مقدمة

كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم النموذج الكامل في خلقه ومعاملته، بعث رحمة للناس كافة، ولأهله وآل بيته خاصة فكانت معاملته لهم كلها رحمة ورفق واحتضان، يتودد صلى الله عليه وسلم لأهله ويتحبب لهم حتى يحببهم في الله ورسوله، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة، نأخذ من رحمته واحتضانه لأهله حتى نكون من خير الناس وأكرمهم عند الله جل وعلا.

التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”، إن هذا الحديث العظيم -وكل أحاديثه عظيمة- يمكن أن نسميه “دستور الأسرة” حيث يجعل رسول الله من معاملة المرء لزوجه وأبنائه هي المقياس والدليل على نوع العلاقة التي تربط العبد بربه، أهو من المؤمنين الصادقين المقربين أم غير ذلك؟ أهو من الأخيار المتقين الذين يحبهم الله ورسوله أم غير ذلك؟ جعل صلى الله عليه وسلم الإحسان في معاملة الأهل والرفق بهم عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، مثلها مثل الصلاة والصوم والزكاة، بل هي ثمرتها، هكذا كان صلى الله عليه وسلم يرى في معاملة أهله عبادة، فكان خيِّرا لا يصدر عنه إلا الخير يصبر ويحتسب ولا يعامل بالمثل، يبتغي بمعاملته نيل رضى الله، متى اتبعناه واقتفينا أثره في أسرنا وفي معاملتنا لأهلنا كان الاستقرار الأسري نصيبنا والسكينة والطمأنينة صفتنا.

الرجل.. أمان الأسرة

قال الله تعالى الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ النساء الآية 34، قوامة الرجل فيما ينفقه من مال وفي سعيه لطلب الرزق الحلال وحرصه على توفير كل ما تحتاجه الأسرة حتى يغنيها عن السؤال، وهو مؤهل لذلك بما خصه الله به من قوة في الجسد وقدرة على التحمل والصبر، صبرا على متاعب العمل ومشقاته، وصبرا في معاشرته لزوجه وأبنائه، صبرا جميلا لا شكوى معه، صبرا يقتفي أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده، حتى يكون سلوك الرجل في بيته أسوة، يتأسى به زوجه وأبناؤه، وبذلك يدخل في صف الذين قالوا ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما الفرقان الآية 74.

المرأة رمز الحنان والاحتضان

إذا كان الرجل خصه الله بالقدرة على التحمل والصبر فالمرأة ميزها الله تعالى بقوة العاطفة والحنان، حنان يساعدها على معاملة الأبناء وكلها رفق ورحمة، حنان جعلها تتفانى في خدمة أفراد أسرتها وتسعى من أجل توفير جو من السعادة والطمأنينة لهم، هي للأبناء الأم الحنون التي لا تنام حتى ينامون ولا تأكل حتى يأكلون. وهي للزوج رمز للسكينة والطمأنينة، تخفف عنه وتواسيه في الشدائد وتشاركه الفرح في المسرات، وهي أيضا سترٌ لزوجها تستر عيوبه الخلقية والخلقية، وتصبر عليها. وتسأل الله أن يصلح لهم الحال والأحوال. وبهذا تنال رضى الله ورضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكون من المؤمنات الصالحات القانتات الحافظات للغيب بما حفظ الله. فتكون من اللواتي قال فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم “خَيْرُ النِّسَاءِ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي مَالِكَ وَنَفْسِهَا”.

الأسرة نواة المجتمع

الأسرة هي نواة المجتمع فإذا صلحت صلح المجتمع كله، وإذا فسدت فسد المجتمع كله، إذا صلحت الأسرة -ولا صلاح لها إلا بالإسلام- ستخرج لنا أجيالا صالحة مصلحة قادرة على المساهمة في تغيير المجتمع والسير به نحو التقدم والرقي، أما إذا كانت الأسرة مفككة لا تنعم بالاستقرار والسكينة فستخرج لنا أجيالا منحرفة وشخصيات متواكلة غير قادرة على مقاومة مغريات الفساد والاستبداد بل لها قابلية للانخراط فيه، لذلك كانت الأنظمة الاستبدادية ولا زالت تتخذ الأسرة محور اهتمامها وغاية كل مشاريعها ومخططاتها، مشاريع ومخططات الهدف منها تفكيك وحدة الأسرة وإضعاف تماسكها وترابطها، وذلك من خلال:

– العمل على سيادة الجهل والأمية

– التربية على قيم الانحلال

– نهج سياسة التفقير والتجويع

في ظل وجود هذه الويلات الثلاث كيف يمكن أن نتحدث عن استقرار أسري وسكينة وطمأنينة، كاد الفقر أن يكون كفرا). أما إذا أضفنا إليه الجهل وضمور القيم الأصيلة فقل ما شئت عن واقع الأسرة المأساوي (زوجة تقتل زوجها، ابن يضرب أمه، إخوة يقتتلون حول الإرث…).

من يأخذ بيد هؤلاء وينتشلهم من براثين الفقر والحرمان؟ من يعلمهم أمور دينهم ويخبرهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”. ولن يسمع الناس كلام الله ورسوله حتى تتحسن أوضاعهم المعيشية، فلا يسلك في أذن الجائع إلا صوت يبشره بالخبز.

خلاصة

من ذا الذي يرضى أن تنسل له زوجه ذرية ضعيفة مَهينة مريضة نفسيا نشأت على الكذب والحيلة والكيد والمراوغة؟ إذا كانت العشرة الزوجية معتلة فالأمومة معوقة والذرية ترضع الآلام، من كان من الآباء من لا يحب تلك الصفات الرديئة في نسله فليعمل على تلافي أسباب تكونها في بيئته.