فَلَولاَ كَانَ مِنَ القُرُون مِن قَبْلِكُم أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَـوْنَ عَن الفَسَاد فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلاً مِّمَّن أَنجَيْنَا مِنْهُم وَاتَّبَع الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتُرِفُواْ فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ، وَمَا كَانَ رَبُّك لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْم وَأَهْلُهَا مُصْلِحُون سورة هود، 116-117.

الحمد لله رب العالمين، الذي رحم وأَطعم، ويسر وأنعم، والصلاة والسلام على من اصطفاه رحمة للعالمين، وقائداً للغر المحجلين، وإماماً للمتقين، وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه. وبعد:

لقد اعتاد العمال في فاتح ماي من كل سنة، أن يحتفلوا بذكرى اليوم العالمي للشغل. هذا الشغل الذي هو حق إنساني ودستوري، وواجب وطني، وأحد وسائل تحقيق التنمية والتقدم. في هذا اليوم تُبرز النقابات قوتها، وتقوم بتقويم للحصيلة السنوية للتدبير الحكومي للقطاعات المهنية، والشأن العام عامة. وترفع شعارات، وتتقدم بمطالب.

لكن بموازاة ذلك تحتفل السلطة المخزنية هي الأخرى بهذا اليوم على طريقتها الخاصة، حيث تجند كل قـواها الاستخباراتية الخفية والعلنية، من مخابرات ومقدمين وموظفين في قيادات المقاطعات التابعين لوزارة الداخلية، يسجلون ويحصون الأنفاس: يكتبون ما يردد من شعارات، و يسجلون ما يلقى من كلمات، وينقلون ما كتب على اللافتات، ويدونون أسماء الحضور وانتماءاتهم… هذا الحضور الاستخباراتي المستفز للداخلية في أحايين كثيرة يكاد يساوي عدد الحضور في بعض المسيرات النقابية.

هذا الحضور المكثف ليس من أجل معرفة مطالب العمال للاستجابة لها، بل من أجل مزيد من التخويف، والتحكم المخابراتي، ودراسة قوة الحركة العمالية والقوى السياسية والاجتماعية المشاركة فيها..

المتتبع لمسيرات فاتح ماي منذ اتفاقية غشت 1996، التي رفعت شعار السلم الاجتماعي لإنجاح مسلسل “الانتقال الديمقراطي”!! يلاحظ أنها تزداد ضعفا وتقهقرا وهزالا سنة بعد أخرى، بل من النقابات من يتمنى لو لم يحل فاتح ماي، لكيلا يبدو على حقيقته، ويفتضح في جماهريته، بما في ذلك النقابات التاريخية.

تعرف مسيرة العمل النقابي، في المغرب، خطوات متعثرة، وأداء متواضعا، سواء من حيث طبيعة الأنشطة التي تقوم بها، فمجالات العمل محدودة جدا لدى جل النقابات، أو من حيث انحصارها وامتدادها الميداني، علاوة على الخور النضالي، والانبطاح المطلبي، بسبب الارتباط والتحكم من قبل الفاعل السياسي الذي اختار الاندماج في الحظيرة المخزنية، والتبعية القطيعية، واللهث وراء فتات المصالح الشخصية والحزبية الضيقة. هذا على مستوى الخصوصية المحلية.

أما على المستوى العالمي فقد بدأ العمل النقابي يعرف تراجعا وانحسارا، منذ الأزمة الرأسمالية، ما بين 1973- 1975، حيث اضطرت سياسة الطبقة العاملة عالميا إلى اتخاذ مواقف دفاعية بدل المواقف الهجومية التي كانت تعرفها قبل هذه المرحلة، للأسباب التالية:

1- تباطؤ النمو الاقتصادي.

2- ارتفاع نسبة البطالة.

3- دخول النساء بقوة للمشاركة في قوة العمل. فقد سدت النساء الحاجة المطلوبة للعمالة الرخيصة الأجر، من أجل النمو الاقتصادي السريع.

4- انتشار موجة تفكيك التصنيع في الدول المتقدمة، ورحيل الرأسمال المعولم إلى البلدان العالم ثالثية حيث اليد العاملة رخيصة وغير محمية.

5- التشريع الجديد الذي يسهل على الشركات تسريح العمال.

6- تجميد الأجور الحقيقة.

7- التفكيك التدريجي لدولة الرعاية الاجتماعية، وظهور سياسة “دعه يعمل”، والاحتكام القوي إلى الفردية والجشع والخوصصة وروح المشروع الحر.

