نداء الأقصى:

كبرنا وكبرت فينا ومعنا القضية الفلسطينية؛ لم تكن في صبانا تتعدى المفاهيم الثلاث: الأرض، واليهود والاغتصاب. لكن مع تداول السنين، اتسع المدلول وتعمق ليأخذ أبعادا قيمية كبرى، خصوصا البعد الديني والتاريخي والاجتماعي والحقوقي. ومع كل خطوة تخطوها القضية الفلسطينية على مستوى الوعي، تنغرز في الوجدان أكثر، وتأخذ النصيب الأوفر من مشاعر الولاء والغيرة والنصرة والبذل. ويمكنني الجزم أن القضية الفلسطينية حازت أعلى الرتب في قلوب ملايين المسلمين وغير المسلمين لأنها القضية الأنقى والأصفى والأشرف والأزكى إنسانيا. فلا يمكن الحديث عن قيم الكرامة الإنسانية، والسلم الإنساني، ومصير الإنسانية دون اعتبار فلسطين هي الميزان والمفتاح والوتد والأصل. هذه هي الميزة والخصوصية التي انفردت بها فلسطين، وقلبها النابض القدس، والتي جعلت لها هذه الجاذبية المفعمة بروحانية عالية وجمال معنوي غال.

من رحم هذه المعاني جاء نداء “الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة”، ومن رحم نفس المعاني جاءت استجابة المغاربة الذين شكلوا الوفد المغربي الذي شارك يوم الجمعة 30 مارس 2012 في مسيرة القدس. المسيرة العالمية التي نظمتها الهيئة الوطنية الأردنية المكونة من مجموعة من الفعاليات السياسية والنقابية والجمعوية والفكرية.

وقد كنا، نحن العضوين القادمين من مدينة تطوان، سعيدين حين تم إدراجنا رسميا باللائحة، وإعلامنا بموعد السفر ولوازمه ومراحله، لكن سعادتنا كانت “سعادة مغربية”، بمعنى أننا لم نكن نثق في ردود السلطات الأمنية بالمغرب؛ فالتجارب علمتنا أنها تتدخل لأسباب واهية، وتتقن فن صناعة الأعذار والتهم والأباطيل لتعبث بمصالح المواطنين وحقوقهم. من هنا فضلنا الأخذ بالحيطة والحذر وتفويض الأمر لمن له الأمر كله سبحانه.

ليلة الثلاثاء 27 مارس 2012 حزمنا حقائبنا بعد جلسة عائلية. كانت علامات الفرح وانشراح الصدور وانبساط القلوب بادية على وجوه الجميع. غمرني شعور بالاعتزاز، لأني أدركت أن المغاربة في قطرنا الحبيب قد تجاوزوا العقبات في حق قدسنا الشريف وأقصانا المنيف، وأصبحت لديهم القابلية والاستعداد للانخراط في مشاريع التحرير وإعادة فلسطين مهما ارتفع الثمن. فمن من المغاربة غير مستعد ليبذل قطرة من دمه، أو درهما من جيبه، أو كلمة من قلمه، أو دمعة من عينه أو نبضة من قلبه في سبيل قدسنا المجيد مجد رسالة هذه الأمة؟

قبل أن نغادر، طرقت غرفة والدتي؛ ولما أذنت لي بالدخول تسللت بهدوء وقبلت جبينها ويدها وجلست أمامها وأعلمتها بحلول ساعة السفر للمشاركة في المسيرة العالمية من أجل أقصانا وقدسنا. تبسمت بوجه يملأه السخاء، ويعلوه البشر، ودعت لنا بالتوفيق والثبات والنصر. هذه هي الأم الأمازيغية الأمية المؤمنة التي لم تعترض سبيلي، بل لم تراجعني قط ولو بكلمة واحدة في كل الخرجات والمواقف والمسيرات التي شاركت فيها طوال عمري. وكنت أستغرب، وما زالت، قدرتها على امتلاك عاطفتها وعدم البوح بأحاسيسها ولو في المواقف الصعبة. كانت كلماتها كالطيب يسكب على الإرادة فيشدها ويقويها ويلهمها.

