شكل عرض القناة الثانية “المغربية” لشريط وثائقي بعنوان “تنغير-جيروزاليم” ليلة الأحد 8 أبريل 2012 حدثا لازالت الألسن والأقلام تتداوله. فكان لزاما أن نوضح -وبكل موضوعية- أن عرض الشريط كان استفزازا لمشاعر المغاربة والمسلمين عامة، وتضمن عدة مغالطات تخدم مشروع التطبيع مع الكيان الصهيوني، لكنه لم يخل من حقائق تثير أسئلة مهمة ليس من مصلحة الجهات التي أنتجت الشريط أن تثار لكونها جديرة بدحض الأسطورة الصهيونية.

الاستفزاز

لم يكن عرض الشريط أول مرة تستفز فيها هذه القناة مواطنين يدفعون رغم أنوفهم ضرائب لتمويلها، ودون أن يعرف الكثير منهم كيف تنفق تلك الأموال، ومن يستفيد منها، وهل في البلد من يراقب العملية، ومن الذي يتحكم في رسم الخط التحريري المسموم لهذه القناة.

إن المغاربة مجمعون على أن التطبيع بكل أشكاله مع الكيان الصهيوني خيانة للأمة، وخيانة لدماء الشهداء الفلسطينيين والعرب والمسلمين، ولدماء المغاربة الذين جاهدوا من أجل بيت المقدس من زمن صلاح الدين إلى عصرنا هذا. فكيف تجرؤ هذه القناة، ومعها جهات رسمية أخرى متورطة في دعم الشريط على عرضه على أنظار المغاربة؟ وهل يكون الاستفزاز أداة لاسترجاع اهتمام مشاهدين فك الله أسرهم في زمن القنوات الفضائية؟

الحقيقة والأسئلة

ـ أهم حقيقة تضمنها الشريط، وبشهادة المستجوبين من اليهود والمسلمين من سكان تنغير، أن اليهود المغاربة عاشوا في سلم ووئام في بلدهم المغرب، وفي تعايش مثالي مع المسلمين. وكانت حقوقهم مكفولة بما فيها حق التدين والمعتقد، وظل حسن الجوار طابعا عاما لعلاقتهم بالمسلمين. فلماذا تم تهجيرهم من بلدهم إلى أرض ليست لهم؟ وكيف حدث هذا التهجير؟ ومن كان وراءه وخطط له أو ساهم فيه؟ وما موقف الدولة المغربية الرسمي من تهجير مواطنيها وجزء من شعبها، والدفع بهم في عملية احتلال واغتصاب لأرض لها أهلها وشعبها؟ إن اليهود في كندا-على سبيل المثال- رفضوا هذا التهجير، ورفضوا المشاركة في الاعتداء على الفلسطينيين، وفي جريمة احتلال ملك الغير، فمن أوقع اليهود المغاربة في هذا الفخ وفي هذه الجريمة؟ وهل تنتفي المسؤولية الشخصية لهؤلاء “الضحايا” في هذا الاحتلال والعدوان؟

ـ لقد أعاد الشريط إلى أذهان المغاربة، وسكان تنغير على وجه الخصوص، ذكريات تعود إلى نصف قرن من الزمن، عاشها جيل الشباب لحظة التهجير، وسمع بها عن طريق الرواية الشفهية من ولدوا بعد ذلك. وكان طبيعيا أن يثير الشريط أحاسيس لدى سكان لم يتعودوا أن يروا على شاشة التلفزيون أناسا من معارفهم يتكلمون لغتهم المقصية… أمازيغيتهم التي ظلت خارج تغطية اعترفت بالسوسية والريفية والزيانية لا غير. فعلاقة أهل تنغير بالإعلام العمومي دفع الضرائب لأجل التمويل، وهي على غرار علاقتهم بالدولة التي ما فتئت تستغل خيرات أرضهم وتركتهم أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام. فمعتصمو إميضر، ومعطلو المنطقة وجياعها، وضحايا الهجرة السرية… مظاهر بؤس اجتماعي بجوار أكبر منجم للفضة في العالم العربي.

ـ إن في الشريط إحالة إلى جزء من تاريخ المغرب يكتنفه إلى اليوم كثير من الغموض والأكاذيب والخرافات والتضليل. فمن كان وراء نشر دعاية تخويف اليهود من أن الوضع في المغرب سيتغير بعد نهاية الحماية الفرنسية؟ وما دور الوجود الفرنسي في خدمة الصهيونية بالمغرب؟ وما حقيقة ما أورده اليهودي الفرنسي فليكس نتاف Nataf Felix في كتابه “استقلال المغرب” “l’indépendance du Maroc” حول دور اليهود في “استقلال” المغرب بالطريقة التي تم بها تدبير الانتقال إلى ما بعد الحماية.

المغالطة

ـ يظهر الشريط يهود تنغير وهم يؤكدون رغبتهم في السلم، وفي هذا مغالطة كبيرة: كيف يدعي الرغبة في السلم من احتل ملك الغير؟ واستوطن أرضا مغتصبة هجر منها أهلها. إن مثلهم كمثل لص يمسك المسروق بيده، ويقاتل صاحب الحق بيده الأخرى، ويقول بفيه: “أريد السلم”. لقد صنعت الصهيونية أكبر جرم في التاريخ المعاصر، حيث غررت باليهود عبر العالم، وهاجمت شعبا، واحتلت أرضا، وصنعت كيانا غير شرعي، فأرادت أن تضع العالم أمام سياسة الأمر الواقع، ليقر المنخدعون بحل الدولتين، ويرضى الآخرون بوضع يكون فيه أهل الأرض في جزء ضئيل مما أبقاه لهم اللصوص، تحت طائلة القصف والترهيب والاعتقال والتقتيل…

ـ إن مجرد ذكر كلمات ما يدعى ب”إسرائيل، وجيروزاليم…” وغيرها في إعلامنا الرسمي، دون حرج، يعد تطبيعا واعترافا بحق اللص في ملكية ما سرق. وإذا كانت الصهيونية تراهن على أن تمنح الأنظمة العربية العميلة جنسية بلدانها للفلسطينيين، للتخلص النهائي من المطالبة بحق العودة للمنفيين والمطرودين من أهل الأرض الشرعيين، فإن عقلاء اليهود في العالم ومعهم محبو العدل والسلام الحقيقي، يؤكدون ضرورة رجوع اليهود إلى بلدانهم التي هجروا منها، لأن الإقرار بواقع فرضته المجازر والحروب، يفتح الباب أمام رد فعل مماثل كلما سنحت الفرصة. وميزان القوى لن يبقى دوما على ما هو عليه الآن.

كلمة

لعل معد الشريط لم يعاشر اليسار الفرنسي وبعض عقلاء اليهود في فرنسا، لتكتمل لديه الصورة ويتشرب وعيا سياسيا تجاه أكبر جريمة في التاريخ المعاصر. وقد وقع كغيره ضحية الإرهاب الفكري الذي شل دماغ الإنسان في الغرب بوهم معاداة السامية. فليعلم أننا ساميون ولا نعادي أنفسنا، وإنما نعادي الظلم ونرفض الإقرار به. وأنصحه إن كان باحثا عن الحقيقة أن يواصل مشواره بأشرطة تجيب عن الأسئلة الموضوعية المطروحة سلفا، ولن يعدم من يعرض إنتاجاته غير القناة الثانية طبعا.