استجابة لواجب النصرة والتآزر سطرت “الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة” برنامجا للتضامن والدفاع عن القدس وكل فلسطين، وللانخراط في فعاليات المسيرة العالمية نحو القدس. واستحضارا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصبح وهمه غير الله فليس من الله ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

25 مارس ومسيرة المغرب الأقصى

لطالما استجبت -بتوفيق الله ومنه- لنداءات النصرة والتضامن، وحضرت في مسيرات وتظاهرات وفعاليات متعددة، وفي كل مرة كنت أشعر بثقل الأمانة الملقاة على كاهلي، لكن مسيرة الرباط في 25 مارس 2012 ليست أبدا كسابقاته، إنها مسيرة فريدة من نوعها، لأسباب واعتبارات متعددة، ذاتية وموضوعية، فسياق المسيرة، وتدابير تنظيمها، ورمزيتها لارتباطها بأم القضايا وأهمها، تجعل منها استثناء بكل المقاييس، وهو ما أشعرني بحمل أثقل ومسؤولية أكبر من كل مرة.

وجاء اليوم المشهود وحجت مئات الآلاف إلى العاصمة الرباط، من كل حدب وصوب، من أقصى المغرب إلى أقصاه، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، وجوه متوضئة وقلوب طاهرة صادقة لبت نداء النصرة، وهبت بكل قوة وعزيمة، لم تثنها بعد المسافات ولا مشاغل الحياة وهمومها، عن إعلان الوفاء والولاء للقضية الأم، قضية فلسطين ونصرة المستضعفين.

في 25 مارس أحسست أنني خرجت إلى القدس، إذ المسيرة حلقة من حلقات البرنامج الذي أطلقته الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، ومحطة من محطات المسيرة العالمية نحو القدس، ناهيك على أن طبيعة الحضور وكثافة المشاركين في تلك المسيرة يلهبون الحماسة ويذكون العزيمة ويشحذون الهمة للمضي قدما، والإقدام لاقتحام العقبة وتحرير القصد والمقصد.

ذكر وذكرى وتذكير لنصرة الأقصى

بأهازيج الذكر والابتهال وزغاريد الفرحة والسرور البادية على محيا الزوجة الوفية الصادقة، وعبارات الإكبار، ودعوات التوفيق والحفظ حزمت حقيبتي ورتبت أغراضي، وهمسات وطرقات البنات تزيدني عزما وقوة، خاصة وأنها تذكرني بأطفال الحجارة أبناء المجاهدين وأحفاد صلاح الدين، وقادة المقاومة والتغيير، والأطفال الأبرياء من ضحايا النظام الدكتاتوري في سوريا الجريحة، لأضع بين عيني تلك البراءة الصافية قبلة الوداع، وقلبي قبل لساني يرفع خالص الدعوات لحفظ أبناء الأمة الإسلامية في كل بقاع العالم، ويحمد الله تعالى ويثني عليه أن يوفقني لهذه المسيرة حضورا وإسهاما.

خرجت من البيت والبهجة تملأ الأركان، وانشراح الصدر يوقظ جفنتي في فجر يوم مشهود، ورتبت مع الأستاذ محمد حمداوي والأستاذ شعيب العاهيدي لنسير إلى البيضاء، وفي الساعات الأولى من صباح يوم الأربعاء 28 مارس 2012 -وكما كان منتظرا ومرتبا- بدأ أعضاء الوفد المشارك في مسيرة القدس العالمية يتقاطرون عند بوابة مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء، كلما رأيت أحدهم إلا وحملني شوق عظيم أن أسابقه إلى التحية والتقدير، والتذكير بفضل الله علينا، وعدسة الكاميرات تؤرخ للذكرى، في صور فردية وجماعية، تشعر الجميع بجسامة المسؤولية التي تحملوها لنصرة قضية وتمثيل شعب.

وفي حدود الساعة 12:00 تقدم الأستاذ عبد الصمد فتحي، منسق الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، بين يدي الوفد بكلمة توجيهية استهلها بالثناء على المولى سبحانه الذي يسر السبل والأسباب، واصطفى من بين ملايين المغاربة فئة تمثلهم، مذكرا بسياق المسيرة، وأهدافها وأهميتها الرمزية في الدعم والنصرة، وداعيا الجميع إلى تجديد النية والقصد، والاستعلاء على الحسابات والانتماءات الضيقة، واستحضار عالمية القضية الفلسطينية وسمو مكانتها على كل ولاء محدود، معتبرا أن رسالة الوفد المغربي تتمثل في الولاء المطلق للشعب الفلسطيني.

حكمة العدد وحكمة الشيخ وروعة المعالم

كان العدد 30 بركة المسيرة وعنوانها الأبرز، سهل التأريخ للحدث ومشاهده، ففضلا عن تاريخها في 30 مارس، وعدد المشاركين 30، الذين يمثلون أزيد من 30 مليون نسمة، بعيدا عن كل حساب سياسي، أو ولاء تنظيمي، حيث القضية جامعة، والمواقف ثابتة.