تذكرت وأنا أغادر المنزل ابن حينا “شهيد فلسطين” حسين الطنجاوي الذي التحق بالفدائيين الفلسطينيين وبلغنا خبر اغتياله، فقمنا نحن شباب الحي بإلصاق صوره على أعمدة الكهرباء والجدران، وقدمنا العزاء لوالدته الحاجة زينب رحمها الله. تذكرته وتذكرت المسافة التي قطعها في ظروف مادية ومعنوية صعبة لمواجهة فلول الصهيونية التي بلغت اليوم أدنى دركات الإفساد، وأصبحت رمزا مشينا للعنصرية والقتل، والاستهتار بالكرامة الآدمية، والاستخفاف بكل المواثيق الدولية والقيم الإنسانية.

لم يخطر ببال هؤلاء الشباب الأوائل الذين نذروا حياتهم لفلسطين أن يأتي يوم يحضر فيه صهيوني ليجلس بكل وقاحة على كرسي فاخر داخل البرلمان المغربي ليشارك دولا تبحث عن إقامة روابط التعاون وتمتين روح التعايش وتحقيق الاستقرار بمنطقة البحر الأبيض المتوسط. ولم تأتهم ولو خاطرة واحدة أن يُستدعى صهاينة إلى المغرب للمشاركة في “مهرجان” احتفالي للرقص الشرقي.

أجل، الرسالة واضحة، فالصهاينة يريدون إيهام العالم عبر الرقص الشرقي أنهم أبناء “الشرق”، يفكرون كما يفكر أهل الشرق، ويعيشون ويأكلون ويشربون ويتاجرون ويغنون ويرقصون تماما كما يفعل أهل الشرق، والأيادي الملطخة بسواد الخيانة في المغرب مستعدة لمد يد العون والمساعدة للغريب الدخيل المغتصب الصهيوني كي يصبح ابنا شرعيا في الشرق العربي الإسلامي. ولكن هيهات، فرجة الربيع العربي ما زال دويها قويا، وبشائر يقظة القلوب بعزمها والعقول بوعيها ما زالت واعدة رغم أن الأمة في المغرب الأقصى، كما في الأقطار الأخرى، لم تتبين بجلاء معالم المشروع المجتمعي الذي تريده، إلا أنها تعادي بالفطرة والوراثة المؤامرات التي تحاك ضد قضاياها، وعلى رأسها فلسطين ومعلمتها الخالدة القدس الشريف.

بتنا ليلة الأربعاء بتمارة، حيث أخبرنا أخونا إلياس حفظه الله، الذي أحسن وفادتنا واستضافتنا، بأسماء بعض أعضاء الوفد، ودار الحديث بيننا عن بعض الآثار الاجتماعية النفسية التي ستلحق بالصهاينة جراء مسيرة القدس العالمية، وعن رمزية هذه المسيرة في ميزان التدافع المرحلي حيث بدأت الشعوب المسلمة تستعيد عافيتها، وتسترجع قدرتها على المبادرة، وتتطهر من أمراض العقم والشلل، وتعي – وهذا هو الأهم – أن التحرر الذاتي، وتحرير المستضعفين، والانعتاق الجماعي من قبضة المستكبرين لن يتم عبر المؤسسات الرسمية والأنظمة الحاكمة التي تعتبر اليد النافذة والمنفذة لجزء من الإستراتيجية الصهيونية بدول العالم الإسلامي، القاضية بإبعاد الشعوب عن تقرير مصيرها وصناعة تاريخها وبناء مستقبلها.

القضية الكبرى والهم الأكبر:

في صباح يوم الأربعاء 28 مارس 2012، وفي حدود الساعة الحادية عشرة كان أعضاء الوفد المغربي المتوجه إلى الأردن للمشاركة في مسيرة القدس العالمية كلهم عند بوابة مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء. الجميع يتبادل التحيات والدعوات وجميل العبارات. كان هدف السفر نبيلا متحررا خاليا من عوالق وعوائق الدنيا وكثافتها المادية مما سهل التعارف والتآلف، ويسر الاندماج والتآخي. وكان الحزم والعزم والاستعداد النفسي وخلو الذهن والبال باديا على وجوه الجميع.

