مدخل

إن الربيع العربي أفرز معطيات جديدة أربكت حسابات الساسة الكبار والمستثمرين في مآسي الشعوب. هذه المتغيرات الفجائية في سنة 2011 أفشلت المخططات والاستراتيجيات المسطرة للألفية الثالثة، كمشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا. متغيرات في المشهد العربي تبشر بتغير منظومة الحكم، ومستقبل عربي يتخذ منحى جديدا لم يكن مرتقبا في تصورات مهندسي القرار لأفق 2025. “وهم ديمقراطي” أسست عليه منظومة الحكم منذ عقود، اكتشف زيفها وبطلان مقوماتها في زمن الربيع العربي، فكانت الثورة هنالك والاحتجاج هناك، نتج عن ذلك تغيير حتمي هنالك وإصلاح اضطراري هناك. إلا أن هذا التغيير أو الإصلاح مهدد كلاهما بالأفول أمام استمرار جذور الفساد والاستبداد في الإنبات فوق أرض هشة تبحث فسائلها الفتية عن مقومات النضج والبناء الجديد. مرحلة انتقالية حاسمة أمام صناع هذا الربيع المبارك، الخطأ فيها قاتل، والاجتهاد الدقيق فيها أساس الاستمرار.

1. واقع العالم العربي قبل الربيع العربي

أهل الاستكبار أسسوا منظومة مرجعية للفساد والاستبداد، ألا وهي الربط بين “السلطة والثروة”، منظومة أصبحت لها مساحة في “العقل العربي” ومجال فسيح في “الواقع المعيش” وذلك بتسخير وسائل الردع والإكراه بالترهيب والتخويف من قبل مؤسسات رسمية، تعمل وفق ترسانة قوانين باسم دولة الحق والقانون، المنتزعة تحت يافطة الديمقراطية والحرية بتوظيف بعض مكونات المجتمع المدني الذي منح أهل الفساد والاستبداد التزكية والمباركة وإشارة الانطلاق.

ولعل الأمثلة الشاهدة على ذلك كثيرة في المشهد العربي.أذكر منها:

– مسلسل الإصلاحات: انخرطت كثير من الدول العربية في مسلسل الإصلاحات بعد إنذار تقرير البنك الدولي سنة 1999، “أن مجموعة من الدول العربية مهددة بالسكتة القلبية” -بما فيها المغرب- إن لم تقم بإصلاحات فورية في مجالات حيوية، كالتعليم والصحة ووضعية المرأة.

– قانون الإرهاب: المؤسس لمشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا، بعد أحداث 11 شتنبر 2001 بالولايات الأمريكية ثم اسبانيا…

– إصلاح الحقل الديني: بعد تصاعد المد الإسلامي في العالم العربي واكتساح الحركة الإسلامية مجالات متنوعة في المجتمع، وتجاوب الناس مع مشاريعها الاجتماعية والثقافية والسياسية، ظهرت فجأة موجات عنف سياسي ب”قميص إسلامي” في مصر والجزائر والمغرب، اصطلح عليها ب “الإسلام السياسي”، بينما ظهرت في شرق الأرض مواجهة مسلحة بين “أهل الحق” و”أهل الباطل” ما اصطلح عليه “الإسلام الجهادي” في أفغانستان وباكستان…

توتر مفتعل في أرض الإسلام سببه تصنيفات هجينة بين المسلمين: إسلام سياسي، إسلام جهادي، إسلام تكفيري، طائفية، مهدوية… مما أدى إلى رد فعل تلقائي في الغرب، أي الخوف والرعب من الإسلام: “الاسلاموفوبيا”. إنه شعور جديد يوهم المرء بأن العالم يعيش صراعا، البقاء فيه للأقوياء والإسلاميون يستعرضون العضلات، أحيانا ويمارسون الإرهاب أحيانا أخرى. يتأكد هذا الشعور الوهمي بصور مصطنعة بين الفينة والأخرى تكون لحى الإسلاميين مناسبة لتلطخ بدماء الأبرياء، إرهابيون فوق الأرض وجب نفيهم أو سجنهم أو قتلهم، فظهر “قانون الإرهاب”من أجل كبح جماح أهل الإرهاب، وميلاد مشروع “إعادة هيكلة الحقل الديني”، من أجل إعادة تربية الناس وفق منظومة دينية مقننة ومؤطرة، لها إطارها المرجعي وسندها الروحي، لا يزيغ عنها إلا هالك.

