مقدمة

عشية الاحتفال بعيد الشغل يكثر حديث المستضعفين من العمال والمأجورين عن الدور الذي تلعبه النقابات من أجل تحسين أوضاع الشغيلة، ومدى التزامها ووفائها لقضاياهم ومطالبهم، إن على المستوى المحلي القطري حيث أجر العمال، وحيث ظروف العمل لا تضمن كرامة العامل، وحيث الهوة بين الأغنياء والفقراء في اتساع مستمر، والبطالة في ارتفاع متزايد، وإن على المستوى العالمي حيث الأزمة الاقتصادية بسبب الجشع والرغبة اللامتناهية في الربح وتراكم رأس المال لأصحاب الشركات والمستثمرين، وحيث سياسة التقشف تأخذ من أموال الفقراء وتردها إلى الأغنياء، فكانت النتيجة تسريح آلاف العمال، وتدهور أوضاع الناس الاجتماعية.

فما السبيل إلى عمل جاد ومسؤول يسعى إلى تحسين شروط عمل العامل والرقي بمستواه التكويني المهاري حتى يتقن عمله ويبدع فيه؟ عمل نقابي يجعل من المشغل شريكا يجب التعاون وليس عدوا يدخل معه في صراع، عمل نقابي يلح على ضرورة إخبار الإنسان – العامل بأنه خلق ليعبد الله لا إله إلا هو، وأن ظروف العمل لا يجب أن تنسيه هذه الوظيفة السامية، وأن إتقانه لعمله وإخلاصه فيه عبادة يتقرب بها إلى الله جل وعلا.

مع المستضعفين

أمر الله سبحانه وتعالى بالجهاد في سبيله، ومن أجل المستضعفين. قال تعالى: ومالكم لا تقاتلون في سبيل والله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا النساء 75.

سبيل الله هو ما أنزله في كتابه وبعث به رسوله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله الأنعام 53.

أما الجهاد من أجل المستضعفين فهو من أجل رفع الظلم عنهم وتحريرهم من أشكال الاستبداد والاستعباد، وهو الجهاد الأكبر، جهاد البناء، بناء كيان الإنسان وكيان الأمة، وإخراج الناس من صف الاستضعاف إلى ميدان الاستخلاف، وجعل الإسلام منهاجا للعمل والفكر والتنظيم. إن الوعي المشغول بالظلم والفقر والتعاسة لن يسمع أي نداء قبل نداء العدل، ففي أذن الجائع لا يسلك إلا صوت يبشر بالخبز وفي وعي المقهور المحقور لا يتضح إلا برهان الحرية.)في الأثر: كاد الفقر أن يكون كفرا. فمن كان شغل يومه ونهاره هم القوت والمأوى والكسب والشغل والدَّين ومرض الأطفال ومصير الأسرة لن يستمع لعرض المبادئ العليا ولو كانت دينا يؤمن به، لا وقت له، لا استعداد لا مناسبة. لن تسمع تلك الآذان البريئة حديثا عن الدين في ذلك السياق المعاشي، لن يطرق ذلك الوعي الساذج ما يخدش الدين في وعود التحرر الذي يتعطش إليه المقهور المحقور) 1 .

لذا فالتدافع النقابي المنهاجي هو على هذه الأرضية ومن أجل هذه الحيثية، حيثية تأمين الحرية والكرامة والقاعدة المادية الملبية لضروريات الإنسان وحاجياته من مأوى ومسكن ولباس وتعليم وصحة ليعيش آمنا في سربه معافى في جسده يملك قوت يومه ليتزود لمعاده بنفس راضية مطمئنة) 2 .