تقدم الأستاذ عبد الصمد فتحي، منسق الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، بين يدي الوفد بكلمة توجيهية ذكر فيها بأهداف الرحلة وكريم مقاصدها، وأثنى على المولى سبحانه الذي قدر فهدى، واصطفى هذه الفئة لتمثل الشعب المغربي. وأوصى الجميع بالاستعلاء على الانتماءات الضيقة، والتجرد من الولاءات المحدودة، واستحضار نزاهة القضية الفلسطينية وبراءتها وسمو مكانتها في وجدان الشعب المغربي. ولخص رسالة الوفد المغربي في إعلان الولاء والوفاء للشعب الفلسطيني، وإخبار هذا الأخير بكل مظاهر البذل التي تقوم بها كل فئات الشعب المغربي ورموزه ومكوناته وهيئاته من أجل نصرة القضية الفلسطينية.

خلف هذه التوجيهات انجمعت وتوحدت إرادة الوفد، وأحس الجميع بثقل الأمانة وجسامة المسؤولية. وقبل الدخول إلى بهو المطار دثر الأستاذ سعيد جناح جسمه بالعلم الفلسطيني، بينما فضل جل أعضاء الوفد لف الكوفيات الفلسطينية حول أعناقهم. منظر بهيج، يحس الناظر ويفهم أن الأول قد سكن هم القدس جسده بالكامل، والباقون فضلوا الإعلان على أن القدس بمسجده الأقصى قد أضحى أمانة تطوق الأعناق وتلتف، تكليفا وتشريفا، حول الرقاب.

أخذنا صورا تذكارية، وانطلقنا للقيام بالإجراءات الإدارية لركوب الطائرة. كنا مراقبين عن بعد، لكن أحدا لم يقم باستفزازنا. وبين الفينة والأخرى كنت أسمع همسات المديح والدعاء والثناء من بعض رجال الأمن، بل منهم من تمنى لو كان من أعضاء الوفد. خلف هذا الاستبداد والإكراه الإداري الذي يهيمن على مؤسساتنا، خصوصا مؤسسات الأمن والقضاء، يوجد رجال يكتمون إيمانهم ويخشون ربهم ويحبون أمتهم ويغارون على بلدهم وحرماته وأعراضه. جدار الخوف مازال سميكا يمنع الناس من التعبير والإفصاح.

هكذا غادرنا مغربنا الحبيب وخلفناه وراءنا ونحن نحمل حبه في قلوبنا، وجراحه هما يوميا في صدورنا. لم نسافر للاستجمام وتخفيف أثقال الهموم، بل لنستبدل القضية الصغرى بالقضية الكبرى، والهم الأصغر بالهم الأكبر. “والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.

القاهرة:

القاهرة لا تنام. في القاهرة الضجيج لا يتوقف. القاهرة مدينة السرعة والحركة والخفة. لا تترك لك هذه المدينة العريقة فسحة للتدبر والتأمل والرجوع إلى الذات. مدينة تحاول التهام الزائر في أول وهلة. لا تعترف بأحد ولا تسمح لأحد أن يشاركها القرار. ولشدة تتابع الأحداث ووطأتها تحاول هذه المدينة أن تبقى غامضة. حتى حين تلتقي أهل القاهرة وتحاورهم تجد صعوبة في فهم ما يجري ويدور. تذبذب السياق وغموض المساق يجعلانك في حيرة تفرض عليك اختيار البقاء على الهامش طوعا.

طموح المصريين كبير في قيادة الأمة وتحريرها. جموح عاطفي، وحماسة عجيبة، واستعداد دائم للحوار، واستماتة صلبة على المواقف. لعل التاريخ المصري القديم والحديث هو الذي شكل وصقل الشخصية المصرية على هذا النحو.