لذلك انخرط المغرب بوتيرة سريعة منذ 2004 في سياسة إعادة هيكلة الحقل الديني، وذلك بمراجعة العديد من القوانين والتشريعات المنظمة لهذا المجال، كإعادة هيكلة ووظائف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والمجالس العلمية، والرابطة المحمدية لعلماء المغرب، ودار الحديث الحسنية (وهي مؤسسة جامعية عليا)، وتأسيس إعلام ديني مغربي، بما في ذلك القناة التلفزيونية “السادسة” وإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، وأُسس معهد الأئمة والمرشدات، وتم تبني مشروع لتأهيل مدارس التعليم العتيق، ليتلو ذلك التأطير الديني للمغاربة المقيمين بالخارج (وعددهم ثلاثة ملايين)، بإحداث مجلس علمي للجالية.

– المشاريع التنموية في العالم العربي: التي رأت النور بعد تقارير التنمية البشرية العربية التي كشفت عورات الحكم العربي والخلل الملحوظ في “الحكامة الجيدة”، التي أصبحت بعد الربيع العربي شعارا رائدا لأي خطاب إصلاحي. أموال ضخمة صرفت لتحسين الوضع العربي وتغيير مؤشرات تصنيف دول العالم العربي من بين دول العالم، الهدف من ذلك ضمان الأمن العالمي بكمون العالم العربي، لأن هذا الأخير يوفر ثروة في مجال الطاقة والغذاء يجب أن تنقل للعالم الغربي، الشيء الذي يفرض مسوغا إيديولوجيا وقانونيا يمنح الشرعية للربط بين “السلطة والثروة” ويضمن صمت الشارع العربي وقبوله بهذا الاستعمار الجديد.

فمكثت الأمة تحت وطأة حكم القهر والتسلط لعقود الشيء الذي أفرز واقعا مأزوما، فيه إرادات مكبوحة وأصوات محاصرة وأغلبية مخدوعة بأقلية خادعة، نتج عن ذلك كله حركة مجتمعية ممانعة لكنها مضغوطة ومحاصرة.

2. واقع العالم العربي بعد الربيع العربي

ومع “الربيع العربي” وما يتيحه من فرص جديدة لتمثيل الجميع في الحكم بفصل “الثروة عن السلطة”، يرى تقرير التنمية البشرية لعام 2011 أن “لغز الديمقراطية العربية مقبل على نهاية مفاجئة، تفسح المجال أمام توسيع حريات الشعوب وإمكاناتها الفعلية في جميع أنحاء المنطقة”.

ثقافة الاحتجاج في العالم العربي نتجت عن ارتفاع الضغط والاحتقان في واقع مأزوم، أصبحت اليوم مكتسبا وعاملا من عوامل الضغط في الشارع العربي، لم يكن من قبل في حساب الساسة الذين اعتبروا الاحتجاج في بداية الأمر حدثا عابرا سرعان ما ينطفئ وهيجه بنفخة، ينتهي بعقاب مبرح للمحتجين على عادة السلطة في مخاطبة مطالب الناس المشروعة.

لكن الاحتجاج فاض عن الاستيعاب الأمني، ولم تفلح المقاربات الأمنية في احتواء الظاهرة الاحتجاجية، بذلك تحولت مفردة “الاحتجاج” في بعض الأرض العربية إلى مفردة “الثورة” في واقع أزمة متعددة الجوانب، سادت الأوضاع العربية واستحكمت إلى حد الظهور بمظهر القدر الموضوعي القاهر الذي لا راد له، فمن هزيمة إلى هزيمة في مواجهة العدو الخارجي، إلى استباحة كاملة للأمن الوطني والعربي، بالقواعد والأساطيل الأجنبية، إلى الإخفاق التنموي الذريع، الذي رمى بالملايين إلى الحرمان والفقر والهجرة، إلى فقدان الحد الأدنى من مقاييس العدالة في توزيع الثروة، إلى النهب المنظم والعشوائي للثروة والمال العام، إلى الاستبداد القاتم وخنق الحريات وامتهان كرامة الناس، إلى إعدام الحياة السياسية في أبسط مظاهرها البدائية، والثقافة تتراجع، والأحزاب والنقابات تترهل، واللامبالاة العامة تتسع نطاقاً، واليأس والهبوط يزحفان على النفوس.

