ماذا ورثنا من أسلافنا العظماء الذين ندين لهم ببقاء الإسلام ببلادنا؟ أين ذهبت جهود زاخرة بالعطاء والتخطيط والإعداد لمستقبل يكون فيه المغرب حصنا للإسلام وملاذا آمنا لأهله؟ كيف انقطع حبل متين كان يصلنا بجيل البعث الإسلامي واليقظة الإسلامية وطلائع الصحوة ببلدنا الحبيب؟

نذكر بماضينا البعيد والقريب لأن ذلك أدعى لنزعتنا العقلية والعاطفية أن تحيى وترتبط بخير القرون وما حوت من جلائل الأعمال في تاريخنا، تستوحيه وتستمد منه. وفي ذلك بعث للإسلام في أعظم أركانه وهو الولاء الخالص لمن سبقنا من أهل الدار بالإيمان وإلى الإيمان وتتويج ذلك بالسير على منهاجهم وبدعم جهود البقية الصالحة منهم.

ربما كان هناك من يفوق أسلافنا الصلحاء عظمة ومقاما، ولربما كان هناك أنبياء ورسل. نعم، ربما، فلم تنحصر النبوة، قبل خاتمها صلى الله عليه وسلم، في زمان أو مكان. ولئن استطعنا أن نثبت ذلك، فسيكون لأسئلتنا ولنقدنا الذاتي معنى أعمق وأعظم مما نتصور، بل سنكون أكثر وعيا بعمقنا وأصالتنا.

عن النبوة والأنبياء ببلادنا

في سالف الأزمان كان هناك أنبياء ورسل يصطفيهم الله من خلقه، ليهدوا أممهم ويوجهوها نحو خالقهم. تلك كانت سنة الله في الأمم أن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين، كلما بغى الناس وغفلوا عن ربهم وطغى المنكر وبعد الضلال. سنة شملت كافة الأمم ببشارة الأنبياء ونذارتهم لئلا يكون للناس حجة على الله بعد الرسل النساء 164، وتلك رحمة ألزم الله عز وجل بها ذاته العلية في خلقه من البشر.

ومن رحمة الله بخلقه أن لا يترك أرضا قامت عليها دول وحضارة وفيها ملوك وأقيال هملا من غير رسالة هادية. رحمة ربك بالقرى وأهلها أن يبعث إليهم رسولا يعرفهم بخالقهم.

والأمازيغ أمة من الناس كغيرها من الأمم مشمولة بخطاب البشارة والنذارة على لسان الأنبياء، وذاك ما توضحه آية أخرى لا تحتاج إلى تأويل أو تكلف في التفسير وهي قوله تعالى في سورة النساء ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت النحل 36، وفي سورة يونس قوله تعالى: ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون 47، ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين 48، قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله، لكل أمة أجل، إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون 49. فالأجل والرسالة يشملان الأمم جميعا. ويقضى بينها بالقسط، ولا يُحاسب منها إلا الذين بلغتهم رسالة نبيهم وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا. وهذا استثناء رحمة يقع على البعض لا يلغي تعرف كل أمة على نبي من الأنبياء.

ولا يعني هذا حلول النبوة وتعاليمها بالبلاد على يد غرباء عن المنطقة بواسطة حواريين أُرسلوا أو علماء ورثوا علم النبوة حلوا بالبلاد. بل كان هناك -حسبما أداني إليه نظري- أنبياء أمازيغ من صميم الدار والبيئة يخاطبون أمة البربر بلسانهم الأصيل، وذاك واضح يقرره القرآن بأجلى بيان في سورة إبراهيم: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم إبراهيم 5.

أستشهد من سورة إبراهيم، وهي تخبر القارئ عن أنباء الأمم الغابرة زمن ابراهيم وقبله وخبرها مع الوحي تصديقا أو تكذيبا والعبر المستخلصة من ذلك. هذه السورة تقرر أن لكل أمة رسولا كما قررتها سورة يونس. والغرض من هذا تبيان أنه ظهر في أسلافنا الأقدمين نبي على الأقل، هاد ولكل قوم هاد.

لا تثريب علي إن قررت هذا استنادا إلى مقررات القرآن الكريم وفق فهمي هذا، وما أحسب أني تخطيت حدودي في ذلك ولا خدشت في عقيدتي، وقد سبق لأحد علماء تونس، بشير التركي، أن كتب عن آدم عليه السلام فربط قصته ببلدة المهدية من تونس رشحها لمواصفات جغرافية وبيئية ذكرها لتكون منشأ الحياة البشرية منذ ملايين السنين) 1 . للمؤلف رأي في إمكان أن يكون آدم قد نزل وعاش برهة من زمن في بلدة أفريقية، وليس في هذا رغم عدم توافر الأدلة المقنعة ما يسيء إلى مقررات العقيدة، واجتهاد الأستاذ التركي يبعثنا على التساؤل عما إذا كانت بلاد الأمازيغ قد عرفت شيئا من تعاليم النبوة في تلك الأزمنة السحيقة، وهو أخطر موضوع يصادفه باحث في التاريخ وما قبل التاريخ.

قرون عاش فيها آدم وشيث ومن بعدهما إدريس وما لا يعلمه إلا الله لا نعلم عنها شيئا على وجه اليقين فيما يتعلق بصلة تعاليمهم ببلادنا.

