مقدمة:

الدعوة إلى الله لُبّ رسالةِ رُسُلِ الله وأنبيائه مهمة كْلف الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى آمرا إياه بالدعوة إليه: يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. وكلف الله بها هذه الأمة كلها اقتداء واتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. وهي أفضل عمل يقوم به العبد تزودا لملاقاة الله عز وجل ونشر دينه، ولتجديد الدين في قلب الأمة. وهي شعبة من شعب الإيمان الجامعة بين جهاد النفوس وجهاد البناء والنصرة.

وقد أحببت أن أجمع كلمات عن الدعوة إلى الله رساليتها وأجرها، فضلها وأصلها، حتى تكون دعوتنا على بصيرة كما قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

الدعوة إلى الله تكليف وأمر رباني:

من عِظَمِ أمر الدعوة نسبتها إلى الله عز وجل حيث قال سبحانه وَاَللَّه يَدْعُو إلَى دَار السَّلَام، وقوله عز وجل وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء إلَى صِرَاط مُسْتَقِيم، وقوله جل وعلا: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَينُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وقال سبحانه أيضاً: يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم. كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد الدعاة بأن يبلغ ما أُنزل إليه من ربّه إلى الناس فقال تعالى يا أيها الرسول بلَّغ ما أنزل إليك من ربك، وقال أيضا وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، والأمة تدخل مع النبي في هذا الأمر فجعل الخيرية في الخروج إلى الناس في منتدياتهم وبيوتهم وأعمالهم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ.

وقد كُلفنا باستعمال الرفق والحكمة والقول الحسن، فقال سبحانه ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. هذا الأمر الرباني يجعل من الدعوة إلى تكليفا شرعيا يقع على عاتق كل مسلم.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: فعلى كل واحد منكم يقع واجب نشر الدعوة وتبليغ النداء، وتمهيد الطريق أمام المسلمين والمسلمات ليهبوا من رقادهم، ويلتفوا حول لواء لا إله إلا الله. إنها السعادة في الدنيا والآخرة أن يهدي الله بك رجلا واحدا أو امرأة، فكيف إذا وفقك الله لهداية رجال ونساء) 1 .

والدعاة إلى الله هم ورثة الأنبياء والرسل لأنهم يقومون مقامهم في التبليغ لأن الوحي قد انقطع، فهم الذين يبينون للناس طريق الخير والحق “فالدال على الخير له مثل أجر فاعله”.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: فتبليغ الرسالة للناس كافة هو الغاية التي من أجلها بعث الله رسله للخلق، وحملها وراثة. الدفاع عنها وتبليغها للأمة وللناس كافة غايةُ جند الله الموعودين بالاستخلاف في الأرض) 2 .

الدعوة إلى الله مطلب إيماني:

إن الدعوة إلى الله من أهم الوسائل التي تجعل الإنسان مرتبطا بالله قوي الإيمان به متصلا برسول الله، كيف لا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “الدال على الخير كفاعله” 3 . وقوله عليه الصلاة والسلام: “فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم “) 4 .

فحب الخير للغير يعود بالنفع العميم على الدعوة والداعية ويزيد الإيمان في القلوب ويرفع به الله البلاء والعذاب عن الأمة ويجنبها ألوان السخط والغضب، قال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وقوله تعالى: فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذي ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون.

فالدعوة إلى الله مطلب إيماني لأنها تنبعث من شعور الإنسان بفضل الله حين هداه إلى الطريق المستقيم ليعبرعن شكره له سبحانه، وإنه لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين إن صحبة إنسان في طريقه للهداية تنتشله من وهدة الغفلة لنعم العمل).