دخلنا القاهرة ليلا، ورغم أن مصر كانت محطة للعبور إلى الأردن ألح أعضاء الوفد المغربي على زيارة ساحة التحرير. لم تتردد السلطات المصرية في الموافقة، وفي أقل من نصف ساعة كنا في القلب الجغرافي الحقيقي لتاريخ مصر المعاصر. ساحة التحرير حيث غرق الاستبداد المصري وتجرع مرارة الهزيمة رغم كيده ومكره وبطشه، رغم وسائله وإمكاناته وقدراته، رغم المدد الداخلي والإمدادات الخارجية. التفاسير والتحاليل المادية عاجزة عن الإحاطة والفهم والإدراك. والوحي هو العلم بالحق الذي لا يأتيه الباطل: “أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمان، إن الكافرون إلا في غرور”.

المصريون يحفظون أحداث “التغيير” عن ظهر قلب ولا يملون من تكرارها. حتى الجزئيات الصغيرة والتفاصيل الدقيقة يعرضونها. مضاء فريد في الذاكرة وحدة في العقل وقوة في الحافظة، كل ذلك جعلهم قادرين على سرد الوقائع دون الرجوع إلى مذكرات أو مكتوبات. إنها الانتعاشة الروحية التي تحدثها نسائم الحرية والتخلص من الاستبداد والفساد. وفي المخيلة المصرية تتواصل وتتداخل كل أبعاد التاريخ الزمانية: الماضي والحاضر والمستقبل. وتبقى القاهرة معلمة تقهر الزائر بشوارعها وجوامعها ومعاهدها وأسوارها ومتاحفها وأبوابها وحصونها. القلعة الإسلامية التي حملت العبء الأكبر في إخراج الصليبيين في عهد الإمام الفاتح صلاح الدين الأيوبي ـ رحمه الله ـ عادت لتساهم في صناعة تاريخ العزة والمجد من جديد وتعطي الأولوية للإنسان وكرامة الإنسان.

نحو الأغوار:

غادرنا مصر الأبية ودخلنا الأردن العزيز يوم الخميس 29 مارس 2012، ونزلنا فندق “القدس” حيث قضينا ليلة الجمعة. وفي صباحها، يوم مسيرة القدس العالمية، اجتمعنا في فناء الطابق الأرضي مع الوفد الجزائري والوفد اليوناني وإخوة من ليبيا. كانت الأجواء دافئة والكل سعيدا بالمشاركة في المسيرة رغم الإحساس بمحدودية تأثيرها على الكيان الصهيوني، فنحن ما زلنا في ميزان القوة أخف وزنا وأضعف جندا وأقل شأنا، ومشوارنا لاستكمال العدة لتحقيق التدافع الحقيقي ما زال بعيدا، لكنه غير مستحيل، والربيع العربي فتح أبواب الأمل لتأخذ الأمة زمام المبادرة ويكون الأمر بيدها رغم التحديات الكبرى والعقبات الصعبة التي تملأ الطريق.

كان العناق حارا بين الوفود، وتبادل المعلومة حول الأوضاع القطرية متواصلا، وكانت الشعارات – بالعربية والإنجليزية – تدين دولة إسرائيل المصطنعة وتنتصر للقدس الشريف. الكل على أهبة الانطلاق. لا تخلو الأيادي من اللافتات والملصقات والأقمصة والشارات والأعلام والملفات التى تعنى بالقضية الفلسطينية. وما يزين تلك الوسائل الأدعية التي لا تفتر عنها الألسن.

ما أعظم أن يعيش المرء في ظل هذه الثنائية، ثنائية الإيمان القلبي وحسن الثقة في الله وإسناد الظهر إليه واتخاذه وكيلا وكفيلا ووليا ونصيرا، وحسن الأخذ بالأسباب تخطيطا وتدبيرا وتنفيذا.

