“إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا” 1 .

فالعاقل من يكون بصيرا بزمانه، حافظا للسانه، يعد كلامه من عمله، فمن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. وعرف أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد 2 .

والعاقل من جبذ لسانه، فقد دخل عمر الفاروق رضي الله عنه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو يجبذ لسانه فقال له: عمر مه غفر الله لك. فقال أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد) 3 .

صدق الصديق ورب الكعبة، فاللسان ترجمان القلب والعقل، صغير جِرمُه، عظيم طاعته وجُرمُه) 4 . يورد صاحبه موارد الشر؛ “فهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم” 5 . “وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم سبعين خريفا” 6 . أو يورد صاحبه موارد الخير؛يولجه الجنة إذا وقاه الله شره لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “من وقاه الله شر اثنين ولج الجنة ما بين لحييه وما بين رجليه..” 7 . ورفعه الدرجات لقوله صلى الله عليه وسلم: “إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها الدرجات” 8 .

و“أفضل الصدقة اللسان” كما قال صلى الله عليه وسلم. قيل: يا رسول الله، وما صدقة اللسان؟ قال: “الشفاعة يفك بهاالأسير، ويحقن بهاالدم، وتجر بها المعروف والإحسان إلى أخيك، وتدفع عنه الكريهة” 9 .

ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، لا يقول إلا خيرا، يعلم أن “كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر أو ذكر لله” 10 ، وأن لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس 11 .

وإن اللسان لسيف خاصة في الفتن فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له. وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف” 12 . وخاصة إذا كان إشراف منافق عليم، فقد قال صلى الله عليه وسلم “إن أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان” 13 .

ولقد عقد المحدثون أبوابا يذكرون فيها بلزوم حفظ اللسان، ونصح القوم بالصمت وعلومه. فهل نلزم الصمت ونزهد في الكلام، والعالم في هيام، يهيم على وجهه في غير هدى من الله.

وأي زهد في الكلام، في عهد تحتاج فيه الدعوة للسان صدق بين الكاذبين، ولسان تبليغ بين الساكتين الخُرْسِ عن الحق، ولسان فُرْقان وسط اللَّغَط الحزبي السياسي) 14 .

لسان صدق لا لسان نفاق يحدث بالكذب، ويفجر في الخصام، ويخلف الوعد، ويخون الأمانة.

لسان صدق لا لسان هوى يركن إلى الأرض، ويتبع الشهوات، وتقيده العادات والذهنيات والأنانيات.

لسان كلسان أبي ذر ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من لهجة أصدق منهرضي الله عنه.

لسانتبليغ؛ والإبلاغ والتبليغ الإيصال. والاسم منه البلاغ. والبلاغ أيضا الكفاية. وشيء بالغ أي جيد 15 .

واللسان البليغ هو الذي يوصل إلى السامع والمتلقي الرسالة ببيان جيد تكفيه عن طلب ما سواها، وذلك بأهون السعي، وأوجز الطرق، وأفصح الكلام، من غير إعاقة ولا حبسة ولا استعانة. حتى يبلغ في ذلك الغاية، ويشرف على النهاية.

كما تحتاج الدعوة إلى لسان فرقان، ينطق بالقرآن، ويفرق الله به بين الحق والباطل، حتى يسطع الحق كالصبح، بل أبين من فرقه.

وتحتاج للسانِ وعظ يذكر بالله ورسوله وباليوم الآخر على عكس التيار التسطيحي الذي يدفع بالخطاب الإسلامي إلى الحديث عن الدنيا وعن البديل الإسلامي الحضاري في غفلة، بَل إغفال، عن ذكر الله وذكر المعاد) 16 .

تحتاج الدعوة إلى ناطقين بالصدق والصواب في عصر “الصحوة الإسلامية” التي كثرت فيها الأعناق المشرئبة إلى المُعَمَّمِ الخطيب، ولفَظَتْ فيها المطابعُ الإنتاج الغزير، وسجلت فيها مكائن اليابان خليطا من جيد الكلام ومن الثرثرة المُتَفَيْهِقَة). على الناطقين بالصدق، المتَرجِمِين عن الحق أن يُبَيِّنوا للناس الكتاب والحكمة) 17 . وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه 18 .


[1] رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.\
[2] القرآن الكريم، سورة ق، الآية 1.\
[3] الموطأ، ما جاء فيما يخاف من اللسان.\
[4] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة بيروت، ج 3 ص 108.\
[5] أخرجه الحاكم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعا.\
[6] حديث مرفوع عن أبي هريرة أصله في الصحيحين.\
[7] رواه مالك في الموطأ، ما جاء فيما يخاف من اللسان.\
[8] رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.\
[9] رواه الطبراني في المعجم الكبير عن سمرة بن جندب.\
[10] رواه الترمذي عن أم حبيبة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنها.\
[11] القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 114.\
[12] رواه أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه.\
[13] رواه أحمد عن عمر بالخطاب رضي الله عنه.\
[14] الأستاذ عبد السلام ياسين، الإحسان، الطبعة الأولى 1998، مطبوعات الأفق- الدار البيضاء، ج2، ص330.\
[15] مختار الصحاح، ب ل غ.\
[16] الأستاذ عبد السلام ياسين، الإحسان، الطبعة الأولى 1998، مطبوعات الأفق- الدار البيضاء،ج2، ص330.\
[17] نفسه.\
[18] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 187.\