3- التحديات

مجموعة من العقبات تواجه الشعوب العربية أمام هذه المتغيرات في المشهد العربي، أهمها:

– وهم الاستقرار:

عاشت الشعوب منذ عقود في عزلة عما يجري في الساحة وإفرازات كواليس الساسة، الشعوب العربية وطموحاتها اليوم في واد وحكومات الواجهة الجديدة المغيبة عن السياسات الخارجية في واد آخر. هذه الحكومات الجديدة لطالما كانت في الماضي القريب “تحكم”، والمنظمات غير الحكومية والنقابات توهمنا حقا بأنها الأفضل لتأتي بالاستقرار في المستقبل.. الشعوب العربية تطمح أن يتحقق الاستقرار، لكن هذا لم تتجل معالمه بعد سنة من كسر جدار صمت الخوف من المفسدين والمستبدين، أخطبوط يكتسي اليوم لبوس الصلاح، لكنه مازال متمسكا بالمناصب على حساب الشعب وموارده الطبيعية والصناعية… مرحلة يمكن أن يظهر معها استقرار، لكن أي استقرار؟ استقرار سيء السمعة يسيء لمن يقود السفينة ومن يركبها، ويزيد من التفرقة والتشنج بين من ينشد التغيير ومن يطمح للإصلاح، كما يزيد من الضياع الفكري والاقتصادي والسياسي للأمة العربية، واقع يجب الاعتراف به ويهدد مستقبل التغيير المنشود بعد الربيع العربي.

– طبخة غربية جديدة في كواليس عربية:

لم تخف الإدارتان الأمريكية والأوربية امتعاضهما مما يشهده الشارع، كما لم تخفيا اهتمامها بالربيع العربي، ولم تستطعا كتمان سرها العربي الذي استطاع أن يسقط المستبدين خدام الأمس للسيد الغربي، وراعي مشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا. فالغرب ظل يراقب عن بعد ما يعرفه المشهد العربي من تقلبات وإفرازات، لتبدأ جولة جديدة بحثا عن الحلفاء الجدد من أجل وضع خارطة طريق جديدة لضمان مصالحها واستمرار نفوذها في المنطقة، وهذا ما يجعل المراقبين يفهمون سر التغير التدريجي في سياسة الإدارة الأمريكية في تطبيق مفهومي الاحتلال والهيمنة، وعملها الدؤوب في استنباط طرق جديدة للهيمنة، واختطاف حركات التغيير والثورة بمختلف الأساليب المتاحة لها:

– دجنبر 2011: اللقاءات المارطونية للإدارة الفرنسية مع صناع الثورة في تونس وليبيا من أجل انتزاع ضمانات للاستثمار السياسي والاقتصادي.

-فاتح أبريل 2012: لقاء في الرياض بين وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون و”نظرائها” وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجى الستة من أجل مدارسة مستقبل الشرق الأوسط وموضوع “التعاون الاستراتيجي” في المنطقة. لعل هذا اللقاء الدبلوماسي يبدو ظاهريا عاديا لكن باطنه يخفي أسرارا وطموحات، أهمها:

– أن اجتماع الرياض عقد بعد 48 ساعة من القمة العربية، التي لم تتبن موقفا معاديا لإيران ولم تؤيد تسليح المعارضة السورية، الأمر الذي يعنى أن ما لم تمرره القمة، حدث التفاف عليه لتمريره عبر مجلس التعاون الخليجي، الذي أقر مسألة الدرع الصاروخية الموجهة ضد إيران، ودعا إلى تسليح المعارضة السورية باعتباره “واجب الوقت”.

– أن الاجتماع عقد بعد 24 ساعة من ذكرى يوم الأرض في فلسطين -30 مارس-، ولم يشر المشاركون فيه بكلمة إلى الجريمة الكبرى التي ارتكبت ضد الإنسانية في فلسطين، ولا خطر لأحد ولا توقع أحد أن يتحدث بأي شكل من الأشكال عن مجرد التعاطف مع المقاومة الفلسطينية، ولو أن أحدا تمنى على المجتمعين أن يطالبوا بتسليحها لاتهم بالخرف وربما لوحق وتعرض للتكفير السياسي باعتباره مؤيدا للإرهاب ومعاديا للسامية.

4- بين خيار الممانعة وخيار الهزيمة

إن العالم العربي يمر من مرحلة حاسمة تحدد مستقبله ووجهته في أحد المسارين التاليين:

-المسار الأول: يمكن أن يستمر الربيع العربي ليبني عمرانا إن عملت الشعوب العربية بمعية نخبها السياسية والثقافية والاقتصادية على وضع ميثاق جامع يذيب جليد القطيعة ويمد جسور التواصل لتتحول الإرادة الاقتحامية إلى قوة اقتحامية تبني مجتمع الإخاء وتكسر شوكة الاستعمار.

-المسار الثاني: إذا لم يتوفر شرط القوة والقدرة على مقاومة المصلحة الذاتية والتصدي لخيوط الاحتواء يتحول الربيع -لا قدر الله- إلى خريف تجهض فيه مشاريع التغيير وتنبت في أرضه من جديد طفيليات الفساد والاستبداد.