كل الوفود كانت تترقب لحظة الوصول إلى ساحة التجمع لرؤية الأرض المباركة والاقتراب إلى أقرب نقطة من الحدود الفاصلة بين الأردن وبين العدو الصهيوني. في الميدان تظهر الحقائق جلية، وتكون أنصع وأكمل للنظر والاستيعاب. فبقدر ما كنا حريصين على إرسال رسائل واضحة للفئة الصهيونية الباغية الطاغية، كنا راغبين في معرفة موقف الأردن من القضية الفلسطينية في ظل الربيع العربي. كنا نتوقع أن يتحرك ولو قليلا هذا الماء الراكد الآسن الذي فقد طعمه ولونه وعم ضره. هذه خواطر وأسئلة كان العقل يصنعها ونحن نركب الحافلة. ولم يمض وقت طويل حتى وجدنا أنفسنا في الطريق نحو منطقة المغطس بالأغوار.

الأغوار منطقة تقع في الشمال الشرقي للأردن؛ وقد سميت كذلك لانخفاضها الذي يتعدى السبع مائة متر عن سطح البحر. وهو أدنى انخفاض في العالم. يحس المرء وهو ينزل في تلك المنحدرات الجبلية التي ترتفع فيها درجات الحرارة أنه ينزل إلى قاع لا نهاية له لينتشل ويسترجع شيئا نفيسا سقط في هاوية مخيفة. وما جاء لفظ الغور في القرآن الكريم إلا ليذكر الإنسان بضعفه وعجزه وحاجته إلى مولاه الحكيم الخبير سبحانه. قال تعالى : “أرايتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين”.

بعد النزول من سفوح الجبال العالية دخلنا منطقة سهلية خصبة. قطع أرضية مجزأة فيها أغراس ومراعي صغيرة. البنية التحتية ضعيفة، بل تكاد تكون منعدمة. حتى وسائل السقاية التي تعتمد المياه الجوفية غير متطورة. لا شك أن الإبقاء على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية على هذا النحو والحال شيء مقصود ومتعمد حتى يبقى الناس غرقى وصرعى هموم المعاش والرزق اليومي.

حركة المرور صعبة لضيق الطريق وكثرة السيارات. لا تسمع إلا الشعارات والأناشيد والأهازيج. جموع من الناس من كل الأعمار تسير على جنبات الطريق صوب مكان التجمع. آلاف النساء حضرن وهن يحملن أطفالهن الرضع. المنظر مهيب وكأنك تنظر إلى طلائع الفتح وبشائر النصر.

سرنا على الأقدام وسط الحشود. كان العلم المغربي بارزا في المقدمة. وخلفه مباشرة الأخوات المغربيات اللواتي شاركن في المسيرة. وقد كان لهن دور محمود في الاتصال والتواصل لفت الأنظار ونال الإعجاب والتقدير، خصوصا فصاحتهن وإحاطتهن بإشكالية المرأة وقدرتهن على إيصال رسائل واضحة للمرأة الفلسطينية كلما سنحت الفرصة. ومرة أخرى تثبت المرأة المغربية أنها عنوان لتحمل الشدائد والصبر على المكاره، كيف لا وقد كانت إحداهن حاملا وتطوعت لنصرة الأقصى رغم وعثاء السفر وصعوبة الموقف وقساوة الظروف. أي شموخ؟ وأي معدن نفيس هذا؟ وأية أم؟ وأمة هذه؟

وسط الميدان:

كانت ساحة التجمع فسيحة، جرداء عارية بالكامل. على طول الجهة الغربية تمتد جبال فلسطينية جدد شهباء. خلفها القدس، المدينة التي أبى كبرياؤها أن ينحني للطواغيت. وفي الجهة الغربية نصبت خيمتان لاستقبال الوفود التي تجاوز عددها ثمانين وفدا قدموا من مختلف الأقطار الإسلامية، وكان أكثرها عددا الوفد الأندونيسي. أما المنصة فتوسطت الواجهة الجنوبية للساحة، وكانت مقصد المئات من الوافدين.

