وفسدت مناهجه، وأصبح يفسد أكثر مما يصلح منذ أن رسم الاستعمار معالمه ووضع خططه وبرامجه، ولا يزال إلى اليوم امتدادا له ، يخدم أهدافه ومصالحه بالدرجة الأولى، وأكثر المتخرجين منه مضطرين دينيا وعقليا وسلوكيا، مرتبطين بالغرب أكثر من ارتباطهم بالشرق، يكرهون لغتهم ويجهلون دينهم ويعادونه ويتنكرون لأصولهم.

إن التعليم في بلادنا فسد وكسد، وهذا بشهادة الجميع، ولا أدل على ذلك من أنه في كل مرة تكلف له لجنة وترصد له ميزانية لإصلاحه، والإصلاح لا يقابله إلا الفساد والإفساد، ولن يكون للتعليم إصلاح، وللمتخرجين منه فلاح ونجاح إلا إذا كان منطلقا من أرضية إسلامية نابعا من دين الأمة وأخلاقها وقيمها ويخدم أهدافها ويحقق ما تسعى إليه من آمال، واستُخدمت في ذلك الطرق التربوية والوسائل التعليمية الإسلامية الأصيلة.

فوزارة التربية والتعليم ببلادنا لم تعط لحد الآن اهتماما للقيم الإسلامية والأخلاق الإيمانية في إطار مشروع تربوي ناجح تتبلور من خلاله مواصفات تربية إسلامية حقيقية شاملة تتربى عليها الناشئة الوطنية منذ نعومة أظافرها، لتتخرج أجيال صالحة مصلحة تجمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا، تعرف ربها حق المعرفة وتعبده حق العبادة، تعمر الأرض وفق شريعته وتقوم بمهمة الخلافة عن الله أحسن قيام، وتصلح ما أفسده المفسدون عبر أزمنة الانحطاط والانهزام والتبعية وتسدي إلى الإنسانية خدمات جليلة.

إننا في أشد الحاجة اليوم ـ أكثر من أي وقت مضى ـ إلى علم يعرِّفنا بخالقنا ويعرفنا بالحلال والحرام ويبصرنا بطريق الحق، ويحررنا من قيود الجهل والتخلف والأمية والتبعية والتقليد والانحطاط، ولا يجعلنا خاضعين إلا لله عز وجل، يشخص أمراضنا ويدلنا على الدواء، علم يحبه الله ويرضاه، وتربية تقوِّم سلوكنا، وتنقي قلوبنا، وتزكي نفوسنا وترفع إلى الله همتنا، وتنهض بأمتنا، وتحقق لها المجد والسؤدد.

اللهم إنا نسألك علما نافعا، وعملا رافعا، وقلبا خاشعا، ونعوذ بك من علم لا ينفع ومن شر ما يبعد عنك آمين.


[1] سورة النحل الآية 78.\
[2] سورة آل عمران الآية 164.\
[3] رواه مسلم كتاب الطلاق عن جابر بن عبد الله.\
[4] رواه الطبراني عن معاوية بن أبى سفيان.\
[5] سورة المجادلة الآية 11.\
[6] رواه ابن ماجة.\
[7] سورة البقرة الآية 106.\
[8] رواه ابن حبان والحاكم عن عبد الله بن عمرو، انظر المنتقى من الترغيب والترهيب حديث رقم 81.\
[9] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: 6/ 545.\
[10] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: 6/ 545 تفسير قوله تعالى: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].\
[11] رواه البخاري عن أنس بن مالك.\
[12] سورة الروم الآية 7.\
[13] – الجعظري: قاسي القلب، الجواظ: الأكول.الحديث رواه ابن ابن حبان والأصبهاني وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 195 انظر المنتقى من الترغيب والترهيب للقرضاوي.\
[14] سورة الزمرالآية 46.\
[15] رواه مسلم عن زيد بن الأرقم.\
[16] – عرْف الجنة: ريحها.رواه أبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة المنتقى للقرضاوي حديث رقم 71.\
[17] رواه الترمذي.\
[18] سورة التوبة الآية 122.\
[19] رواه أبو بكر الخطيب في تاريخه بإسناد حسن وهو مرسل عن جابر، ورواه أبو نعيم عن أنس مرفوعا المنتقى للقرضاوي حديث : 55.\
[20] 22 سورة فاطر الآية 28.\