يقرر القرآن الكريم بأن المجتمع الإنساني الأول مجتمع آدم عليه السلام وبنيه مجتمع ديني إسلامي، ففي الحديث النبوي أن بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على الإسلام) كما نعلم أن الوحي كان الأساس الذي شيد عليه آدم أول مجتمع بشري وعلم آدم الأسماء كلها البقرة 31. فبتوجيه إلهي علم آدم كيف يشيد مجتمعه الأول الذي دام أمدا طويلا. وما يتحدث عنه الباحثون من عهود سادت فيها الوثنيات فعبدت الآلهة وأنصاف الآلهة فقد حصل ولا ريب في مرحلة لاحقة، أي بعد عهود من الضلال والاختلاف في الحق الموحى من السماء، ذلك ما تشير إليه آيتان من كتاب الله: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه البقرة 213. وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون يونس. وتفتح لنا الآيتان بابا لفهم جديد. فلا شك أن الجماعة البربرية الأولى التي سكنت المنطقة منذ آلاف السنين والتي تتجاوز في قدمها ستة آلاف سنة مما يجعل بداياتها كأمة مستقلة أقدم من وقت الطوفان بزمن غير قليل قد انبثقت واستقلت عن أمة القرون الأولى المسلمة. ولا عبرة بما قد يُستدرك به من آثار تتجاوز هذا التاريخ بآلاف السنين لأن حديثي هنا عن الإنسان العاقل المنتسب إلى آدم صاحب حضارة النيوليثيك، لا إلى انواع أخرى عرفتهم المنطقة. يقودنا هذا لتفسير الاختلاف بافتراق الجماعات البشرية عن الأمة الواحدة إلى وحدات مستقلة. هذه الاستقلالية وفي ذلك التاريخ هو ما يجعل من البربر أمة لها طابعها وكيانها الجامع لشتى القبائل والشعوب، وذاك ما يؤهلها لأن تخاطب برسالة كي لا تضل الطريق.

فبعد أن كان الناس بمن فيهم أسلاف البربر أمة واحدة هبت عليها ريح الاختلاف بعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين. لابد حسب هذا التصور الذي نقدمه أن يكون لأمة البربر المنشقة عن الأمة الأولى نبي على الأقل ليحكم فيهم بكتاب منزل ويدع فيهم معنى النبوة فيمتد صدى خبرها ويتسلسل عبر الأجيال المتشعبة في شعوب وقبائل كثيرة؛ وإلا فكيف يفهم بربري ما قبل وما بعد الميلاد وما بعد الهجرة نبوة يُخاطب بتعاليمها ويصدق بإمكانها على طول عهده بمعاني النبوة الأولى يوم انفصل أسلافه الأُولون إلى مجموعة بشرية مستقلة فغطت على معناها في ذهنه أساطير وخرافات طارئة؟ كيف يفهم من دون نبي على الأقل يجدد في نفوسهم معناها بلسانهم الذي يفهمون ويصلهم بعهدها القديم ومعناها الأصيل؟

ربما وفدت على المغربي منذ القديم دعوات الأنبياء، فتعاليم سيدنا نوح. نجد التاريخ يخبرنا بشيء له دلالة فيما نحن فيه، يخبرنا عن “تشريعات نوح” lois noachides التي بلغ صداها أرجاء العالم القديم قبل ظهور الديانة الإبراهيمية اقتبس منها اللاحقون ممن سار على نهج الأنبياء من حدود الصين إلى تيبة بمصر وهضاب إسبانيا. فهل كان البربر على وعي واتصال بهذه التعاليم؟

يتحدث البعض عن حلول دعوة إبراهيم في بعض جهات من المنطقة سبقت حلول تعاليم الموسوية (في الريف مثلا)، كما لا يجد الباحث غضاضة في رواية حلول بعض أصحاب سيدنا عيسى بالمنطقة جاءوا لنشر التوحيد الصحيح (سيدي يحيى مثلا). أما المفسرون فلا حرج عند كثير منهم أن يكون موسى عليه السلام قد حل بطنجة مجمع البحرين للقاء الخضر عليه السلام.

فهل قبل الأهالي تعاليم هؤلاء الأنبياء كما هي، في وقت يقارب زمن أصحابها؟ وهل قبلوها وعيا منهم بصدورها عن أنبياء يتلقون الوحي من السماء؟ نطرح هذا الأمر للباحثين أن يتعمقوا فيه ويدرسوه، أحرى أن يكون مشروعا تتضافر فيه جهود المؤرخين والمنقبين والمفسرين جميعا.

هل ننتظر أن تكشف علوم التواريخ والآثار عن ذلك وتفيدنا بجديد؟ كل ذلك لا قيمة له إن لم يُعرض كل جديد مكتشف على كتاب الله. إنه في كتاب الله وحده المعرفة بذلك، ويبقى علينا أن نعكف عليه ليمدنا بدرره وأسراره، أما دون ذلك فالمعارف والثقافات لا تجدي ولا تقوم لوحدها. فلنقم إلى القرآن بهذه النية فهو الكريم على من يعكف عليه. وقديما قال الصديق رضي الله عنه: لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في القرآن) إيمانا منه وتصديقا بقوله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء.


[1] عن كتاب أبي آدم، ص15.\