قبل أن يجف عرقه

أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأجير وأثنى عليه وطلب من أمته أن تكرمه وتحسن إليه، فهل نضيع نحن الوصية؟ من يسرع له بالأجر قبل أن يجف عرقه فيكون له الثواب العظيم، بل ومن يقف بجانبه حتى تتحسن شروط عمله ليصبح له نصيب مما ينتجه من ربح، فيكون له أجر الدفاع عن المستضعفين؟

إن الأجير عندنا في ظروف أقل ما يقال عنها أنها مُهينة ومقابل أجر لا يضمن أدنى حق في حياة كريمة، ولعل ذلك سياسة مقصودة من الأنظمة الاستبدادية حتى تضمن ولاء المستضعفين، ولاء سببه الجوع والجهل وليس الحق والعدل. أي مصير ينتظر من يعملون على تجويع الشعوب. إمرأة من بني إسرائيل عُذبت في هرة منعتها الأكل والشراب، فما بالك بتجويع الملايين من المسلمين؟

يجب العمل من أجل تقليص الهوة بين الأغنياء والفقراء، فثروات البلاد ملك للجميع، وليس لفئة بعينها تتصرف فيها كيفما تشاء، لا حسيب ولا رقيب، في حين أن السواد الأعظم من الشعب يعيش الفقر والحرمان.

ذهنية الواجب

قال رسول الله صلى: “إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يُتقنه” 3 . إذن فإتقان العمل والالتزام به وأدائه بأمانته من الأسباب التي توجب محبة الله للعبد، والعبد المؤمن يتقرب إلى الله ويتحبب إليه بإتقانه لعمله، بل وتطويره والإبداع فيه، وحتى يقوى العامل على الإبداع في عمله لا بد له من تكوين وتعليم وتدريس، وهذه من المهام التي يجب أن يتصدى لها العمل النقابي حتى لا يبقى سجين ثقافة المطالبة بالحقوق، وحتى يكون العامل عنصرا فعالا وشريكا حقيقيا هدفه تطوير العمل وإنجاحه، بغرض تحقيق التنمية المنشودة في مختلف المجالات، وذلك يمر بالضرورة عبر انخراط جميع العمال وصبرهم على أداء مهامهم بمسؤولية وإتقان وإخلاص، وتلك هي الأولى في تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي والصناعي.

الإحسان

الإخلاص في العمل وإتقانه غاية وقيمة عليا تسعى الإنسانية جمعاء لتحقيقها. فما هي السبل والآليات التي من شأنها أن تساعدنا على بلوغ ذلك؟. يمكن أن نستعين في ذلك بتشريع القوانين وتخصيص مكافآت للعمال والمأجورين، لكن التجربة أثبتت أن ذلك وحده لا يكفي، وأن الضامن لإتقان العمل والإخلاص فيه هو استحضار مراقبة الله عز وجل، هو أن يعلم العامل أن الله مراقب لأعمال العباد، لا تخفى عليه خافية، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. حينئذ يتحول عمل العامل وجهده إلى عبادة يتقرب بها إلى ربه، كلما زاد صبره وإتقانه زاد قربه من الله. وحتى يبلغ العامل هذا المقام لا بد له من إطار نقابي يهتم له بآخرته كما يهتم له بدنياه، ويحرص على تربية الإيمان في قلبه، كما يحرص على تحسين شروط عمله، إطار نقابي يخبره بأن الله عز وجل يقول: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين الذاريات 56-58، ويخبره أيضا بأن الله جل جلاله يحِب ويُحَب، وأن من الأعمال التي توجب محبة الله للعبد: إتقان العمل وأداؤه بإخلاص وأمانة.

خلاصة

إن العمل النقابي حسب التصور المنهاجي واجب شرعي بنص الكتاب والسنة، بما هو وقوف بجانب المستضعفين من العمال والمأجورين، ودفاع عن حقوقهم، ومطالبة بتحسين أوضاعهم وشروط عملهم، وكذلك هو تكوين للعمال وتطوير لقدراتهم ومهاراتهم حتى يتمكنوا من إتقان العمل والإبداع فيه، ثم هو أيضا تذكير للإنسان – العامل بأنه خلق لعبادة الله، وأن له لقاء مع الله لا بد أن يستعد له.

اللهم اجعلنا من المؤمنين الصادقين المخلصين في أعمالهم. آمين والحمد لله رب العالمين.


[1] في التصور المنهاجي للعمل النقابي – ذ عبد الرحيم هندا. ص 37.\
[2] المصدر نفسه ص 40.\
[3] رواه البيهقي في شعب الإيمان.\