الهتافات والشعارات لا تتوقف، والأعلام الفلسطينية والأردنية في كل مكان. الكل يجتهد ليعبر عن ولائه للقضية الفلسطينية. وسائل الإعلام، من جهتها، تتنافس في البحث عن المواقع لنقل الحدث والتقاط الصور المعبرة وإجراء الحوارات مع رموز الجهاد والنضال ودعاة السلام وقادة الحركات الإسلامية.

حول تلك الأعداد الهائلة من المشاركين كانت المرأة حاضرة بقوة، ترفع الشعارات وتستعمل الوسائل الحديثة لتسجيل الوقائع ونقلها وتساهم بكفاءة عالية في العمل الإعلامي وتتواصل بثقة مع شقيقها الرجل للتعبئة والتحريض. حيثما التفت تجدها، لم يثنها ولم يشغلها أمر تربية الأبناء واحتضانهم عن أمر الجهاد من أجل إخراج الأمة من ورطتها وفك رقبتها من أيادي المستبدين.

وسط هذا الجو المليء بالمبادرات فضل أعضاء الوفد المغربي الانتشار وسط المتظاهرين ومشاركتهم أنشطتهم. أما ذوو الخبرة والتجربة أمثال الإخوة محمد الحمداوي، وعبد الصمد فتحي، وشعيب عاهدي، وأبو الشتاء مساعف، وأحمد الكتاني والأخت الفاضلة أسماء و”موزعة الورود” السعدية الوالوس فقد كان دورهم بارزا: منهم من تحمل عبء إجراء الحوارات مع وسائل الإعلام، ومنهم من جالس أعضاء الوفود واجتهد لإبراز دور الشعب المغربي في نصرة قضايا الأمة، ومنهم من كان يجيب بإحكام واستفاضة عن الأسئلة المتعلقة بواقع المغرب ومستجداته ومدى مصداقية وعمق التحولات السياسية والاجتماعية المزعومة فيه.

أما الأخوان عزيز أودوني وسعيد جناح فقد تحملا متاعب التنسيق بين أعضاء الوفد، وإليهما يعود فضل السهر على برنامج الرحلة.

ألقى خطبة صلاة الجمعة المراقب العام للإخوان المسلمين بالأردن الشيخ سعيد همام؛ فضل التصريح عن التلميح، واجتهد موفقا ليخاطب كل من تهمه القضية الفلسطينية بدءا بالفلسطينيين أنفسهم وانتهاء بالعدو الصهيوني اليهودي الظالم المدلل من طرف الاستكبار الأمريكي والغربي. وقد ركز في ثنايا الكلام على الروابط والوشائج التي تجمع بين الشعبين العربيين المسلمين الفلسطيني والأردني.

ولعل التحولات التي عرفتها بعض الأقطار كتونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا كانت وراء قوة الخطاب ووضوحه، خصوصا الكلمات البليغة التي وجهها الشيخ همام إلى لرئيس الأمريكي أوباما.

في هذه الأثناء كان الموقف الرسمي للنظام الأردني يسير في الاتجاه المعاكس، حيث تم إنزال قوات هائلة من الجيش والأمن لتطويق المنطقة وحماية أمن “إسرائيل المزعومة”. وكان الاستياء كبيرا حين علمنا أن القوات الأردنية تمنع الوافدين من ولوج ساحة التجمع بدعوى امتلائها. والغريب أن هذا الإنزال العسكري تم في الوقت نفسه الذي هاجمت فلول الصهاينة الإخوة المقدسيين، وبلغنا خبر إصابة بعضهم بجروح واستشهاد أحدهم. وقد لا نستغرب حين نسمع أن الحكومة الأردنية رفضت في البداية الترخيص للمسيرة، وتحت ضغط المجتمع المدني وافقت، على أساس أن يكون مكان التجمع بعيدا عن الحدود حتى لا تتأذى “إسرائيل المصطنعة”. ومرة أخرى علت أصوات الاحتجاج والتنديد بهذه المواقف المخزية التي لا تراعي مصالح الأمة وتاريخها ودينها وحقوقها. وفي النهاية ومع إصرار وثبات الهيئة المنظمة استجابت السلطات الأردنية خوفا من الانعكاسات السلبية التي قد تنتج عن مواقفها الملتوية.

