الحمد لله الذي ما علت أقدار عباده إلا بتعظيم حرماته وشعائره، ولا حظي بولاية أهل الغرفات إلا بالتوبة إليه من ركوب العصيان وكبائره وصغائره، فذلك العبد هو الذي دلت استقامة ظواهره على استنارة بواطنه، وأشرقت بواطنه على صفحات ظواهره.

لكل ذي نسب حسيب من شرف نسبه نصيب، ولا كشرف أنساب المتقين، ولكل ذي تقي على تقواه ثواب، ولا كثواب المعظمين لحرمات الدين، يعظمون حرمة الزمان والمكان.

وكل ما ينسب إلى الملك العظيم الشأن أحمده على ما أرانا من واضحات قرب المناسك، وأنقذنا من غامضات حفر المهالك، حمد معترف بأنه لمقاليد السماوات والأرض مالك، ليس له في مثقال ذرة من جميع الممالك قسيم ينازعه ولا مشارك.

وأشهد أن لا إله إلا الله أعلى علم يقينها عن علم القياس، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلى الجنة والناس، صلى الله عليه وعلى آله صلاة تكثر عدد الأنفاس، وعلى سائر عباد الله الفُطَّن الأكياس، المطهرين بمياه التقى من جميع الأدْناس، خصوصا على الخلفاء الأربعة الذين شيدوا أساس الدين على أقوى أساس.

كم لله من عتقاء كانوا في رق الذنوب والإسراف، فأصبحوا بعد ذل المعصية بعز الطاعة من الملوك والأشراف! أكرموا مولاهم أن يراهم حيث أراهم، فأفادهم ذلك التعظيم والاحترام جلالة وكرامة عند ذي الجلال.سلام على أهل دار السلام *** سلام مشوق براه السقام
يبيت يراعي نجوم الدجى *** كأن الرقاد عليه حرام
وكيف يلذ الكَرَى مغرم *** يذوب احتراقا بنار الغرام
هم قوم لم يزالوا معه بالعبادة والتوحيد، وكيف لا يرفع الله أقدارهم، وهم الذين لم تزل كلمة التوحيد بجهادهم مرتفعة؟ كيف لا يقيم الله الوجود في خدمتهم، وهم الذين لم يزالوا قائمين في خدمته؟ إن وجَّهَهم في أمر توجهوا إليه، وإلا لم يزالوا في حضرته.

يحنون إلى لقائه كما يحن المشتاق إلى قرب الديار، وينيبون إلى ذكره كما تنيب النسور إلى الأوكار، وأي محب يسمع باسم حبيبه ثم يقر له قرار، مشوق لا يقر له قرار، وكيف يقر وقد نأت عنه الديار؟ إذا ذكر اسم من يهواه يوما يكاد القلب منه يستطار ، وما في موت صب مستهام إذا ذكر اسم من يهواه عار. 1 ترنم باسم من أهوى لسمعي*** جهارا أعذب الذكر الجهار
وبَرِّدْ باســــمِه حرقي فإن *** اسمه برد وحر الشوق نار
السالكون على قدم أهل المحبة يختارون الموت على الهجران، والعاملون على طريق أهل الخشية يؤثرون عذاب النار على ركوب العصيان، وأهل المعرفة بالله بما هو أهله مشغولون به عن نصيبهم منه، لا يرون الاشتغال بشيء سواه، وهم في ذلك يعظمون الحرمات والشعائر، ويتقون كبائر الذنوب والصغائر، ويوفون الأدب في سياسة الظواهر وحراسة السرائر، وقلوبهم معلقة بمن لا تدركه الأبصار، ولا تكفيه البصائر.لو رق لي سكان حاجر *** لم تقرح الدمع المحاجر
لا غرو أن هجر الكرى *** صبا به المحبوب يفاخر
مالي كسرت وأنت يا *** مولاي للمكسور جابر؟
هب أن عبدك قد أتى *** كل الكبائر والصغائر
أنت الذي سميت نَفْـ *** ـــــسك في صريح الذكر غافر
يا مصرا على الذنوب! أما آن لك أن تتوب؟ يا غافلا عن ذكر مولاه، إلى متى أنت محجوب؟ كم قد أهللت من شهر حرام، وعملك إلى الحرام منصوب؟ ليس في صدرك من خشية ربك ما ينبغي أن يكون للرب في صدر المربوب.

