لطالما أُخرست حياء منك أيها الأب حين أخَذَتني سَوْرة الاعتزاز بالعقل وسطوة الكبرياء الفكري الأجوف، فبادلتَني بحكمة فريدة واتزان هادئ وسوق لطيف لحجج عقلية وبراهين قطعية أذْهَلتني فلم أجد بُدا من الانصياع لحكمتك ونفاذ بصيرتك وقوة حجتك وانسياب ذيول تصورك، لتَجِدني مطأطأ الرأس أمام أب حكيم تمرس في معرفة شخصية أبنائه وطبائعهم وفكرهم وهمومهم… فأُكسب مهارة التوجيه والإرشاد والنصح والإثقاف.

فما من عاقل دَلف دارنا، وتحدث معك برهة إلا وأخبرني أنه مال إلى حلاوة حديثك وطلاوة بيانك وهدوء طبعك وهدير همك الصامت الذي تحمله للأمة، لاسيما تلك التي شهدت حراكا ثوريا… ليسقط الزائر العاقل فجأة في شباك محبتك واحترامك وتقديرك.

لقد استهواهم يا أبت خصال انغرست فيك وقل نظيرها، ولم أرها حقا إلا عند المربين العارفين… وهي التؤدة والحلم والأناة، مع عمقِ تفكيرٍ، واستجلاءِ عوائصَ، وغوصٍ في مكامن الأشياء فضلا عن حمل هموم الناس كلهم.

فلا عجب أن رأيتُ يا أبت فئاتٍ من الناس قاصدينك ليتحدثوا معك في أمورهم وخاصة مشاكلهم وليركنوا أخيرا إلى رأيك الفصل في المسألة ويسلموا إلى ما ذهبت إليه من اجتهاد… ومما أثارني يا أبت أن كل من صاحبك ازداد لك حبا وتقديرا، فإن أراد مناداتك انتقى لفظة سي أو سيدي محمد أو الأب الفاضل… ولم أعقل أبدا أن ثار صخب في مجلسك أو انتشر مع الأثير صراخ حولك أو فضاضة عمياء من قبل مَن لقيك، وإن كان الوقتُ وقتَ لجاج وصخب وهُياج وعُصاب أو ذيوع لتفلتات البشر… وكم أثارتني حركاتك ومِشيتك التي تساوقت مع طبعك الوديع الهادئ، حيث إنك لا ترمي خطوة إلا وقد فكرتَ أنك وضعتها بدقة وحساب… نعم إنها تؤدة اتسمت بها منذ أن عَقِلتُ، مركوزةً فيك طبعا، وهي دون شك مكتسبة بتربية وتقويم من قبل مربين صالحين… فلطالما أخبرتني أنك صاحبتَ عارفين من صالحي ابن احمد، منذ أن كنتَ يافعا، بحيث إن الجد رحمه الله كان يصطحبك منذ الصغر إلى مجالس الحفاظ والفقهاء والعارفين… ولم أكن أجدك منبسطا فرحا إلا حين كنت تبدأ بسوق حكايات الأجداد وصالحي البلد وكراماتهم، خاصة حكاية “بويا بوزيان” مع ذاك الطاغية الذي طلب إليه إحدى عينيه فداءً لإطلاق سراح أخيه المأسور، فما كان من جدك الولي إلا أن اقتلعها للتو تحديا وإيثارا.

ولئن نسيتُ فلن أنسى أبدا تبسمك لكل من التقى بك، وإن كان ممن لا تأنس بهم، حيث إن أهلك وجيرانك كانوا كلهم على بساط الحب والتقدير وحسن المعاملة، فلم أرقُب فيك غلظة أو أنانية ذاتية أو (شخصنة) لموضوع ما والله يشهد، وكأنك قاض لا ترجح كِفة شخص على كفة آخر…

لم أنس يا أبت جهادك في أبنائك بالتربية والتوجيه وغرس إرادة العلم والأخلاق، فإن تقاعس فينا أحد -وكنتُ منهم- حملتَ علينا بسوط عينيك التي تذيب الحجر الصلد والنفس المتخاذلة، فضلا عن الكلام الجامع الذي يضع أيا كان في سياق العزم والحزم وسلوك طريق الإرادة.

ثم إن مرآك على الناس كلهم وأنت تتصبب عرقا حاملا بين يديك حاجيات الأسرة المعيشية دون تبرم أو تضجر على الرغم من ثقل عملك ومشاق أشغالك، لدليل واضح على جهاد التربية وتنشئة الأبناء الذي تَمَلك جوانبَك، فكنتَ فيه يا أبت من المبرزين… ولن أنسى أبدا ما كنت تخصنا به من حُنو في النقاش ولطف في الحوار والتواصل، فأَكبرتَ فينا نفوسا أبية علمية منذ الصغر… وإن اختلفت مدارك الأبناء وطبائعهم.

وحين مرضتَ يا أبت بتضخم القلب لم أر فيك حقا سوى المؤمن الصبور الراضي بقضاء الله وقدره، ولم ألحظ فيك خوفا من الموت أو ارتياعا منه عند سماعك له، بل إنني وجدت فيك إسقاطا للتدبير، وتسليما مطلقا لأمر الله تعالى مع الأخذ بالأسباب تداويا. والحق أن تلك الكلمة التي كنت دوما ترددها لي حين كنتُ أحفزك للذهاب إلى الطبيب، قد نقشت حقا في ذاكرتي ولم أنسها أبدا وهي: الله يتمم ملقانا على خير) أي إنك كنت واضعا في حسبانك اللقاء مع الله، وطلبك إليه أن يحسن خاتمتك عند القدوم عليه، وفي ذلك إدراك دقيق منك للمزاوجة بين الأسباب والأقدار مع تسليم مطلق للإرادة الإلهية.

وحين تباطأ القلب عن ضخ الدماء إلى الدماغ وشرعت في الإغماء، لم نسمع منك سوى ذكر لله تعالى ومداومة على الصلوات وسؤال عن الغائبين… فلا عجب أن رأيتك يا أبت منطرحا على فراش الموت مبتسما، وكنت تقول قبلها لم يتبق سوى ساعتين، وحين انقضتا، انسلت روحك الطاهرة إلى العلياء تاركة جدثا مذكرا بأن رجلا كان هنا حانيا على أبنائه فاشتدت غصص الفراق عليهم فلم يتمالكوا أنفسهم، فانهملت أعينهم دمعا وانسكبت بكاء شديدا على والد نموذج مثلك… فرحمة الله عليك أيها الأب، وجزاك الله خيرا على جهادك، وما أظنك إلا شهيدا مبطونا ترك أثرا لن يزيله أبدا أثر النسيان.