بعد الصلاة تتالت كلمات الوفود بحضور أعضاء من اللجنة المركزية الدولية ينتمون لجنسيات وأعراق مختلفة، من الأردن وفلسطين ومصر وسوريا والكويت ولبنان والهند وماليزيا وإندونيسيا وإيطاليا وبريطانيا وأستراليا والجزائر وجنوب إفريقيا وكندا وباكستان. كلمات الوفود توحدت على إدانة اغتصاب أرض فلسطين ومظاهر الاستيطان والتهويد وهدم البيوت وإتلاف المزارع ونهب الممتلكات وقتل الفلسطينيين الأبرياء بمن فيهم الأطفال والنساء والشيوخ، وذكرت بالغطرسة الصهيونية التي تتمرد على كل المواثيق الدولية والقرارات الأممية وتسعى لهدم المسجد الأقصى وتتمادى في حصار غزة وحرمان أهلها من مقومات الحياة وضروريات العيش. وما أثار الانتباه في مداخلات الوفود عنصر الثقة في نصر الله سبحانه، فلا شيء تمتلكه أمتنا قادر على أن يعصم النفوس ويقيها شرور اليأس والشك أمام المؤامرة الدولية غير الفرار والإنابة إلى الله. لا شيء غير الإيمان، هو وحده الكفيل بتوحيد الجهود وغرس الأمل وحشد الهمم وتجديد النوايا والخبايا والخفايا واستجلاب مدد السماء.

قبل نهاية المهرجان الخطابي قام الوفد المغربي بجولة تواصلية على هوامش التجمع العام؛ كلما مر بمجلس أو مجموعة، وغالبا ما تكون من الفلسطينيين، إلا وتقدم الأستاذ سعيد جناح بكلمة يستفتحها بالتحية ثم التعريف بهوية الوفد، وبعدها يتحدث عن وفاء الشعب المغربي وإخلاصه للقضية الفلسطينية واستعداده الدائم للنصرة والبذل وتعلقه الوجداني بالأقصى الشريف ورفضه لكل أشكال المساومات. كلام استحسنه وتجاوب معه الكثيرون، تارة بالوقوف الجماعي وتارة بالتحية وترديد الشعارات.

لم نكن نشعر بالتعب والعياء ونحن نودع المكان. كيف تتعب منا الأجساد والأمر موصول بالقرآن الكريم ونبوءات الأنبياء ورسائل المرسلين؟ كيف والبلاء مبين والكرب عظيم في حق إخواننا في فلسطين؟ كيف والمساجد تهدم، والأرض تغتصب، وحرمات الإسلام تداس؟ كيف والحكام أفئدتهم هواء انصرفوا إلى الدنيا وانغمسوا في متاعها فهانت عليهم الأمة بدينها وتاريخها، واستبدلوا عزتها بسراب المال واللهو والرئاسة؟ فلسطينيون كالأيتام في مخيمات اللاجئين بالأردن ولبنان وسوريا وأرض الشتات يحاصرهم الفقر والعوز والظلم والخوف والاستبداد، وحكام يتهافتون على مراتب الدنيا بتكديس الأموال ونهب خيرات الشعوب والتآمر مع العدو في الخفاء.

مأساة الشعب الفلسطيني صفحة سوداء في جبين الإنسانية. شعب يتعرض للتعذيب والقتل الممنهج بآلة صماء من طرف عصابة صهيونية انحدرت أخلاقيا إلى حضيض الانحراف والإفلاس والفساد والضياع. والمجتمع الدولي المعدوم المحروم من القيم والمبادئ ينظر إلى الوحش يمزق الفريسة أشلاء، ويسمي ما بقي لديها من أنين وصراخ الألم إرهابا وتطرفا.

