مقهى أركانة

مقهى أركانة بمراكش هي الفضاء الذي اختير هدفا لعمل إجرامي جبان أزهق أرواحا بريئة ومن جنسيات مختلفة، في يوم وصف بالخميس الأسود أو الدامي، وكان ذلك يوم 28 أبريل 2011. الحدث من حيث السياق طرح أكثر من علامة استفهام، والتوجه العام بناء على رواية السلطة الرسمية للحادث ذهب إلى اعتبار عملية تفجير المقهى عملا إرهابيا يستهدف التشويش على مشروع “الإصلاح” الذي أسس له خطاب 9 مارس، وما وعد به من حزمة إصلاحات توجت بتعديل الدستور وتمريره في استفتاء فاتح يوليوز. من جهتهم ذهب الداعون للتغيير وإسقاط الفساد والاستبداد من خلال الحراك الشعبي إلى أن الحادث تشويش كذلك على زخم حركة 20 فبراير الآخذ في التنامي، والذي بلغ ذروته خلال مسيرات 20 مارس. نهج قديم جديد دأب عليه النظام للالتفاف على مطالب التغيير برفع فزاعة استهداف أمن البلاد وتعرضه لمؤامرة خارجية، وهو ما يعني ـفي تقدير السلطةـ تعبئة الصف الداخلي وتأجيل المطالب تفويتا للفرصة على الأعداء للنيل من استقرار البلد. إنها المقاربة الأمنية التي يعلو صوتها على كل صوت، وإلا فهي الخيانة العظمة والعَمالة المكشوفة والتآمر البغيض على أمن البلاد.

سجن عكاشة

مؤسسة سجنية بالدار البيضاء، فتحت بابها يوم الخميس 28 أبريل 2011 “مرحبة” باسم وازن في الصحافة المكتوبة، وقلم أزعج السلطة ورجالها بعمود “شوف تشوف”، إنه رشيد نيني، وما أدراك ما نيني! أية “مصادفة” هذه؟ صحفي امتنع عن الاحتواء لينخرط في جوقة العازفين والمرددين: “قولوا العام زين”، يزج به في السجن في توقيت خاص في إشارة إلى أن جدار النظام أضعف من أن يتحمل هيجان شارع غاضب، مما آلت إليه الأوضاع العامة للمجتمع نتيجة ما استشرى فيه من فساد بلغت درجة المأسسة، وصحافة مستقلة تنور الرأي العام بما ينخر دواليب الإدارة ومؤسسات الدولة من فساد. استهداف وإصرار على التضييق على حرية الصحافة والرأي بشكل عام أكدته عملية العفو التي شملت بعض من اعتبرتهم الدولة يوما ـ 16 ماي 2003 ـ مهددين للأمن والاستقرار، وتوبعوا بقانون الإرهاب قبل أن يجف مداده، ولم يتسع صدر النظام ليشمل بعفوه قلما حرا يُسدي للمجتمع والدولة على حد سواء خدمة جليلة بكشفه للوبيات الفساد وشبكات المتآمرين ـ حقا ـ على العباد والبلاد.

ذكرى أولى للتفجير

ترسيخا للمقاربة الأمنية ونظرية المؤامرة، خلد الإعلام العمومي الرسمي ذكرى تفجير مقهى أركانة المراكشية، وأعد تغطية بشكل “مهني واحترافي” حيث استعان بأهل “الاختصاص” يفسرون دوافع النزوع إلى الإرهاب، ويثمنون المبادرات الاستباقية التي تنهجها السلطات لتفكيك الشبكات الإرهابية. تخليد لذكرى أليمة في رسالة إلى أن المقاربة الأمنية اختيار استراتيجي للدولة، وأن الحرب ضد الإرهاب مستمرة تفكيكا للخلايا الإرهابية الحقيقي منها والافتراضي، حفاظا على حالة التأهب واليقظة لأجهزة أمنية لا ينبغي لها أن تنام.

في ذكرى المجزرة الأركانية الأولى رسائل منها أن خطر الإرهاب أقرب للمغاربة من حبل الوريد، وهذا يفرض يقظة الأجهزة الأمنية والهيئات السياسية والحقوقية والجمعية لقطع الطريق على من تسول له النفس الأمارة بالسوء النيل من أمن واستقرار البلاد.

حرية صحافة تكبل

في نفس يوم الذكرى الأولى لتفجير مقهى أركانة، يعانق الصحفي رشيد نيني الحرية بعد سنة حبس نافذة قضاها وراء القضبان ثمن كشفه لبؤر الفساد والعبث بمقدرات البلاد. عانق الصحفي حريته بعد إنهاء محكوميته، لكن خطر مصادرة الحرية يهدده، كما يهدد كل من تجرأ وسلط الضوء على المساحات الرمادية في تدبير شؤون البلاد والعباد، في غياب قانون يضمن حرية الرأي والتعبير دون تضييق أو رقابة، وفي غياب دستور يكفل ضمان الوصول إلى المعلومات تأسيا بالدول الديمقراطية التي تضع معلومات الإدارة رهن إشارة وسائل الإعلام.

إطلاق سراح رشيد نيني يعيد طرح سؤال الإصلاح في قلعة غاية في الحيوية: إنها قلعة الإعلام التي اكتشف رئيس الحكومة ـ متأخرا ـ أنها محمية لا تطالها يده، وبالأحرى دفتر تحملات وزير الاتصال. والأيام القادمة وحدها ستكون اختبارا تجريبيا لمدى صدقية شعارات الإصلاح المرفوعة، في قلعة الإعلام المحروسة على الأقل.