يقتضى أمر الله الشرعي للأمة المحمدية أن تكون أمة واحدة، (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) -الأنبياء، 92- لكن أمره الكوني الابتلائي قضى أن تعيش الأمة ردحا من تاريخها حياة التشرذم والغثائية رغم الكثرة العددية والمقومات المادية الهائلة، تلك هي سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لها تحويلا ما لم يحدث التحول المطلوب في الإرادات والعزائم، حتى تنقلب عوامل الانحدار لتصبح رافعات للارتقاء، إلى موعود الله ورسوله بالنصر والظهور، وأول رافعة للارتقاء الانفكاك من ربقة التبعية لسياسات الحكام السائرة بالشعوب في ركاب الذيلية للجاهلية.

ولعل أكثر الفئات تضررا من حال النكسة هي تلك الحلقات الضعيفة متمثلة في المناطق التي جعلتها جغرافيا التفتيت المقيت في أقصى كل قفص من هذه الأقفاص وعلى خط التماس بين هذه الأقطار المسماة دولا إسلامية، المعطل فيها الإسلام والسائر بها حكامها في دروب المذلة والخنوع وخدمة الأساتذة والأسياد، وإذكاء الصراعات التي تطوح بالأمة المستضعفة وتبدد خيراتها في تأبيد نزعة التفرقة، ضمانا لهيمنة استعمارية أنهاها جهاد الأجداد على الأرض، لكنها لا تزال قابضة على دواليب السياسة والاقتصاد والإعلام بأيدي نخبة تعض على الأمة راعية لمصالح أولياء نعمتها على حساب كرامة شعوبها.

ولعل أبرز تجل لهذا العلاقة المسخ بين بلدين مسلمين جارين هو العلاقة المغربية الجزائرية، وما تعانيه القرى الواقعة على الشريط الفاصل بينهما، وخصوصا تلك المنتمية إلى إقليم فجيج، وقد سبق أن تطرقنا في مقال سابق إلى بعض ما تكتوي به هذه التجمعات السكنية، الواقعة بين نار التهميش من لدن ولاة أمرها، وبين نار الحسابات السياسية لحكام الضفة الأخرى التي يدفع ثمنها البسطاء من أمنهم وأرزاق أبنائهم وقد دفعوا قبلها ضريبة أرحامهم المقطوعة وأراضيهم الممنوعة.

“قصر إيش” إحدى هذه القرى، ينتمي إلى إقليم فجيج إلى أقصى الشرق، في منطقة تعرف بـ”القصور الفيجيجية الشرقية” تشترك في هذا المسمى مجموعة من القصور توجد كلها في “التراب الجزائري” باستثناء “إيش”، توحد بينها قواسم مشتركة هي الأصول الأمازيغية التي تدل عليها أسماؤها، وتراثها الثقافي والمعماري ونمط العيش واللهجة… وجزء كبير من سكانها ينحدرون من قصور فجيج حيث ينتهي نسبهم إلى أحد الوافدين على المنطقة من الشرفاء الأدارسة. عاشت هذه المنطقة أوج ازدهارها بالخصوص في حكم الدولة السعدية للمغرب، حيث تزامن ذلك مع نهضة علمية وثقافية ودينية كان مركزها مدينة فجيج، وحمل لواءها آنذاك أعلام التصوف والعلم كأمثال سيدي عبد الجبار الفجيجي وسيدي عبد القادر السماحي. لم يكن للحدود السياسية يومها معنى، وكانت كلمة الإسلام أقوى حضورا وضمانا لسيادة روح الأمة الواحدة، إلى أن ابتليت الأمة بالاستعمار الامبريالي الذي عرف كيف يرغب ويرهب، بل عرف كيف يستغل قبل ذلك ضعف السلطة السياسية، ليبدأ في قضم الأطراف التي بقيت تواجه الزحف الاستعماري بما أوتيت من قوة إيمان رجالها وتشبثهم بأراضيهم، غير أن هذه القوة لم تستطع أن تعوض ضعف السلطة السياسية، فآلت الأمور إلى مساومات مع المركز مكنت للمستعمر عسكريا وسياسيا، وفرض بها تقسيمات وحدودا على مقاس سياسته التوسعية، وفرق بها بين من اختاروا الخضوع لفرنسا من القبائل وبين من فضلوا الاستمرار في ظل سلطة المخزن، قبل أن تنبعث من جديد شعلة الجهاد في قلوب علماء الأمة ليقودوا انتفاضة الأمة نحو تحرير الأرض وإخلائها من رجس جنود الاستعمار. وقد سبق المغاربة الجزائريين إلى ذلك المسعى بسنوات، وكانت سنوات الفرق تلك (1956– 1962) هي مرحلة الأوج في الثورة الجزائرية، وقد تقاسمت المناطق الحدودية المغربية مع المجاهدين الجزائريين محن هذه السنين التي امتزجت فيها دماء الإخوة الجيران، والتحمت فيها الارادات لتطهير بلاد المسلمين من العدو المشترك على أمل أن ينطلق بعدها بناء الغد المشترك، تحت راية العقيدة التوحيدية التي كانت ملهمة المجاهدين في كل بلاد الإسلام.