روح القلب بذكر الحبيب، والسقم هو له طبيب. هو أنسي هو راحة قلبي، هو روحي هو مفرج الكروب.

الرضى عن الله لازم لكل مخلوق ولو حمله الله ما لا يطيق؛ لأنه سبحانه لا يقضي إلا بالحق، ومن لا يرضيه الحق فهو بالغضب والعقوبة محقوق.

سخط المقدور يزيد في المحذور، ومنازعة القضاء تزيد في الشقاء، والتواضع رفعة، واليأس راحة، والإساءة وحشة.

إذا استحوذت الغفلة فقد استحكمت الشقوة. كراهية العبد لقاء الرب دليل على ألا خبيئة 2 بينه وبينك.

أفضل العباد صحيح الإرادة، أعرف الخلق بالله أقربهم منه، وأطوعهم له أعرفهم به.

العبادة بغير المعرفة كسَيْرٍ على غير جادة. لو انتبهت من رقادك لوصلت إلى مرادك، ولو أيقنت بمعادك لاستكثرت من زادك.

هذه مواسم الأرباح قائمة، فهل من رابح فيها رضا مولاه؟ هذه نعم الله سابغة 3 فهل شاكر لله على ما أولاه؟ كم من مؤمل بلوغ ما بلغتموه من الصحة والفراغ والمهل. وضاقت بي الأرض من بعدكم *** تنكر لي سهلها والجبلْ
وما كنت أحسب أن البِعَا *** دَ سَلع قلبي فها قد قتلْ
وكنت أؤمل لقياكمُ *** فعز علي بلوغ الأملْ
فلا تسمعوا قول من قد وشا *** كُمُ لم أُطِعْ فيكمُ من عذَلْ
ورِقُّوا لمن قد براه السقام *** فلم يبق في عدكم محتملْ
4 تعالى الله وما أجل ذكره في أسماع المحبين من علو شأنه في قلوبهم! يزجرون نفوسهم عن دعوى حبه، وهم يعلمون أن حبه أقرب الوسائل المدنية من قربه، ولكن لمعرفتهم به علموا أن مُهور محبته غالية على قدرهم، فأمسكوا عن تعاطي المحبة وهم يعلمون أن رتبة المحب فوق كل رتبة.

حالتي تقتضي اعترافي لربي بذنوبي وافتقاري، أرتجي العفو والوفاة على الإسلام والعتق من عذاب النار، آيستني الذنوب من كل مجد وسناء ورفعة وفخار، ما لمثلي أن يدعي حب ربي، إنما الحب رتبة الأطهار.

كان ابن الجلاء رحمة الله عليه إذا سئل عن المحبة قال: مالي وللمحبة، أنا أريد أن أتعلم التوبة.

إذا ادعت نفسك محبة الله فطالبها بصفات محبته لتعلم أصادقة هي أم كاذبة فيما تدعيه.

لما أكرموا مولاهم أن يراهم حيث نهاهم صافاهم ووالاهم، ولموالاته ارتضاهم. وكيف لا يرتضيهم وقد أطاعوه؟ وكيف لا يطيعونه وقد عرفوه؟

سئل الشلبي رحمه الله عن أي شيء أعجب قال: قلب عرف ربه ثم عصاه.

إنما كانت معصية العارف من أعجب العجب العجيب؛ لأنه من الجناب العزيز قريب، وعليه من الله في كل حال رقيب، فهو لقربه من الله كأنه يراه، أما العين فمحجوبة، ولكن القلب يتملاه.

