الشعب المغربي من أتعس شعوب العالم، والعهدة على “تقرير السعادة العالمي” الأخير الذي أعده “معهد الارض” التابع لجامعة كولومبيا بتكليف من الأمم المتحدة، حيث قام بإنجاز مسح على156 دولة، واحتل المغرب الرتبة 115 أي أنه جاء في ذيل الترتيب، فلم يخلف بذلك الموعد مع موقعه الطبيعي الذي اعتاده كما هو الشأن مع تصنيفات التنمية البشرية والتعليم…، ولا يتقدم نحو الرأس إلا حينما يتعلق الأمر بإنتاج المخدرات والفساد والرشوة….

لنعد إلى تعاسة هذا الشعب، الذي يقال أنه يعيش في أجمل بلد في العالم، طبعا لا نعدم أسبابها فهي كثيرة ومتنوعة، فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تضرب البلاد منذ عقود كفيلة بأن تنتج كل هذا الفائض من التعاسة واليأس. ناهيك عن الإخفاقات والخيبات الكبرى التي توالت وتراكمت، حيث في كل مرة يسود الحديث عن العهد الجديد والمرحلة الانتقالية والمغرب الحداثي الديموقراطي… لكن لا شيء ذي بال يعقب هذه الشعارات، فقط كلام الصباح يمحوه كلام المساء، بل سلوك المساء ومكر الليل… لتستمر نفس السياسات والعقليات، وهكذا أجهضت أحلام أجيال بكاملها وفجعت في حاضرها ومستقبلها، فأوت إلى ركن قصي من المجتمع تتابع ما يجري بأسى وغصة وأسف على وطن يباع بالتقسيط.

ولا ينبغي أن ننسى نمط الحياة السائد في مغرب اليوم، حيث الرأسمالية بأبعادها التجارية الاستهلاكية الدوابية غزت كل مكان ووصلت إلى أبعد نقطة في البلد، فالصحون الهوائية، سفيرتها النشيطة، على سطح كل بيت وبراكة تنقل إلى المترفين كما المحرومين آخر الموضات والتقليعات في اللباس والمأكل والأثاث… وليس خاف ما يسببه الانفصام النكد بين فضاء افتراضي يدغدغ المشاعر والأحاسيس بكل أسباب الحياة والترف وواقع بئيس لا يرتفع للمحرومين من عذاب نفسي وتمزق عاطفي.

وتحت صرعة هذه النزعة دائما، نجد فئة واسعة من المغاربة غارقة في الديون، منها مسكنها ومركبها ومشربها ومأكلها…. ولك أن تتصور نفسية وعقلية أناس حياتهم قائمة على الدَين وقد قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه هم بالليل وذل بالنهار.

المغرب عرف تحولات كبيرة هزت كيانه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والتي بدأت مع الاستعمار وكانت أبرز تجلياتها الهجرة الكثيفة نحو المدن،كما بدأت معه ما يسميه البعض ب “صدمة الحداثة” التي أربكته وجعلته يتخبط كأن به مس، ناهيك عن العولمة التي قذفته بكل أشيائها…

والملاحظ للسلوك اليومي سيكشف هذا القلق والتعاسة، فالمغربي ما أن تجلس بجانبه حتى يفاجئك بالحديث عن مشاكله الخاصة في العمل والبيت والمستقبل الغامض…. وهناك آخرون يتحدثون مع أنفسهم جهرا في الشارع العام، فيما تغني الوجوه الحزينة والنظرات الكسيرة للبعض الآخر عن كل تعليق.

لكن الرأسمالية والعولمة والتحولات المرافقة لهما وصلت إلى كل أنحاء العالم وليس المغرب فقط، فأحسنت دول استقبالها بما معها من هوية وقيم وثقافة وسياسات وطنية ناجحة، وأساءت أخرى استقبالها فانتهت صريعة بين يديها تقلبها كيفما شاءت، والمغرب طبعا من بين هذه الدول الأخيرة المفعول بها، لأن كل سياساته كانت مرتكزة على كيفية الحفاظ على منظومته الاستبدادية، وحتى الدين الذي يعتبر من ضروريات الوجود الانساني وله أهمية قصوى في تحقيق الاستقرار الروحي والنفسي، لم يسلم من التوظيف السياسي، فمرة يدعمون الوهابية ومرة يدعمون التصوف الطرقي ومرة يخلطون بينهما، كما يقدمون في إعلامهم الرسمي رسالة ودعوة خالية من روح الإسلام وروحانيته الخفاقة بعد أن تولاها دعاة هم جثث هامدة.

أن تتقدمنا دول فقيرة أنهكتها المجاعات والحروب، مثل الصومال واليمن وإثيوبيا، فهذا دليل على أن الأمور سيئة للغاية، وأن خطاب الاستقرار لا علاقة له بالواقع، اللهم إذا كان المقصود هو استقرار منظومة الاستبداد والفساد فذاك شيء آخر.