أبرز الربيع العربي مواقف الهيئات الدعوية والسياسية والحقوقية والمدنية والمؤسسات الرسمية والعلماء من الثورات، كما أبرز مواقعها التي ارتضت لنفسها بناء على مواقفها، فمن رافض للثورات معارض مقاوم، ومن مؤيد داعم لها حقيقة أو مجاراة للأمر الواقع قصد حفظ ماء الوجه وبغية البقاء في الواجهة خوفا من الانتكاسة السياسية.

في المغرب، كانت جماعة العدل والإحسان من أوائل المناصرين للثورات العربية والمنخرطين في الحراك المغربي، ولم تتوان لحظة عن ذلك خطابا وممارسة. وقد جر عليها ذلك عواصف كلامية من المُغْرِضين والمُضَلَّلِين، كان آخرها مع الدعم والنصرة للشعب السوري الصامد أمام الآلة القمعية لبشار ونظامه. من هنا حق لنا التساؤل، هل دعم العدل والإحسان للشعوب المنتفضة ضد الاستبداد غنم سياسي أم وفاء للمبادئ؟ أو بعبارة أوضح هل تفعل ذلك انتهازا للفرص أم انتصارا لحق الشعوب العربية في الحرية والكرامة والعدل، وفي مقدمتها الشعب السوري المنتفض لأكثر من عام والشعب الفلسطيني المنتفض زمانا؟

العدل والإحسان والاستبداد:

لن يكون الجواب عن هذا التساؤل شافيا موفيا بالغرض ما لم تتضح نظرة العدل والإحسان للاستبداد. وإذا كان موضوع المقال لا يسمح بالتطويل في بيان هذه النظرة وبسطها فإنه تغني الإشارة إلى ملمحها الأساس؛ فكما لا يخفى على القاصي والداني، والقارئ لأدبيات الجماعة ومواقفها أو السامع عنها أن من نقاط قوتها موقفها من الحكم، المستند على الإخبار النبوي بتحول الخلافة إلى ملك عضوض وجبري تعقبهما خلافة على منهاج النبوة، دون إغماض العينين عن قراءة تاريخ الحكم سواء في ماضي الأمة أو حاضرها. وقد خلصت هذه القراءة الواعية، المهتدية بالوحي، الجامعة بين النظر في أمر الله الشرعي وأمره القدري، إلى تقرير حقيقة أساسية تتمثل في كون أصل الفساد الذي طال الأمة هو حكم العض والجبر حسب التعبير النبوي.

عجز الكثيرون عن الإفصاح عن هذه الحقيقة قديما وحديثا، ممتطين جواد التبرير ومتذرعين بسطوة الحاكم. وشاء الله أن تقف شعوب الأمة عليها عيانا مع ثورات الربيع العربي التي أطاحت بأنظمة مستبدة عبَّر حكامها عن إرادتهم في البقاء والخلود في الحكم، كما فعل القذافي الفاتك بشعبه وبنعلي المعلن عن الإصلاحات ومبارك المُمَوِّه بعدم النية في الترشح لولاية رئاسية قادمة، وقد ازداد الأمر وضوحا مع بشار الذي يُذَبِّح الشعب السوري الأبي ويأبي أن يفارق كرسيه رغم نداءات أحرار وحرائر سوريا المتكررة يلا ارحل يا بشار).

ذهب مؤسس العدل والإحسان الأستاذ عبد السلام ياسين منذ ثلاثة عقود إلى أنه لا يدخل في اهتمام الحاكم المستبد إلا استمرار وجوده) 1 ، وبعبارة أخرى قال: ولا ذل أشنع من احتلال اليهود مسجد الله المقدس يسوموننا فيه سوء العذاب. وحكام الجبر يعقدون الهدنة، يصنعون “السلام” الذليل، لا هم لهم إلا البقاء على الكراسي) 2 ، مؤكدا أن رواد الباطل وسدنته لن يتعففوا عن استعمال سلاحهم وبطشهم الشديد) 3 . ينم هذا الكلام عن درايته العميقة بالتركيبة النفسية والعقلية والسلوكية للمستبدين، فعلا “لن يتعففوا عن استعمال سلاحهم” وقد بان ذلك مع ثورات الربيع العربي ولم يعد خافيا، وإن قلب المرء ليتقطع ألما وحزنا لما يرى دموية النظام السوري، ولا يساوره شك في أنه ما كان ليرد على عدوان خارجي بهذه الشراسة التي يستهدف بها الشعب السوري المستضعف.