الدعوة إلى الله تكاثر إيماني:

عندما انطلقت دعوة الإسلام كان المسلمون قلة قليلة، مستضعفون خائفون، فانبرى لأمر الدعوة قوم يحبون الله ورسوله جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، فازدادوا عددا ومددا حتى تكاثر المسلمون في كل مكان، يقول الله عز وجل في سورة الأنفال مذكرا بفضل الله على أمة الإسلام وبالعهد الأول قبل أن يكثرهم “واذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. ومن قبلُ ذكّر نبي الله شعيب عليه السلام قومه بمن الله عليهم حين كثرهم فقال ما قصّه الله علينا في سورة الأعراف: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ.

وما أحوج الأمة في زماننا هذا إلى إعداد القوة وتقوية الصفوف لاسترجاع عزتها ومجدها لأنه لا يَصلُح آخرُ هذه الأمة إلا بما صَلُحَ به أولها) كما قال الإمام مالك رحمه الله، وما صَلُحَ أولها إلا بالدعوة إلى الله، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين ألا وإن من إعداد القوة تعزيز الصف بعد معنويات الإيمان، ووضوح الرؤية، ورفعة الأفق بتكثير العدد). ويقول أيضا: أوصي كل واحد منكم أن يعتبر نشر الدعوة وتعزيز الصف من آكد واجباته بشرط أن يربط سعيه الدءوب في الدعوة بسعيه الجوهري في التقرب إلى مولاه، إنها لقربة شريفة أن من أعلى شعب الإيمان بل من أسبق سابقات الجهاد أن تدعو غيرك إلى الله. إنها مهمة الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومهنة المصطفين من عباد الله، فتعست همة لا تطمح هذا المطمح، ولا عاش من لا يحمل هم الأمة، الساكن عن الدعوة ساعة من نهار، وفرصة كل لقاء، مثبط قاعد. تكلموا وبلغوا حفظكم الله. إن إيمانك أخي وأختي له أبواب المزيد مترعة حين يشغل بالك بعد ذكر الله عز وجل الدائم المقيم هم تبليغ رحمة الإيمان لغيرك) 5 .

ثم أما بعد

الدعوة إلى الله رسالة.. وإن حاملي الرسالةِ طلائعُ الحقِّ لا ينتهي واجبُهم بإقامة دولة القرآن في دار الإسلام الموروثَة، بل تبدأ بعد قيامها رحلةُ تبليغ الرسالة للعالمين) 6 .

الدعوة إلى الله سنةٌ محمديةٌ جامعةٌ.

الدعوة إلى الله رحمة ومحبة ورفق بالخلق والمخلوقات.

الدعوة إلى الله كلمة طيبة تخرج من قلب صادق أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا.

وبكلمة واحدة فالدعوة إلى الله لا يستطيعها إلا عبد الله الذي امتلأ قلبه بالله معرفة ومحبة وذكرا، ونور الله عز وجل فؤاده بما وفقه إليه من إقبال عليه بكل ما وهبه الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار، فأصبح نورا يسير في الناس يدل على الله بحاله قبل مقاله، بل يدل بمجرد النظر إليه، وعلى سبيل المثال قوله عليه الصلاة والسلام: عن عمر بن الجموح أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:) 7 “… وإن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يُذكرون بذكري وأُذكر بذكرهم” 8 .


[1] رسالة الدعوة إلى الله للأستاذ عبد السلام ياسين، كتبت صباح الجمعة 25 جمادى الثاني 1406.\
[2] رسالة الدعوة إلى الله للأستاذ عبد السلام ياسين، كتبت صباح الجمعة 25 جمادى الثاني 1406.\
[3] رواه أحمد والترمذي\
[4] رواه البخاري ومسلم\
[5] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الفصل الخامس: الخصال العشر وشعب الإيمان، الخصال العشر: الجهاد، الشعبة السابعة والسبعون: الدعوة إلى الله عز وجل.\
[6] إمامة الأمة ص 8.\
[7] حوار مع الأستاذ عبد الكريم العلمي: الأنشطة الدعوية في الصيف/الأربعاء 20 يوليوز2011\
[8] رواه الإمام أحمد في مسنده\