قدم الدكتور عمر احرشان، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان ومنسق مركز الدراسات والأبحاث، تقويما لعمل الحكومة الحالية بعد مرور 100 يوم على تنصيبها، في تصريح لفائدة أسبوعية الأيام عدد 517 الممتد من 30 مارس إلى 5 أبريل 2012، نعيد نشره:


ستختلف معايير التقييم من طرف إلى آخر لتجربة هذه الحكومة، ولكن المعيار الموضوعي هو تقييم حصيلتها مقارنة بوعودها وتعهداتها على المستوى القريب والتي تمثلت في الإجراءات ذات الطبيعة الاستعجالية و”التأويل الديمقراطي” لنص الدستور وتدبير الشأن العام بطريقة مختلفة ومحاربة الفساد، وبناء على ما سبق يمكن الجزم بأن الحصيلة سلبية ودون المستوى، حيث ما تزال الاستمرارية هي المنهجية الحاكمة لتدبير أمور البلاد ولا يشعر المواطن بأن تغييرا طرأ في البلاد إلا تغيير الوجوه، والمقاربة الأمنية في التعامل مع الاحتجاجات السلمية ما تزال هي السائدة، وكثرة التدخلات البوليسية والاعتقالات والمحاكمات خير مثال، وفي السياسة الخارجية هناك كثرة الحركة بدون مردودية، ولم نلحظ تغيرا في التعاطي مع العديد من القضايا مثل التطبيع مع الكيان الصهيوني، وما زالت العديد من الملفات تدبر خارج نطاق الحكومة والبرلمان مثل الأوراش الاقتصادية الكبرى والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وحتى بعض الإجراءات التي خرجت إلى العلن وأحدثت ضجة إعلامية، مثل لائحة المستفيدين من المأذونيات، تبين أنها من إنجاز الحكومة السابقة وأن هذه الحكومة لم تعممها على باقي مجالات الريع ولم تتخذ الخطوات اللازمة للحد من تداعياتها السلبية بسحب المأذونيات أو إصدار نص قانوني في هذا الباب، وفشلت الحكومة في معركة التأويل الديمقراطي لنص الدستور حين تخلت عن اختصاصاتها في القانون التنظيمي الخاص بتعيين مسؤولي المؤسسات العمومية، وكذلك حين نسمع عن غضبة ملكية يعفى بعدها مباشرة مسؤول أمني، وفشلت الحكومة في تدبير انفلاتات الإعلام العمومي والأجهزة الأمنية، ولم تقدم الإجراءات الاستعجالية التي وعدت بها قبل 100 يوم من تنصيبها، ولم تقدم حلولا استعجالية للاستجابة للمطالب الاجتماعية، سواء المعطلين أو غلاء المعيشة، والخطير أن هذه الحكومة تحاول التغطية عن كل ذلك بنوع من التواصل الإعلامي الدائم أو افتعال قضايا هامشية، ولكن سرعان ما سيكتشف الجميع أن هذه مسكنات فقط.

والحقيقة أن هذا الفشل كان منتظرا لأسباب عديدة، منها أن هذه الحكومة تشتغل في إطار دستوري لا يمنحها حرية المبادرة ولا يمتعها بكل صلاحيات السلطة التنفيذية التي يحظى الملك بجزء كبير منها مشاركة أو انفرادا، وفي إطار سياسي تعتبر فيه الحكومة الحلقة الأضعف، وخاصة بعد فتور حركة 20 فبراير التي كانت أهم عامل ساهم في توليها، وفي ظل أعراف سياسية مخزنية لم تستطع الحكومة التحرر منها مثل الخضوع لسلطة مستشاري الملك الذين يشكلون حكومة ظل حقيقية وفعالة، وبسبب عدم انسجام الأغلبية الحكومية التي تعتبر هجينة وتحمل بين أحشائها عوامل ضعفها، وخير مثال ما يتداول في الإعلام من تصريحات متضاربة بين وزراء الحكومة وصراع حول الاختصاصات بين الوزراء الذين يشتركون في نفس المجال، وبسبب حداثة تجربة العدالة والتنمية في مجال التدبير الحكومي، حيث لم يتمكن بعد من التأقلم مع الوضع الجديد، لأنه ما زال محكوما بهاجس الانتخابات الجماعية القادمة ويتخوف من أي مبادرة تفقده شعبيته وتجعله يتناقض مع خطابه أيام المعارضة، وخير مثال في هذا الصدد هو التأخر والتباطؤ في مشروع قانون المالية الذي اتضح في الأخير أنه لم يطرأ عليه إلا تعديلات طفيفة مقارنة مع النسخة التي أعدتها الحكومة السابقة. ولا ننسى بعض العوامل الموضوعية مثل الجفاف وتداعيات الأزمة الاقتصادية وارتفاع المواد الأولية.

لذلك يتوقع مزيد من الارتباك الحكومي وعدم الانسجام بين مكونات الحكومة وعدم القدرة على تلبية كل وعودها ولجوؤها بالمقابل إلى التبرير واختلاق أعداء وهميين لإلصاق عجزها بهم.