نظم مكتب العلاقات الخارجية لجماعة العدل والإحسان ندوة فكرية بعنوان الربيع العربي والتفاعلات السياسية الإقليمية والدولية) وذلك يوم السبت 21 أبريل 2012 بمدينة سلا.

وقفت الندوة، من خلال أربع مداخلات مركزية، على ما عرفه العالم العربي أواخر سنة 2010 وبداية 2011 من ثورات عربية مجيدة، إثر اندلاع موجة من الاحتجاجات والمظاهرات والاعتصامات بتونس فمصر، وسرعان ما انتقلت إلى دول أخرى، وأصبحت ثورات بلغت مداها في البعض وما زالت تلتمس الطريق في أخرى، وقد جاءت الندوة لفتح نقاش جاد وهادئ وعميق حول الربيع العربي وأهم تجلياته وتأثيراته على المستوى الإقليمي والدولي، كما تساءلت عن دور الفاعل الإقليمي والدولي في تعاطيه مع هذا الربيع، ومدى تأثير ذلك على السياسات الخارجية للدول الغربية والإقليمية.

المداخلة الأولى، التي ألقاها الدكتور محمد منار، مدير قسم الدراسات السياسية والقانونية التابع للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، تطرقت إلى الانتفاضات العربية وتأثرها بالعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة في الواقع، وأبرز أن اختلاف الأنظمة العربية وأنساقها السياسية لعب دورا محوريا في طبيعة التغيير في كل بلد، وتطرق كذلك لبعض الأفكار المهمة في كيفية حفاظ الشعوب العربية المنتفضة على أنظمتها الاستبدادية على مكاسب ثوراتها أمام محاولات الالتفاف والاحتواء الداخلية والخارجية، مبرزا الدور الذي لعبته القوى الصاعدة في المحافظة على وحدة الشعوب العربية والمسلمة، معرجا على أبرز التحديات المستقبلية التي تنتظر الثورة في مرحلة بناء البديل.

وأوضح الأستاذ شعيب عاهدي من خلال مداخلة ثانية تحت عنوان السياسات الخارجية الغربية والربيع العربي، أن الربيع العربي وحراك الشعوب جاء مفاجئا لصانع القرار الغربي ومراكز البحث الاستراتيجية التي تضطلع بمهم الرصد والبحث والتحليل والاستشرف وتوقع الأحداث، ومن خلالها صنع الساسيات والقرارات ذات التأثير الاستراتيجي الدولي، وقد بدا هذا التذبذب في موقف الغرب مع الثورة التونسية والثورة المصرية بداية، وسرعان ما تأقلم مع الربيع العربي. كما أبرز أن تعامل الغرب تراوح بين دعم الانتفاضات العربية أو إجهاضها من خلال مصالح سياساته الخارجية، وأشار إلى أن الاستراتيجية الأمريكية من الثورات العربية تستند إلى عدة مبادئ من أبرزها مبدأ الترقب والانتظار، ومبدأ الفصل بين الثورات، ومبدأ تغير الأساليب مع ثبات الأهداف الاستراتيجية، وأضاف أن هناك فرقا ما بين تعامل الحكومات الغربية وتفاعل شعوبها مع هذا الربيع العربي الذي استلهمت منه حراكا مناهضا للتغول العولمي وسياساته الرأسمالية.

وخلال المداخلة الثالثة تحدث الباحث عبد الحميد قابوش عن تركيا والربيع العربي، وعن أهمية فهم الدور التركي وتحديد توجهاته المختلفة والمتنوعة، سواء حيال العالم العربي أو الاسلامي، مبرزا الحاجة إلى توظيف نظرة شاملة متكاملة ومستقلة. وأبرز تأثير الربيع العربي على السياسة الخارجية لتركيا، وفي دراسته لهذه السياسة تحدث عن المبادئ المؤسسة لنظرية “العمق الاستراتيجي” التي أفضت إلى عودة تركيا إلى محيطها العميق والممتد في التاريخ والجغرافيا، والمستفيد من التنوع السياسي في التجربة والمغتنمة لفرصة الهبة العربية والنهضة الشعبية ضد الاستبداد والظلم. كما تطرق للثابت والمركب في السياسة الخارجية تجاه الثورات العربية. وقد خلص الأستاذ قابوش إلى اعتبار تركيا العدالة والتنمية نموذجا اقتصاديا في المنطقة العربية يحتدا، ومشروعا سياسيا حقق الاستقرار.

