مضى مائة يوم على تنصيب حكومة جديدة، تشتغل وفق أحكام ومقتضيات دستور جديد، جاء زاخرا بالوعود العريضة والأماني المعسولة المبشرة بتوسيع هامش الحريات، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ورفع الإهانة عن أبناء الشعب المغربي، والقضاء على اقتصاد الريع، وإعادة توزيع عادل للثروة، وترسيخ ثقافة الحوار، والانفتاح على الجميع للتغلب على الأزمات.

لكن اعتماد المقاربة الأمنية المنتهج بشكل يومي في ربوع البلاد، وهذا الهجوم على المحتجين من أصحاب الحقوق والمعطلين، وسحلهم في شوارع العاصمة، وغيرها من المدن كتازة وبني بوعياش وسيدي إفني وسهب القايد في سلا، وتكسير الجماجم والعظام، وكذا الاستخفاف بالمطالب الاجتماعية والاستهانة بها في التصريحات وفي طريقة المعالجة… كل هذا يطرح أكثر من سؤال حول جدية وصدقية الشعارات الرسمية التي أطرت المرحلة، وحول مستقبل الأوضاع في هذا البلد، خاصة أن كل المؤشرات تعلن بالملموس أن الحال ما زالت كما كانت عليه، إن لم تكن قد ارتكست إلى الأسوء.

يضاف إلى هذا السلوك السلطوي الذي تتسيد في ظله العصا، التوظيف السياسي الواضح للقضاء، الذي قيل إن “الدستور الجديد” أضفى عليه صفات الاستقلالية والنزاهة والعدالة، لاستصدار أحكام قاسية في حق المحتجين من طلبة ومعطلين ونقابيين في آسفي وتازة وبني بوعياش وسلا… دون احترام شروط المحاكمة العادلة، في تعارض صارخ مع الخطب الرسمية المبشرة بالانفراج.

إن الزمن كشّاف للحقائق، فالمرحلة الحالية التي أعقبت الربيع العربي وما واكبه من حراك مغربي، سرعان ما اتضح أن المخزن أدارها بعقلية الحيلة والمكر والدهاء، فدبج الخطب ورفع الشعارات ونثر الوعود، وأتبع ذلك بإجراءات سياسية واجتماعية (تعديل الدستور، إجراء انتخابات مبكرة، إشراك حزب العدالة والتنمية في الحكومة، تشكيل مجالس ومؤسسات…)، لكنه وجه كل ذلك ليحافظ على وجوده وبقائه، بالجوهر نفسه والسياسيات ذاتها وإن غير الوجوه والأشكال والأسماء. وبالفعل هاهي ذي الأداة القمعية، كما كانت أيام سنوات الرصاص، تعمل ضغطا وتخويفا وإرهابا في أبناء الشعب المغربي، وتكشف أن السياسة التي يفترض أن تصب تدابيرها في رصيد المجتمع ما زالت تدار بعقلية الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي.

إنه سرعان ما تتالت الأيام والشهور ليكتشف المغاربة أن الملفات الاجتماعية كالسكن والشغل والصحة والتعليم ما زالت تراوح مكانها لتكون مصدرا للتعاسة والإحباط، وليتضح أن النظام في المغرب اختار العنف والالتفاف وإشغال الناس بالمعارك الجانبية والفرقعات الإعلامية، بدل أن يجد حلولا جدية لمشاكل المواطنين وهمومهم ومطالبهم المشروعة في الحرية والأمن والعيش الكريم.

لا شك أن من بين الأهداف الكبرى للذين خططوا لمهزلة الانتخابات والدستور الممنوح وتنصيب الحكومة الجديدة لامتصاص الغضب الشعبي تحويل الأنظار عن المعركة الأم، التي هي معركة إسقاط الاستبداد والفساد وإرساء أسس ديمقراطية حقيقية، وانتزاع الحريات والحقوق والكرامة، إلى معركة ضد مؤسسات شكلية تتلقى الضربات عن الرأس ومحيطه النافذ، مؤسسات أريد لها أن تكون مركبا ذلولا في الفترة الحرجة في انتظار أن يهدأ العصف الشعبي. لكن التجارب القريبة والبعيدة تقول بلسان فصيح إن كل رهان على سكون عاصفة الربيع العربي أو انحسار المد الشعبي أو كل محاولة لحصره بالعنف هو رهان خاسر وانتحار سياسي غير محسوب العواقب، وهو ما تؤكده حركات الاحتجاج الشعبي التي تزداد كل يوم تأججا وامتدادا.