العدل والإحسان ودعم الشعوب المنتفضة على الاستبداد:

من كانت هذه نظرته للاستبداد لن يتردد في نقده وفضحه، ولن يتردد كذلك في نصرة الثورات القائمة ضده، لذلك لن يعدم المتابع للعدل والإحسان الوضوح والمسؤولية، على مستوى الخطاب والممارسة؛ إذ تعزز الممارسة الخطاب وتثبت صدقيته وتضفي عليه الشرعية وقبل ذلك وبعده تتقي العدل والإحسان أن يصدق عليها قول الله تعالى: كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون 4 ، وتعد هذه المزاوجة بين القول والفعل والخطاب والممارسة عامل قوة يحسب لها بدل أن يسيل مداد الخائضين بالقول بدون بينة فللكلمة والتعبير وأسلوب التخاطب انعكاس مباشر على العمل) 5 .

فعلى مستوى الخطاب، صدرت عن مؤسسات مختلفة بيانات عدة تتحد في التصور وتتفق في النظرة وتكاد تتطابق في الخطاب لولا اختلاف العبارات باختلاف المناسبات، ولئن كان البعض يعتبر ذلك مغمزا وخارما يقدح في حرية الاختلاف -حسب نظرته- ويتكئ عليها ليحكم بغياب الديمقراطية في مؤسساتها، فلا يجد غير اللمز والقدح، فإن المنصفين يعدون ذلك عين الحكمة انسجاما في المواقف، ووضوحا وتجنبا للغموض في الخطاب، واحترازا من الدخول في سلسلة التوضيحات والردود التي لا تنتهي: الرد ورد الرد…، أسوق لك أخي القارئ بعض الفقرات تجلي نظرة مؤسسات العدل والإحسان للاستبداد وموقفها من الثورات العربية، لتقف عليه بنفسك دون وسيط:

– بعنوان “قبل فوات الأوان” في افتتاحية “ولنا كلمة” للموقع الرئيسي للعدل والإحسان بتاريخ 4 فبراير 2011م جاء: بعد خيبات أمل متتالية، ولعشرات السنين من الوعود الكاذبة والماكرة هاهي اليوم الشعوب العربية تنتفض بشكل فاجأ الجميع وأربك حسابات الداخل والخارج، وبإصرار غير مسبوق على انتزاع الحقوق المسلوبة ومواجهة الاستبداد ودحره وتحقيق مجتمع الحريات العامة والديمقراطية والكرامة الإنسانية”، وقبلها بعنوان “أمة تنتفض” بتاريخ 27 يناير 2011م: “وهاهي شعوب أخرى في أقطار شتى تخرج إلى الشارع، وتغالب قبضة الدكتاتوريات الجاثمة).

– وفي بيان صادر عن “الهيئة الحقوقية” معنون ب “الهيئة الحقوقية تساند الشعبين التونسي والمصري” بتاريخ 3 فبراير 2011م جاء فيه: تابعت الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان باهتمام كبير جدا أحداث القومة الشعبية التي عرفتها بلاد تونس ومصر خلال شهر يناير وأوائل شهر فبراير 2011 ولازالت مستمرة إلى تاريخ صدور هذا البيان، حيث أسفرت عن إزاحة نظام زين العابدين بن علي في تونس، واستمرار مظاهرات الشعب المصري المطالب برحيل الرئيس حسني مبارك. وإن الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان إذ تعتبر حق الشعوب في تقرير مصيرها حقا مشروعا يتيح لها اختيار أجهزة الحكم والسلطة، ونوع النظام الذي ترتضيه وتختاره بكل حرية وشفافية، وإذ تعتبر النظامين الحاكمين في تونس ومصر نظامين غير شرعيين، ومرفوضين بكل المقاييس الديمقراطية والشرعية، فإنها تساند الشعبين التونسي والمصري في ثورتيهما الحضاريتين لإزاحة النظامين الفاسدين).

– وفي بيان “للهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة” دعت فيه إلى الاحتجاج تضامنا مع الشعب الليبي يوم الثلاثاء 22 فبراير 2011 على الساعة الخامسة مساء أمام القنصلية الليبية بحي الليمون بالرباط جاء: نتابع في الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة التابعة لجماعة العدل والإحسان بكل فخر وعزة قومة أبناء أمتنا العزيزة بعزة أبنائها في مجموع الأقطار العربية والإسلامية على حكام الجبر ورعاة الاستبداد والفساد، استمرارا على نهج إخوانهم في تونس الخضراء ومصر العزيزة ورغبة في تطهير كل البقاع العربية من دنس الفساد والمفسدين).

