هَبْ أخي القارئ أنه قد بلغ نجاحك في مسيرة حياتك بأن صرت أشهر رجل أعمال في العالم، وحُزْت بذلك على أكبر ثروة في العالم، وأنك محطُّ حديث كل الناس في وسائل الإعلام، وأن نفوذك يؤهلك للتأثير -إن شئت- في السياسة العالمية و الاقتصاد العالمي، وهذا دون التأكيد على تحقيقك لكل أسباب التَّرف والسعادة الأسرية مادياً ومعنوياً على حدٍّ سواء.

هل يسعك إذَّاك أن تصف حجم سعادتك؟ أليس هذا هو النجاح بامتياز بالمقياس البشري؟

الآن، وبعد هذه المقدمة، اقترح عليك أن تقف معي أخي القارئ وقفة تأمل: ماذا يساوي هذا النجاح الباهر في دار الدنيا -وهي القصيرة الفانية- إن لم يكن هذا النجاح مَطِيَّةً للفلاح في الدار الآخرة الباقية الدائمة؟ بل عن أي درجة من الفلاح في الدار الآخرة نتحدث؟ هل أنت عند الله فقط من عامّة أهل الجنة؟ أم أنت عنده من المحبوبين المقربين في أعلى درجات الجنة؟ أيهما تفضل؟ نظرات الإعجاب والانبهار لدى الخلق؟ أم رضى الله عليك ومباهاته وافتخاره بك عند ملائكته المقربين وعند أحبابه المصطفين بل وفي كل أرجاء السماوات والأرضين؟

أليس أحرى وأولى أن يوظّف هذا الشخص الناجح همَّته العالية الشامخة لنيل الدرجة العليا والمنزلة العظمى حيث تدومان أبداً، بدل الاكتفاء بنجاح دنيويّ يَفْنى اليوم أو غداً؟ أيُّ المنطقين أسلم وأحكم في نظرك؟

إليك أخي القارئ مفتاحاً نبوياً قدسياً لباب عالَمٍ عُلْويٍّ خاصٍّ، هو عالَمُ خاصّة أهل الله وأحبابه المقربين الذين أفْرَدهم الله جلّت عظمته بحبٍّ خاصٍّ دون غيرهم من الناس، والذين شبّه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الفرق بينهم وبين عامّة أهل الإيمان بالفرق بين الملائكة والبهيمة. تجد هذا المفتاح متجسداً في حديث قدسي عظيم صحيح ينعته العلماء بحديث الولي.

روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذَنته بالحرب. وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه. وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا فاعِلُه تردُّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مَساءَتَه”.

يستخلص العلماء من هذا الحديث العظيم كنوزاً ثمينة نذكر بعضها:

أولاً: هذا الحديث يخصُّ صنفاً متميزاً من عباد الله، هم أولياء الله الذين بلغوا بحبِّ الله تعالى لهم بأن أعلن الله الحرب على من عاداهم.

ثانياً: درجة المحبوبية والولاية والقرب تبنى أولاً وأساساً على القيام بالفرائض من أداء الصلاة في وقتها وأداء الزكاة وصيام رمضان وبر الوالدين إلى غير ذلك من الطاعات المفروضة، ثم بعد ذلك التقرب بالنوافل بين قيام لليل وذكر كثير وصيام نافلة وحسن خلق وتميز في الدراسة وأمانة في العمل المهني ودعوة إلى الله وتحبيب الله إلى عباد الله إلى غير ذلك من القربات. وأهم من هذه الأعمال كلها أعمال القلوب التي هي روح الفرائض والنوافل ومِن أهمها التمسكُن والافتقار إلى الله والتبأّس والتذلل بين يديه وإخلاصِ الوجهة والعبودية له تعالى، حيث أن الله لا ينظر إلى صورنا ولا إلى أعمالنا ولكن ينظر إلى قلوبنا كما جاء في حديث نبوي شريف.

ثالثاً: طريق الولاية والقرب والمحبوبية يستلزم استمراريةً وصبراً ومصابرةًَ، فهو مشروع عمر بكامله، حيث يمر العبد السالك إلى الله من درجة إسلام إلى إيمان إلى إحسان كما جاء في حديث جبريل المشهور، ولا يعتزمُ المُضِيَّ في هذه الطريق والصبرَ عليها إلا صنفٌ نادرٌ من الناس مرت فوق رأسه يوماً ما سحابةُ سابقِ عناية الله فتفجر في قلبه بركانُ الشوق إلى الله وتحرّق قلبه بصادق الطلب في أن يكون من المقربين الذين خصهم الله بمجاورته جلّ وعلى يوم القيامة دون غيرهم. فأغلب الناس يدخلون إلى دار الدنيا ويخرجون منها دون أن يذوقوا أحلى ما فيها، وأكثر العباد لا يريدون الله لذاته بل يريدون ما عند الله من نعيم وجنان.

رابعاً: درجة المحبوبية والولاية والقرب من الله يرى العبد الواصل بعض فضلها في الدنيا قبل الآخرة، حيث يصير له قلبٌ جديد يرى بنور الله وتصير له حواس وأعضاءُ جديدة تعمل بتوفيق من الله، يُرزق فهماً بالله عن الله وعن سائر مخلوقات الله، يرى الأشياء على حقيقتها، يصير مستجاب الدعاء، يحسِبُه العامّة من أيُّها الناس لبساطة هيئته وشدّة تواضعه وهو في الحقيقة محطُّ نظر الله بين كل العباد، يوضع له القَبول في الأرض فيفرح كل مكان حلَّ فيه ويحنُّ إليه كل مكان ارتحل منه، بخلاصة : يصير خلقاً آخرَ، “فتبارك الله أحسنُ الخالقين”.