أشكر الله كل صباح على النعمة القصوى، نعمة التفكر، فحياتنا مليئة بتفاصيل صغيرة لا تخلو أبدا من مكامن البهجة، مهما امتلأت بالأحزان. تفاصيل صغيرة تجعلك منبهرا أمام جميل صنع الله.. رغم الفقر والفوضى، والخوف والقلق، فإن هذه التفاصيل الجميلة في حياتنا مازالت كثيرة والحمد لله. كأس من الشاي “المعتبر” فى صبيحة باردة، تحتسيه تحت اللحاف. نظرة ود دافئة لأمك حين تقبل رأسها في امتنان، يد أبيك الصلبة المتجعدة وهو يدعو الله أن يرضى عنك.. منظر زهرة فاتنة تتمايل مع الريح في غنج، عصفور يجرب المشى على الأرض فخورا بالمغامرة يذكرك بطفولتك..

سجدة تطول دون سابق ترتيب تلملم خشوعك الآيل للسقوط، إنسان يقول جملة مفيدة قد تغير حياتك، رؤية من عالم الغيب تداهمك أثناء جلسة الشروق فتسرك ولا تغرك، أموال تنتظرها من جهة فلا تأتى ثم تداهمك بغزارة من حيث لا تتوقع، ضحكة عميقة من المستحيل أن تقدر على شرح كيف انطلقت من داخلك، ولماذا تركت بداخلك هذا الشعور المريح، نسمة هواء باردة في يوم حار تجعلك تأخذ نفسا عميقا وتخرجه مصحوبا بلفظ الجلالة، صحن عدس ساخن مع خبزة يجعلك تهتف وأنت تمسح الصحن في شراهة: “الحمد لله” الذي أنشأ وأبدع وبرأ وصور وذرأ وبثَّ الدواب والأحياء في السماوات والأرض…

أشياء كثيرة ستبهجك وأنت تعيد اكتشاف هذا الكون الكبير، ستفاجأ من روعة الأشجار المثمرة، والأنهار الجارية، والسماء العالية، والنجوم المتلألئة، وتعاقب الليل والنهار.. ستذهلك آيات وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا.. ستكتشف أن الزهور تسبيحة، والغصون ترنيمة، والعطور رسالة عشق. وستذوب رقة أمام كل ما يلمس القلب على هذه الأرض. ستجعلك هذه النعمة تمشى على الأرض هونا وتنكب ساجداً لخالقك بالقلب قبل الجبين..

التفكر من أشرف العبادات، لأنه عبادة معرفة الله.. ونعمته من أرقى النعم.. فالإيمان بالله ليس ثمرة الدراسة الواعية للكون الكبير وما انبثَّ فيه من أحياء) كما يدعي البعض، بل منة من الله، ويخدعك من يقول ربنا عرفوه بالعقل)، فكم حفل تاريخ الملاحدة بالعباقرة..

أسرار هذا الكون المدهش لا يعرفها إلا من فتح نوافذ قلبه لآيات القرآن الصامت الذي هو هذا الكون الواسع البديع. قال الحسن البصري -رحمه الله-: تفكر ساعة خيرٌ من عبادة ليلة).. فنعمة التفكر ستجعلك تأكل الخبز بالرضا وتقابل التعب بالصبر وتمزج المحن بالدعاء.

سيعلمك التفكر أن أبسط الأشياء التي تمارسها طيلة الوقت -دون أن توليها اهتماما أو تعتبرها نعمة- تصبح وبالا عليك إذا أصابها العطب.. العينان، واللسان والشفتان، واليدان والرجلان فبأي آلاء ربكما تكذبان..، ستتعلم أيضا، كيف تشعر بالمريض وتشكر الله على نعمة العافية. فمن الناس من يكون مستعدا للتنازل عن الدنيا كلها مقابل أن يتبول دون ألم.

نعمة التفكر ستجعلك تقرأ بوضوح كل الرسائل التي يبعثها الله لك كل يوم، رسائل كنت تتسلمها ولا تفتحها، أو تفتحها ولا تقرأ ما فيها، أو تقرؤها وتهملها.. الخبز الدافىء رسالة، والماء البارد رسالة، والنوم الهانىء رسالة، والعافية الوارفة رسالة، عثراتك في الحياة رسالة، سقوطك رسالة، نجاحك رسالة، مرضك رسالة، كل نعمة رسالة.. ستدرك أيضا، أن الجوع نعمة والألم نعمة!! فلولا نعمة الجوع لمِت وأنت تسير في الطريق لأنك لن تبالي بحاجة جسمك إلى الطعام، و لولا نعمة الألم ما شعرت أنك بحاجة إلى الطبيب..

كل ما يحيط بك نعم يسوقها الله عز وجل إليك، نعمة الوالدين، نعمة الزوج، نعمة الأبناء، نعمة الإدراك التي أعطاك الله إياها… ستدرك أيضا عظمة نعمة الستر، فقد سلف في الأمم أنه إذا أذنب أحدهم أصبح مكتوباً على جبهته قد فعل البارحة كذا وكذا، وأمة أخرى إذا أذنب أحدهم بالليل أصبح مكتوباً على باب بيته فلان فعل كذا وكذا، لكن الله عز وجل قد أكرمك بنعمة الستر، ولولا نعمة الستر ما تصافح الناس، لولا نعمة الستر ما تحاب الناس وما تقاربوا من بعضهم البعض، لولا نعمة الستر لما احترمك أحد في هذا الوجود، ولما استطعت أن تقضي حاجة من حاجاتك أو مطلباً من مطالبك.

بقليل من التفكر ستتذوق لذة هذه النِعم التي تساق إليك، نعمة (لا إله إلا الله)، نعمة الصحبة تحملك وتحمل عنك، نعمة الجماعة تتوب إلى الله وتدعو الناس إلى التوبة، نعمة الذكر والصدق والخصال العشر وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا..

وكلما أمعنت في التفكر، رأيت نعمة الله عليك، فتجاوزت النعمة إلى المنعم، والشقي من بقي عند النعمة، يستمتع بالبيت، يستمتع بالطعام، بالشراب، يستمتع بالزوجة والأولاد، وينسى فضل الله عليه وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً.

أكبر نعمة أن تعرف الله، فمن عرف الله عرف كل شيء، ومن فاته الله فاته كل شيء.. نعوذ بالله أن يفوتنا الله، ونعوذ بالله أن نكون أصحاب قلوب لا تشعر، وعقول لا تعرف، وآذان لا تسمع، وعيون لا ترى.. قُلِ اللّهُ، ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ. وصلى الله وسلم على خير الورى.