تحدثنا في الحلقة الأولى عن مفهوم إدارة الوقت، ورصدنا ثلاثة مستويات تشير إلى أهميته، الأولى كون الإنسان محاسب عليه أمام الله عز وجل، والثانية في محدوديته أما الثالثة ففي النتائج التي يمكن تحقيقها من خلال حسن إدارته.

قيمة الوقت في الإسلام

نبّه القرآن الكريم إلى أهمية الوقت كثيراً في سياقات مختلفة وبصيغ متعددة منها الدهر، الحين، الآن، اليوم، الأجل، الأمد، السرمد، الأبد، الخلد، العصر… وغير ذلك من الألفاظ الدالة على مصطلح الوقت. وتتمثل أهمية ومحورية مفهوم الزمن في الرؤية الإسلامية من خلال عدة وجوه يمكن إجمال أهمها في:

أولاً: الوقت من أصول النعم

إن نعم الله على العباد لا تعد ولا تحصى، ومن أَجَلِّها نعمة الوقت، فالوقت هو عمر الحياة، وميدان وجود الإنسان، وساحة ظله وبقائه ونفعه وانتفاعه، وقد أشار القرآن إلى عِظمِ هذا الأصل في أصول النعم، وألمح إلى عُلوّ مقداره على غيره، فجاءت آيات كثيرة ترشد إلى قيمة الزمن ورفيع قدره وكبير أثره) 1 . يقول الله عز وجل في معرض الامتنان وبيان عظيم فضله على الإنسان في سورة إبراهيم: وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)، فامتن سبحانه في جلائل نعمه بنعمة الليل والنهار، وهما الزمن الذي نتحدث عنه ونتحدث فيه ويمر به هذا العالم الكبير من أول بدايته إلى نهاية نهايته. وقد أكدت السنة المحمدية ما جاء في القرآن الكريم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس” 2 . ومعنى قوله: كثير من الناس، أي أن الذي يوفق لذلك قليل… فقد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنياً ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون) 3 .

ثانياً: القسم بالوقت

ورد التنبيه في القرآن الكريم إلى عظم الوقت بأن أقسم الله به في مواطن كثيرة من كتابه العزيز، ومن ذلك قوله عز وجل في سورة العصر: وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)، وقوله في سورة الليل: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وقوله في سورة المدثِّر: وَاللَّيْلِ إِذا أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34)، وقولـه تعالى في سورة الفجر: وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)، وفي سورة الضحى: وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)، فنلاحظ من الآيات السابقة أن الله عز وجل أقسم بالوقت الذي هو الدهر والزمان، كما أقسم ببعض أجزائه، فالليل صنو النهار والفجر أول النهار والشفق أول الليل والضحى ما بين الغدو والزوال، قال الرازي في تفسير قول الله تعالى: وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)“، إن الدهر والزمان في جملة أصول النعم فلذلك أقسم الله به – ولأن الزمان والمكان هما أشرف المخلوقات عند الله – كان القسم بالعصر قسماً بأشرف النصفين من ملك الله وملكوته) 4 . ويقول الشيخ يوسف القرضاوي: من المعروف لدى المفسرين، وفي حس المسلمين، أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه، فذلك ليلفت أنظارهم إليه، وينبههم على جليل منفعته وآثاره) 5 .

ثالثاً: ارتباط الوقت بالغاية من الخلق

خُلق الإنسان لغاية نبيلة وهدف سامٍ ألا وهو عبادة الله وإعمار الأرض، وبين هذا وتلك تدور حياة المسلم، قال الله تعالى في سورة الذاريات: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56). قال ابن الكثير في تفسيره أي إلا ليقروا بعبادتي طوعاً أو كرهاً). وقد ارتبطت العبادات بمواعيد ومواقيت محددة من قبل العزيز الحميد، مما يرفع من أهمية الوقت في حياة المسلم، وعلى رأس تلك العبادات الصلوات الخمس، التي قال الله فيهن في سورة النساء:“إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (103)، قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن أي مفروضة لوقت بعينه). وحين سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: “أي الأعمال أفضل؟ قال الصلاة لوقتها” 6 . كذلك الزكاة لا تجب في المال حتى يمضي عليه حول كامل، بعد ذلك يأتي الصوم وهو مؤقت برؤية هلال شهر رمضان ابتداءً وانتهاءً، ثم يليه الحج الذي فُرض على المسلم في العمر مرة فنجده محدداً بوقت معلوم، هذا إضافة إلى الأذكار والنوافل التي يتعبد بها المسلمُ ربّه في كل صباح ومساء.