– وفي بيان شديد اللهجة من مجلس إرشاد العدل والإحسان: تضامن لا محدود مع الشعب الليبي الأبي، ورد فيه: تتابع شعوب العالم أجمع ما يعانيه ويقاسيه الشعب الليـبي الشهيد، رجالا ونساء وأطفالا من تقتيل وإرهاب وتجويع على يد شيطان من أخس شياطين الحكام على المسلمين، وما نقم منهم إلا أن قاموا لإسقاط ثالوثه البغيض، ثالوث الاستعباد والاستخفاف والاحتقار والإذلال: “الله ومعمر وليبيا وبس”، الذي فرضه في كل قرية ومدينة وعلى كل لسان ولافتة، شعار يلخص بعض سعار هذا المخبول الذي يقول للعالمين بلسان حاله، وتكاد تقفز من بين أنيابه ﴿ أنا ربكم الأعلى﴾ و﴿ ما علمت لكم من إله غيري﴾، حيث لم تسعه كل الشعارات التي فرضها على من استخفهم فأطاعوه: الفاتح العظيم، ملك الملوك، أمير المومنين، القائد الأممي، منقذ البشرية…).

– جاء في بيان تهنئة “جماعة العدل والإحسان تهنئ الشعب المصري والأمة الإسلامية” موقع من طرف الناطق الرسمي باسمها ذ. فتح الله أرسلان بتاريخ 11 فبراير 2011م: إننا في جماعة العدل والإحسان، إذ نترحم على أرواح الشهداء الذين سقطوا في ساحة الشرف، وندعو بالشفاء العاجل لكل الجرحى، فإننا نبارك للشعب المصري الأبي هذا الانتصار المدوي الذي أسقط رمز النظام الفاسد في مصر، وندعو إلى اليقظة التامة حتى تحقق الثورة المصرية المجيدة الأهداف التي خرجت من أجلها. كما نبشر عموم الأمة ببزوغ فجر الحرية ونهاية عصر الاستبداد والتسلط، لأن مصير الظلم مهما طال إلى زوال).

ولك أخي الكريم أن ترجع إلى الموقع الرئيسي للعدل والإحسان لتطالع كافة البيانات الداعمة للثورات العربية منذ انطلاقها إلى أيامنا هذه، ولتطالع كذلك الملفات والتقارير المصورة والكلمات الافتتاحية في ذكرى ثورة تونس ومصر وليبيا وسوريا، أحلتك عليها ولم أذكر ذلك مفصلا مخافة مزيد من التطويل.

هذا على مستوى الخطاب، أما على مستوى الممارسة فقد نظمت العدل والإحسان مئات الوقفات المسجدية استجابة لنداءات “الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة” تضامنا مع الشعوب المنتفضة خاصة التي تتعرض للتقتيل الوحشي كالشعبين الليبي والسوري. كما نظمت وقفة أمام القنصلية الليبية، وأكبر الدعم كان هو تنظيم مسيرات تضامنية عديدة مع الشعب السوري دعما لثورته أبرزها وأكبرها مسيرة طنجة والبيضاء وأكادير بعد قرار التوقيف من حركة 20 فبراير. وقبله كان شباب العدل والإحسان إلى جانب مكونات الحركة طيلة عشرة أشهر يرفعون شعارات تحيي الثورات العربية.

وقد حظيت قضية الأقصى والقدس وفلسطين بدعم خاص من العدل والإحسان في السنوات الفارطة عبر المشاركة في المسيرات التضامنية مع العراق وفلسطين، والمشاركة في أسطول الحرية، وهذه السنة عبر الانخراط في فعاليات المسيرة العالمية نحو القدس، فشاركت “الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة” في الوقفة المنددة بمشاركة اليهودي “دافيد سارنغا” في أشغال الدورة الثامنة للجمعية البرلمانية للاتحاد من أجل المتوسط المنعقدة بالبرلمان المغربي يوم السبت 24 مارس 2012م المنظمة أمام البرلمان، كما نظمت مسيرة مليونية بالرباط نصرة للقدس يوم 25 مارس 2012م والتي اضطرت “سارنغا” إلى الفرار، وأكثر من ستين محطة تضامنية ما بين مسيرة ووقفة بعدد من المدن المغربية يوم 30 مارس 2012 تزامنا مع المسيرة العالمية نحو القدس، وشاركت فيها بوفد مغربي مكون من ثلاثين شخصا يضم ممثلين عنها وعن جماعة العدل والإحسان والاتحاد الوطني لطلبة المغرب ومستقلين. هذا إلى جانب التغطية الإعلامية لمسار القضية متابعة وتوثيقا وتحليلا التي يقوم بها الموقع الرئيسي للعدل والإحسان.