تاريخنا يحاصرهم …

انقسم أعضاء الوفد في ضحى يوم السبت 30 مارس 2012 إلى قسمين، قسم ذهب لحضور الحفل الختامي الذي أقيم على شرف الوفود بمقر الإخوان المسلمين، والقسم الآخر اختار القيام بجولة استكشافية لبعض المواقع التاريخية. كنا الغالبية وكان برفقتنا الشيخ الفلسطيني إسماعيل نشوان البالغ من العمر أربعا وثمانين سنة. وكان فعلا تحفة سفرنا، تعلمنا منه الكثير من الحقائق عن فلسطين. غيرته ومضاء عزيمته ورباطة جأشه ورجاحة عقله وثباته على مبادئه كل ذلك صنع منه فلسطينيا قحا حرا. اعتقل سنة 1959 وقضى سنتين في سجون الغاصبين، ومنذئذ والرجل ينافح ويكافح ويجاهد ويحرض وينتصر لدينه وأمته وبلده. شاهد حاضر في المواقف والمسيرات، لا شيء يثنيه أو يلهيه والموت نصب عينيه. يغار على دينه لحد الفناء، ويحب فلسطين لحد الافتتان. حينما يلتقي به فلسطينيو الداخل يقبلون رأسه ويده تقديرا لبذله وثباته ولما يمثله من ذاكرة الشعب الفلسطيني.

يتحسر حينما يتذكر المواقف التي وجد فيها نفسه وجها لوجه مع العدو الصهيوني ولم ينل الشهادة في سبيل الله: “حينما اعتقلنا في سفينة مرمرة التركية من طرف اليهود، فعلت كل شيء لأهينهم وأستفزهم لعل أحدهم ينال مني فيقتلني وأفوز بالشهادة، ولكن الجبناء لم يفعلوها”! كانت هذه كلماته وهو يروي لنا واقعة مرمرة التاريخية.

رفقة إسماعيل نشوان والشاب الفلسطيني أبي معاذ أنس زرنا المنطقة الشمالية الغربية على طول المسافة الفاصلة بين الشونة الجنوبية والشونة الشمالية، مرورا بالكرامة والعارضة والصوالحة ودير علا إلى وقاص، فنهر اليرموك وبحيرة طبرية وهضبة الجولان. على طول هذا الخط يمتد جزء من تاريخنا المجيد، تاريخ فتوحات الإسلام الخالدة التي قادها كوكبة من خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حملة رسالة تحرير الإنسان من كل أشكال الاستعباد الروحي والجسدي. في هذه المنطقة جرت معارك حاسمة كمعركة اليرموك التي قادها خالد بن الوليد، وأبو عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان، وقيس بن حبيرة، وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص رضي الله عن الجميع. هنا غلبت الفئة القليلة التي لم يتجاوز عددها الستة وثلاثين ألف الكثرة التي تجاوزت المائتين وخمسين ألفا. وهنا أيضا سجل التاريخ معركة حطين – حسنة القائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي – التي حطمت كبرياء الصليبيين وأصبحت غصة تتوارثها أجيالهم، ومعلمة تاريخية يستلهم منها المسلمون قواعد الملاحم. ومن هنا أيضا مر الفاروق عمر رضي الله عنه ليعطي الأمان لنصارى القدس ويأخذ مفاتيح المدينة معلنا هيمنة رسالة الإسلام على ما سبق من شرائع السماء.

كل ما هنا ينذر الصهاينة ويحاصر أحلامهم. وكل ما هنا يعاتب المسلمين ويسفه قعودهم.

انتهت أيامنا بالأردن، وعدنا إلى المغرب يوم الأحد 31 مارس 2012 لنجد في مطار الدار البيضاء ثلة من المغاربة جاءت لاستقبالنا، ليس لها من وازع ولا دافع إلا ولاؤها للقضية الفلسطينية واهتمامها بأمر المسلمين. هتافات وزغاريد وتحيات أحاطت بأعضاء الوفد. كان اليوم مشهودا، وحسبنا أن يكون العمل عند المولى الغني الحميد مقبولا محمودا. سرَنا فرح المغاربة بمسيرة القدس العالمية، “وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر”. والحمد لله رب العالمين.