رابعاً: الوقت مسؤولية كبرى

روي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يومٌ ذهب بعضك)، وهذا (البعض) يتبعض أيضاً إلى ساعات ودقائق وثوانٍ، كلما ذهبت دقيقة أو ثانية ذهب بعضك؛ فالوقت هو الحياة. وهذا معنى مشترك يعرفه الناس جميعاً، ولكن الإسلام زاد على ذلك المعنى حين جعل الوقت أمانة عند الإنسان، ورأس مال يحاسب عليه؛ فهناك أربعة أسئلة سيُسألها العبد أمام الله عز وجل يوم القيامة، منها سؤالان خاصان بالوقت، ففي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه؟ وعن جسده فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟” 7 ، أي أن العبد في ذلك الموقف العصيب، يوم القيامة، لن يبرح ذلك المكان، حتى يسأل ويحاسب عن مدة عمره بعامّة كيف قضاها، وعن فترة شبابه بخاصة كيف أمضاها. وتزداد المحاسبة حين يزداد رأس المال؛ قال تعالى في سورة فاطر: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (37)، وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: “أعذر الله إلى امرئ أخَّرَ أجله حتى بَلَّغَه ستين سنة” 8 . ويذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم موقفين للإنسان يندم فيهما أشد الندم على ضياع الوقت حيث لا ينفع الندم، الموقف الأول ساعة الاحتضار وفيه يقول الكافر كما أخبر القرآن الكريم في سورة المؤمنين: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)، والموقف الثاني في الآخرة، يقول تعالى في سورة يونس: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ (45). وقد كانت المفاهيم العظيمة السابقة عن الوقت وأهميته ماثلة للعيان دوماً في حياة الناجحين من سلف هذه الأمة، فهذا أبو بكر الصديق يوصي عمر رضي الله عنهما قائلا: اعلم أن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وأن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل). كما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد عملي)، ويقول الإمام ابن القيم الجوزية: فالعارف لزم وقته، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها، فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، وإن ضيعه لم يستدركه أبدا (…) فوقت الإنسان عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر أسرع من مر السحاب. فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبا من حياته، (…) إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها) 9 . وروي عن الحسن البصري قوله: ما من يوم ينشق فجره إلا نادى مناد من قبل الحق: يا أبن آدم، أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني بعمل صالح فإني لا أعود إلى يوم القيامة)، وقال أيضا: بادر أجلك ولا تقل غدًا غداً فإنك لا تدري متى تصير إلى الله). هكذا كان ميراثهم، ميراث العلماء وسلف هذه الأمة في الاستفادة بالوقت والاعتناء به، كانوا حريصين كل الحرص على ألا يمر بأحدهم يوم أو بعض يوم أو برهة من الوقت وإن قصرتْ، دون التزود منها بعلم نافع أو عمل صالح أو إسداء خير ونفع إلى أحد من المسلمين، أو تقديم خدمة أو نصيحة إلى الأمة، فقد كانوا رحمهم الله يسابقون الساعات، ويبادرون اللحظات ضناً منهم بالوقت، وحرصاً على ألاّ يذهب منهم هدراً. فالاهتمام بالوقت، وإعمال العقل في استثماره، والاستفادة منه، مطلب هام في حياة المسلم، وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: أعلى الفِكَر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة فما كان لله أنواع. وذكر منها: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته وجمع الهمِّ [الهمّة] كلّه عليه فالعارف ابن وقته، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها، فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، وإن ضيعه لم يستدركه أبداً) 10 . وفي كلام بليغ يضيف رحمه الله: السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها والأنفاس ثمرها فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الجذاذ يوم المعاد، فعند الجذاذ يتبين حلو الثمار من مرها) 11 . تلك هي نظرة الإسلام للوقت، وهذه هي حال سلفنا الصالح معه، فأين نحن منهم اليوم؟ إن البون شاسع والفرق كبير بين حالهم في حفظ الوقت وحالنا في تضييعه، مما يحز في النفس ويثير شجونها التفنن الذي تعيشه أمتنا في تضييع أوقاتها على الصعيدين العام والخاص، مما أدى إلى أن يمضي العالم بدوننا إلى المستقبل، وكأننا من أيتام التاريخ، وإن لم يتحول هذا التفنن إلى تفنن في استثمار هذه الأوقات وإعمارها على الوجه الصحيح فستبقى الهوة بيننا وبين المستقبل كبيرة، بل ستصبح في اتساع مطرد، وسنبقى حيث نحن نستورد المنتجات الحضارية ونستهلكها، وأخيراً سيصبح بقاؤنا تحت سيطرة مطلقة وفريدة لمنتجيها) 12 .


[1] أبو غدة، عبد الفتاح، قيمة الزمن عند العلماء.\
[2] رواه البخاري في صحيحه.\
[3] ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري.\
[4] الرازي، محمد فخر الدين، مفاتيح الغيب.\
[5] القرضاوي، يوسف، الوقت في حياة المسلم.\
[6] رواه البخاري في صحيحه.\
[7] أخرجه الترمذي والطبراني في المعجم الكبير، وصححه الألباني في صحيح الجامع.\
[8] أخرجه البخاري في صحيحه.\
[9] ابن القيم، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيّم الجوزية، الجواب الكافي.\
[10] ابن القيم، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيّم الجوزية، الداء والدواء.\
[11] ابن القيم، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيّم الجوزية، الفوائد.\
[12] الأحدب، خلدون، سوانح وتأملات في قيمة الزمن.\