دعم العدل والإحسان للثورات العربية: غنم سياسي أم وفاء للمبادئ:

دعم الشعوب المنتفضة ونصرتها بل دعم كل قضايا الأمة بما فيها القضية الفلسطينية أم القضايا وأقدسها واجبٌ مطلوب القيام به في كل وقت وحين بكل الوسائل المتاحة، ويصير هذا الواجب آكد إذا سفكت الدماء وخربت الديار وهدد الأمن. بهذا لا مستمسك للمؤولين لهبة العدل والإحسان لنصرة قضايا الأمة، قد نسلم لهم -جدلا ولا ينبغي- إن أتى الدعم والنصرة في غير سياقه الزماني والجغرافي، أما وثورات الربيع العربي امتدت جغرافيا وامتدت في الزمن لا يدرى متى ختامها، وموقف العدل والإحسان من الاستبداد واضح منذ نشأتها -وليس وليد انطلاق الثورات- بنت عليه خطها التغييري، فلا مجال لادعاء رغبتها في تحقيق غنم سياسي أو استفزاز لأي طرف.

قد يفرض التدافع السياسي حساب المكاسب السياسية، لكن هذا مرجوح في قضايا الأمة، ومنها الثورات العربية والقضية الفلسطينية، لرجحان الواجب الديني، ألم يستنهض الله المومنين لنصرة المستضعفين رجالا ونساء وولدانا؟ ألم يأمر الله بتحريض المومنين؟ ألم يعتبر الله كل موطئ يطؤه المومنون يغيظ الأعداء عملا صالحا؟ ألم يجمع الله بين تأييده لحبيبه صلى الله عليه وسلم بالنصر وتأييده له بالمومنين؟ ألم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بنصرة المظلوم وردع الظالم عن الاستمرار في ظلمه؟ ألم يشرع الدعاء على الظالمين؟ ألم ينه عن خذلان المسلم وهو ترك نصرته وإعانته وقت الحاجة؟ ألم ينه عن أن يُسلم المسلم أخاه؟ إذا كان هذا النهي في حق المسلم فردا فكيف به في حق المسلمين شعوبا في فلسطين وسوريا …؟ ألم يأمر الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ألم يحدد الرسول صلى الله عليه وسلم مراتب ذلك حسب درجة الوسع والقدرة، باللسان أو باليد أو بالقلب وذلك أضعف الإيمان؟ ألم يعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟ ألم يعتبر المومن للمومن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا؟ ألا نألم لما يألم إليه إخوتنا؟ ألا نتوجع كما يتوجعون؟

أمام ذلك فنحن بين خيارين: نستجيب لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في نصرة المظلومين ونحذر نهيهما في خذلانهم ونسعى لتحقيق معنى “الجسد الواحد” و”البنيان المرصوص” أو هو جفاف العاطفة الإيمانية وتبلد الحس والمعنى وفتور الرابطة الأخوية الجامعة بين أبناء شعوب الأمة. نسألك اللهم العفو والعافية.

إن الناظر الحصيف الذي لا يبغي بديلا عن الإنصاف، لمَّا يُمعن النظر درسا وتحليلا في خطاب العدل والإحسان وممارستها في شأن نصرة قضايا الأمة بما فيها دعم الثورات العربية، يخلص إلى أنها ما تفعل ذلك إلا استجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وانسجاما مع مواقفها، ووفاء لمبادئها في معارضة المستبدين ونصرة المستضعفين، وليس “بطرا ورئاء الناس” بالتعبير القرآني وليس “استعراضا للعضلات” بتعبير الصحافة، فلم تدَّعِ قطُّ الاستفراد بالنصرة ولا احتكارها، بل دعت في غير ما مرة وتدعو باستمرار في خطابها وممارستها إلى تكاثف الجهود والتعاون المشترك ضد الاستبداد في كل البلاد العربية وضد العدو الصهيوني انتصارا للقضية الفلسطينية أم القضايا ومركزها وقلبها.


[1] الإحسان، ج 2 ص 510.\
[2] رجال القومة والإصلاح ص 25-26.\
[3] المرجع نفسه، ص 36.\
[4] سورة الصف: الآية 3.\
[5] رجال القومة والإصلاح ص 8.\