واعتبر الأستاذ محمد الحمداوي، عضو مجلس الإرشاد ومسؤول مكتب العلاقات الخارجية، في مداخلة رابعة تحت عنوان الربيع العربي وتفاعلاته المحلية في المغرب، أن ما عرفه العالم العربي من ثورات لا تعدو أن تكون من سنن الله في الكون، وأن ما ميز الثورات العربية من فجائية وجماهيرية وإصرار على انتزاع المطالب لم يتميز بها الحراك المغربي متمثلا في حركة 20 فبراير. وتطرق لمراحل تعاطي المخزن مع الحراك المغربي المستند –المخزن- على المناورة، ابتدءا من خطاب 9 مارس، وسرعة تنزيل الدستور، وانتهاءا بانتخابات 25 نونبر 2011، وهو ما انعكس على صيرورتها. وعرج على إسهام جماعة العدل والإحسان في الحراك منذ اليوم الأول، حيث عملت على الحفاظ على طابعه الجماعي غير المميز لأي طرف من أجل الإبقاء على توافق إيجابي عام، لكن بعض الأطراف الأخرى لم تراع هذا الخيار وبقيت على توجسها من الجماعة طيلة الحراك، كما بقيت على تكتلها الإيديولوجي المحصور وغير المنفتح على الجماعة وعلى عموم جماهير الأمة، موضحا أن هذا السلوك تطور مع مرور الزمن إلى محاولة حشر الحركة في سقف سياسي تقليدي يفرغ الحراك من كل قوى الضغط على النظام المستبد. وقد خلص إلى أن لا شيء تغير في هذا البلد، وأن الاستبداد ما زال هو اختيار النظام وفلسفته في تدبير الشأن العام. وشدد على أن المناورة المخزنية لا ينبغي أن تنطلي على الأمة وقواها الحية، داعيا إلى التسلح بالإصرار على التغيير لأن مبرراته قائمة وقوة. واعتبر الأستاذ حمداوي أن رهان الاستبداد على الزمن رهان خاسر، لأن الزمن في منظوره المتوسط والقريب هو بإذن الله في مصلحة الشعوب التواقة للانعتاق من الاستبداد وصنوه الفساد.

الندوة، وبعد نقاش وتداول بين الحضور والمؤطرين للمحاور وقف عند مجموعة من الأفكار المفصلية في مسار الثورة العربية وولادتها العسيرة وبناءها للنموذج الناجح ومواصلة مسارها نحو باقي دول الاستبداد العربي، عرفت تكريما للمعتقلين السابقين الإثنى عشر بمناسبة صمودهم وتمسكم بحقهم في وظائفهم التي حاول العابثون حرمانهم منها، فكان هذا الحفل مناسبة لشكر الله تعالى على مننه وفضله وعطاياه، وفرصة تقدموا فيها بالشكر والامتنان إلى قيادي الجماعة وأعضائها لما بذلوه طيلة محنتهم من دعم وتضامن ومواساة، وبدوره شكر الأستاذ فتح الله أرسلان الإخوة على صبرهم وثباتهم رغم المحن والابتلاء فكانوا عنوانا للصبر والثبات والوفاء، كما ذكر بفضل الله تعالى لما مكنهم من حفظ كتابه الكريم، والتفقه في دينه، والتفوق في مشوارهم الدراسي الذي حصلوا فيه شواهد عليا، فكانوا بذلك نعم الرجال.