كما عاش الوفد فعاليات أخرى، حيث نظمت على هامش المسيرة بعض اللقاءات مع شخصيات حفرت اسمها في ذاكرة الوفد مثل الشيخ الفلسطيني إسماعيل نشوان البالغ من العمر أربعا وثمانين سنة، الذي ينطق بحكمة تذعن لها الحواس، وتسكن الجوارح لتنصت آذان القلوب، وتعمق الوعي بالقضية، وتزيد من حماسة المشاركين. وكذا زيارات لبعض المعالم التاريخية والإسلامية التي حملت الوفد إلى حقب تاريخية متعددة، وشخصيات إسلامية رائدة امتدت إلى جيل الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وعمرو بن العاص، وكذا أجيال من الفاتحين وعلى رأسهم الناصر صلاح الدين الأيوبي وما سجلته للتاريخ معركة حطين الشهيرة.

ميدان التحرير ومسيرة التحرير العالمية

لم تكن مصر إلا محطة عبور إلى الأردن لا غير، لكن رمزيتها ضمن مسار الربيع العربي المطيح برؤوس الاستبداد والدكتاتورية، المعلن صحوة الشباب العربي وقدرته على التغيير، وما شكله ميدان التحرير من دلالات رمزية ومعنوية كبيرة في ثورة المصريين ضد النظام البائد للطاغية حسني مبارك، فقد ألح أعضاء الوفد المغربي على زيارة ساحة التحرير، التي رسمت معالم التاريخ المعاصر لمصر المحروسة بأبنائها وأبناء المجاهدين وتربية الإخوان الصادقين.

زيارة زادت من حماسة المشاركين ومعنوياتهم للمضي قدما نحو تحرير القدس من دكتاتورية الكيان الصهيوني، ولو رمزيا عبر هذه المسيرة، إلى حين تحرير الشعوب لنفسها من ربقة الاستعباد والتبعية، وتحرير الأقطار الإسلامية من دكتاتورية الطواغيت المطبعين والموالين والمتواطئين بصمتهم وفعلهم.

الأردن ومشاهد الوحدة الإسلامية على الحدود

ما أروع ذلك الإحساس الذي راودني ونحن نشارك مع أكثر من 80 دولة في المسيرة الكبرى يوم 30 مارس حيث الأعلام الوطنية ترتفع عاليا، وفخر ألوانها رفرافة وهي تعمق الانتساب لبلدان موحدة شعوبها، وإن فرقتها سياسة حكامها، وحدودها الجغرافية الوهمية، مترابطة في عمقها بالقضية الفلسطينية، وداعمة بكل قواها دون شرط أو قيد للمقاومة والتغيير لدحض المحتلين وإسقاط المفسدين والمستبدين، ورافضة بشكل قاطع لكل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، وأنصاره وأزلامه.

فالناظر إلى تلك الجموع الغفيرة يلمس في كل واحد منهم تعبيره الصريح والصادق كل بطريقته الخاصة وعبر مختلف فعاليات المسيرة عن عمق القضية في قلبه وفكره وإيمانه، فهذا يدثر جسمه بالعلم الفلسطيني، وهؤلاء يرفعون شارة التضامن وشعارات النصرة، وأولئك يلفون الكوفية الفلسطينية حول أعناقهم، وأصوات تتعالى من هنا، وأهازيج تتفجر من هناك، وبشائر النصر والتمكين لأمة الإسلام تلوح في أفق قريب من أعين طاهرة وقلوب صادقة.

عود على بدء، والعود أحمد

لم تكن المدة بالطويلة، ولكن ذكرياتها أكبر وأعمق، فالأربعة أيام التي قضيناها مع الوفد في مختلف برامج المسيرة وفعاليتها خلفت آثارا في الفكر والوجدان لا تنسى، وحيث أنه لكل بداية نهاية رجعنا أدراجنا سالمين غانمين –بحول الله- يوم الأحد 31 مارس 2012 لنجد في مطار الدار البيضاء الدولي أعدادا كبيرة من المحبين والمناصرين والشاكرين بلسان حالهم ومقالهم لهؤلاء الرجال الذين مثلوا المغرب في محطة النصرة العالمية. هتافات وزغاريد وتحيات وشعارات أحاطت بأعضاء الوفد من كل جانب رغم أجواء التضييق الذي شهده المطار على هذا الاستقبال الحاشد…

وتستمر مركزية القضية في الفكر والوجدان والإيمان.. كما تستمر مسيرة المغرب لدحض الفاسدين والمستبدين والمطبعين، وإنها لمسيرة حتى النصر، وتحرير العالم الإسلامي من شتى صنوف الاستعمار والدكتاتورية.