لما أخلوا له القلوب مما سواه أضاءت قلوبهم، وإن كانت لا تراه كأنها تراه، ولأجل ما هم فيه من مقام القرب واقفون، ومن عظمة ربهم خائفون. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “”يا بلال، الق الله فقيرا ولا تلقه غنيا”. قال: يا رسول الله، كيف لي بذلك؟ قال: “إذا رزقت فلا تخبئ، وإذا سئلت فلا تمنع”. قال: قلت: وكيف لي بذلك يا رسول الله؟ قال: “هو ذاك وإلا فالنار”” 5 .

أصحاب العناية مطالبون بما لا يطالب به المهملون، والمقربون يناقشون على ما تسامح به المتعبدون؛ لأنه سبحانه اصطنعهم لنفسه، وجعلهم جلساءه في حضرة قدسه، فكيف يسامحون في الإخلال بحَسَن الآداب وبحُسْن الأدب؟

لما استشفعت الخليقة بسادات المرسلين يوم القيامة، تأخر آدم عليه السلام بسبب الشجرة التي نهي عنها، وهي خطيئة قد غفرت له وقد تاب منها، وتأخر نوح عليه السلام بالدعوة على قومه، وما أراد بها إلا هلاك أعداء الله وتطهير الأرض والبلاد وإراحة العباد، وتأخر الخليل عليه السلام بالكذبات الثلاث، وكلها كانت في ذات الله وطلب مرضاته، وتأخر الكليم عليه السلام بالنفس التي قتلها، وإنما كان المقتول كافرا باغيا أراد كليم الله كفه ولم يتعمد قتله، وكان في ذلك الوقت من أهل النبوة والرسالة، وتأخر المسيح عليه السلام خجلا مما قالت النصارى فيه، وذلك ذنب ما جناه ولا ارتضاه. علموا أن مقام الشفاعة مقام لا يسامح، تقدموا إليه فناقش كل منهم نفسه بأدق ما يلزم ويجب عليه، كلما بلغوا من القرب والأنس مقاما ازدادوا لله إجلالا وإعظاما.كلما زادني اقترابا وودا *** زاد قلبي له احتراما مجدا
وإذا زاد بالتواصل يوما *** خفت أن يعقب التواصل ضدا
كم قريب قد أهمل الخوف فاعْـ *** ـتاض بإهماله من القرب بعدا
ومدل على الأحبة جازوه *** بإدلاله انتهارا وطردا
ويخافوه بعد أنس ولطف *** ثم مدوا له من الهجر مدا
أطول الناس حسرة وأوجعهم كسرة عبد قربه مولاه ولاطفه وصافاه، فغرَّه ذلك الأنس والاقتراب فأخَلَّ بما يلزمه من محاسن الآداب، فنفضته يد الإنكار نفضة إبعاد فأصبح مطرودا إلى يوم التناد.

من كتاب التذكرة في الوعظ لأبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله.


[1] – نأت: بعدت.

– يستطار: يصرع.

\

[2] الخَبِيئةُ: الشيءُ الـمَخْبُوءُ. عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: “اجعلوا لكم خبيئة من العمل الصالح كما أن لكم خبيئة من العمل السيئ”. وروى الذهبي رحمه الله عن الخريبي رحمه الله قال: “كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح، لا تعلم به زوجته ولا غيرها”. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل”. أخرجه الإمام أحمد رحمه الله.\
[3] سابغة: واسعة وكاملة. أَسْبَغَ الله عليه النِّعْمةَ: أَكْمَلَها وأَتَمَّها ووسَّعَها.\
[4] والسَّلْعُ: الشَّقُّ يكون في الجلد، والسَّلْعُ أيضا: شَقّ في الجبل كهيئة الصَّدْعِ. سَلَعَ رأْسَه يَسْلَعُه سَلْعاً فانْسَلَع: شقَّه. \
[5] أخرجه الحاكم رحمه الله بإسناد صحيح.\