8- تحول العالم الصناعي من “الفوردية”: التجميع الصناعي للإنتاج بالجملة، المنظمة السياسية الجماهيرية، تدخل الدولة في الرعاية الاجتماعية، إلى اللامركزية الصناعية المترافقة مع انتشار حيز الإنتاج، وانسحاب الحكومة الوطنية من سياسة التدخل لصالح الفقراء، وتحرير التجارة والخوصصة. وأكثر من هذا أطلقت أزمة 1973 العنان لكل الأساليب التي تؤدي إلى الربح والاستغلال.

هذا التطور في أنماط تشكيل القوة العاملة، وفي التطورات الاقتصادية والسياسية، أدى إلى انعدام الأمن الوظيفي لدى الطبقة العاملة.

كان تراكم رأس المال قبل العولمة يعتمد على زيادة السرعة الإنتاجية (الابتكارات التكنولوجية في الإنتاج والتسويق، والتبادلات المالية، والثورة في عملية النقل والاتصالات: طرق السكك الحديدية، السيارات، الطيران، الاتصالات السلكية واللاسلكية) التي قلصت حدود الزمان والمكان. بينما رأسمالية تحول ما بعد الحداثة فقد تميزت بثلاث ميزات:

– تراكم رأس المال والنمو الاقتصادي المستدام باستغلال العمال والطبيعة.

– مادية السوق المفتوحة التي لا تعرف القيود أو الحدود.

– جشع الساسة الذين يقودون الشعوب. (تحكم رأس المال في السياسة والخضوع الأعمى لقوانين تراكم رأس المال، واتباع سياسة المصلحة الخاصة).

الجواب الوحيد المتكرر الدائم، الذي يقدمه هؤلاء المستغلين لجهود الناس من الساسة ورجال الأعمال، عن دواعي هذه الإجراءات: “نحتاج أن نبقى أو نصبح منافسين في سوق عالمي”.

هكذا فتحت رأسمالية ما بعد الحداثة بابا “للداروينية الاجتماعية”: الجشع والاستغلال بلا حدود، والتقديس الأعمى للربح، على حساب الاهتمام بالواقع الاجتماعي لعامة الناس، وعلى حساب القيم والأخلاق، والعدل الاجتماعي والإنصاف.

إن قوة الحركات الاجتماعية هي في العصيان الجماعي، وهو مفتاح الحركة الاجتماعية. هذه القوة لم تعد موجودة اليوم بسبب ضعف معارضة العمال ضد التغييرات الخطيرة السالفة الذكر. وضعف قدرتهم على المساومة والمفاوضة. ففي المغرب مثلا انخرط قادة العمال في اللعبة الانتقالية، والصراعات والانشقاقات الحزبية، والفساد والقابلية للمساومة. ولم يعد بمقدور عامة الناس المشغلين الانخراط والنضال من داخل مؤسسات ليس لهم حق المساهمة في تقرير توجهاتها أو المشاركة في صنع قراراتها. فلا يمكن لهم أن يتبنوا مؤسسات تصدهم وتقصيهم.

وهذه النقابات أيضا لم تعد تهتم بنقد الأسس الفلسفية للدولة الليبرالية التي تهيمن على السوق، بل جل ما تهتم به أن تقدم بين الفينة والأخرى، وخاصة في المواسم الانتخابية، لوائح مطلبية، وإجراء حوارات شكلية مع بعض الهيئات الحكومية. بينما القضية الأساسية هي طبيعة ونوع النظام الاجتماعي الذي يجب أن يحل محل النظام الرأسمالي المتوحش المستغل للطبيعة والبيئة والإنسان. نظام مهتم بالتوازن الاجتماعي، والعدل والإنصاف. هذا النظام قاعدته الأساس المِلكية المزدوجة: خاصة وعامة، وتدخل الدولة الإيجابي، والتأكيد على القيم المدنية والأخلاقية. ولا يقولن قائل بأن مسألة تدخل الدولة في الاقتصاد مسألة تجاوزها التاريخ. فهذه مقولة خاطئة، فالدولة لا زالت تتدخل، ولا تتدخل إلا لصالح أصحاب الشركات والرساميل الكبرى والقوى الاحتكارية. فالدولة الآن ليست محايدة، فهي منحازة إلى الأقوياء فقط. هذا بالإضافة إلى ضرورة إجراء تغييرين أساسين على مستوى الأداء النقابي:

1- التفكير في تقوية اتحاد العمال والمشغلين. (لا مناص من جبهة نقابية).

2- ضرورة التدبير الجماهري للشأن النقابي، واعتماد الديمقراطية الحقيقية، للخروج من هيمنة السياسة على النقابة، والتحرر من التبعية الحزبية، الحزبية التي أفرغت العمل النقابي من محتواه. هذه الحزبية التي دورها أن تبارك السياسات المخزنية، وأن تبعبع داخل الحظيرة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.