الدعوة إلى الحوار هي دعوة إلى منهج البحث عن الحقيقة، والحوار مع الآخر لا ينطلق من منطق الوصاية والاستعلاء على المخالف، سواء كان هذا المخالف شخصا طبيعيا أم اعتباريا، لأن الحوار هو إيمان عميق بالاختلاف في المدارك، التي هي حقيقة شرعية وكونية، أقرها الشرع، كما أقرتها التجربة الواقعية.

فالإنسان عامة، بغض النظر عن كونه مسلما أم غير مسلم، مطالب بالاعتراف بالمخالف ومحاورته، وممارسة ذلك كتربية بل كسمة للإنسان المتحضر، لأن أول خطوة في الحوار هو الاعتراف بالمخالف، واحترام فكره ومعتقده، وهذا ما نلحظه جليا في منهج القرآن الكريم، حيث نجده يعترف بالمخالف، ويحاوره، كحواره عز وجل لإبليس، رغم أن رأيه باطل وضلال.

بل يذكر القرآن الكريم آراء المخالف ويرويها لنا بأمانة علمية، قال تعالى: وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر 1 ،… والقرآن الكريم مليء بالآيات المقرة والمعترفة بالآخر، وحقه في الاختلاف، بل بحقه في الانفراد برأيه والبقاء عليه، مع تحميله مسؤولية رأيه الدنيوية والأخروية، من غير وصاية عليه من أي جهة كانت (سلطة دينية، أم سياسية)، قال تعالى: قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم 2 .

فإذا عرفنا وتقرر لدينا ما سبق، وغيره كثير في القرآن والسنة، أن الخطاب القرآني الذي هو من قبل الله عز وجل، رغم عظمته وقوته وجبروته، يقر بالمخالف، فما بال السلطة في بلدنا لا تقر بالوجود للمخالف، بل لا تعطيه الحق في التعبير عن رأيه، وإذا سمحت له بهامش من الحرية، كان في ما لا يمس ولا يؤثر في فكرها، ولا يضر بمصالحها الضيقة، وأطلقت على مخالفها: مصطلحات لا تنم عن الحضارية والحداثية التي يتشدق بها إعلامها المكتوب والمرئي (إرهابي، محظور، عميل، …)

إن الحوار مع المخالف في الفكر والمعتقد ليس تنازلا أو حطا من هيبة الدولة كما يفهم الإقصائيون في بلدنا، بل الحوار دليل على قوة الدولة على الإقناع وقدرة المسؤولين على تدبير الشأن العام، وهو تعهد يدل على مصداقية الدولة لتحظى بالاحترام والتقدير، وليس الهروب إلى المقاربة الأمنية. والهرع إلى الهراوة واستعراض العضلات، صفة لصيقة بالضعفاء، ونحن أيها القارئ الكريم نريد دولة قوية قادرة على التحاور والإقناع.

إن سياسة عض الأصابع، ولي الذراع التي اعتدناها في بلادنا، والتي للأسف هي الممارسة إلى حد الآن، حتى مع رياح التغيير التي سادت المنطقة العربية، لا يمكن أن تحل الأزمات والمشاكل المتراكمة في بلادنا، بل أنتجت احتقانات في الماضي، لكن كانت هناك قدرة على استيعابها، والتغلب بمنطق القهر عليها، لكن اليوم ليست هناك أي ضمانة للاستيعاب، أو التغلب على المخالف، إن لم نسلك طريق الحوار لتدبير الخلافات.

لغياب الحوار عرفنا هذا الفشل في كل عمليات الاصلاح التي تجري في محيطنا، فهي إصلاحات يغلب عليها منطق الوصاية والفردانية، والرأي الوحيد، المستبد بالقرار دون غيره.

فالدولة القوية هي التي تحترم شعبها، هي التي تعترف بوجوده، هي التي تعترف برأيه، هي التي تحاوره، هي التي تحترم المخالف إن لم يتفق معها، وفضل البقاء على رأيه غير مخل بالصالح العام، هي التي لا تقصي المخالف وتنعته بأشنع النعوت، هي التي تبدي استعدادها التام للتخلي عن تصوراتها ومعتقداتها التي تقتنع بها قبل الحوار وتبني نقيضها إن اتضح أن الحق مع الرأي المخالف.


[1] الجاثية: 24.\
[2] الزمر: 39-40.\