في غياهب العزلة التي كان يرزح تحتها “قصر إيش” البعيد جغرافيا عن المراكز المغربية، الواقع بين كماشتي الاستعمار وفي مرمى قاذفاته عاش سكان القصر سنوات الثورة الجزائرية في امتحان عسير، كان النجاح فيه يعني خطا رفيعا بين عدم خذلان إخوة العقيدة والوقوف معهم بأي ثمن من جهة، وعدم استثارة المستعمر وإظهار الحياد انسجاما مع ظاهر ما كانت تتخذه السلطة المغربية من مواقف من النزاع حينها من جهة أخرى. وكان أن توج جهاد المجاهدين الجزائريين بإجلاء جنود الاستعمار عن البلاد، لتنطلق دولة الاستقلال وعلى رأسها من كانوا يشكلون رموز الثورة كما حدث في بلدان عربية أخرى، وهو الشيء الذي لم يحدث تماما في المغرب، غير أن القاسم المشترك للأنظمة الناشئة في كل هذه البلدان هو أنها أنبتت شجرة لا قرار لها على الأرضية التي هب منها علماء الأمة واستجاب لهم رجالها ونساؤها المؤمنون بالله المجاهدون في سبيل الله، وطفت من أول يوم إلى السطح ثمار التلمذة في مدرسة القومية اللاييكية الأوروبية التي نجحت في أن تزرع على رأس الأمة الإسلامية وكلاء لها زجوا بالأمة في أتون سبُل تفرقت بها عن سبيل الله والمجاهدين الأبرار، وتوزعت الأمة بين ولاء للغرب الجاهلي وآخر لشرقه، ولم تكد تمضي سنة على جلاء الفرنسيين عن الجزائر حتى نشبت حرب بين الجارتين، نال منها قصر إيش الحظ الأوفر، حيث تعدى الأمر مجرد الهجوم على مركز عسكري كما يروج رسميا، إلى احتلال دام ستة أشهر تقطعت خلالها أوصال الأسر وفُصِل الأبناء عن الآباء الذين أدركتهم الحرب وهم خارج القرية بحثا عن لقمة عيش. تبودلت في هذه الحرب التهم، وتعددت الوساطات لحل الأزمة دون أن تخرج عن منطق معالجة مشكل سياسي بين دولتين لا جامع بينهما سوى حدود هي سبب النزاع، وتلتها حملات انتقامية، راحت ضحيتها أرواح مسلمة من الطرفين، يتحمل وزرها جنرالات الثورة والحكم بالجزائر الذين سارعوا إلى خلق عدو وهمي، وساروا على نهج أنظمة قومية عروبية جبرية احترفت إشعال القلاقل وزرع بؤر التوتر للتغطية على جبريتها واضطهادها لشعوبها، وتأبيدا لعضها على الكراسي، وكان أكثر ضحايا هذا النهج الشيطاني الشعب الجزائري في عشرية دموية ذُبحت فيها الديمقراطية ومن مارسوها ومن فازوا في انتخاباتها وأبرياء لا صلة لهم بها.

شكلت مسألة الحدود السياسية بين البلدين أحد أعقد المشاكل الموروثة عن الاستعمار، والتي لم تزدها العلاقات المتوترة إلا تعقيدا، وراح ضحية هذه المعضلة الآلاف ممن اقتطعت أراضيهم وأغراسهم، وعلى رأسهم سكان قصر إيش وقصور فجيج، نتيجة لسياسة طبعها التفريط في التخوم من جانب المخزن، إن في فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر أو بعده، فكما استطاعت فرنسا فرض شكل الحدود مراهنة على إحداث ضغط ربما يدفع سكان القصور المحاصرين إلى إعلان الخضوع لها، بعد أن نجحت في دفع الرحل إلى التوغل غربا، في ظل ضعف مريع لسلطة المخزن المركزية، استطاعت الجزائر أيضا أن تحافظ على نفس الترسيم مستغلة الفراغ المهول في الوجود المغربي على هذه الأراضي. وكانت النتيجة وضعا إنسانيا دفع الكثيرين إلى الهجرة هروبا من الحصار، بينما اختار الباقون الذين تتقلص أعدادهم التأقلم مع الوضع.

الآن وقد عرفت سنة 2011 زلزالا شديدا أطاح بعروش عتاة الأنظمة الجبرية في المنطقة العربية، انتعشت الآمال في أن تنفرج الأزمة التي طالت أجيالا ظلت تحلم وتنتظر، وتعاظمت الطموحات في بناء كيان وحدوي، وبدأت ترتسم في الأفق ملامح النظام الذي لن تختار الأمة سواه ضامنا لقوتها ووحدتها وعزتها بين الأمم، لولا أن فجر الربيع العربي في المغرب والجزائر لم يتبين خيطه الأبيض من خيطه الأسود كما هو في طريق البزوغ في ليبيا وتونس، التي أعلن رئيسها الجديد خطته وتصوره للعلاقة بين البلدان المكونة للمغرب الكبير، خطة لخصها فيما أسماه بالحريات الخمس (التنقل والإقامة، والعمل، والاستثمار، والاستملاك، وحق المشاركة في الانتخابات). وكما أن أكبر المتضررين من واقع التشرذم هو هذه الجيوب الحدودية القاصية، فإن أول من سيجني ثمار الوحدة ويعوض عن سنوات الضياع، هو مناطق التماس. لقد اتضح بالملموس أن حسابات حكام الجبر كانت خاطئة، وأن المعادلة الصحيحة تضعها الشعوب، وإن ليل الجبر مهما طال، لا بد من فجر يطرد الظلمة ويبعث في الأنام روح الحياة على “قصر إيش” حيث أول نقطة تشرق عليها شمس النهار بالمغرب، وعلى أمثاله سيشرق الغد حاملا رحمة الإسلام لأمة الإسلام وللعالمين… حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه. صدق الصادق الأمين.