إن الحديث عن بيت المقدس -أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين-، يزدلد حلاوة بقدر محبة القارئ أو المتكلم عنه والمستمع له، كيف لا وقد جعل الله هذه البقعة المباركة لتكون مسرى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، فكان هذا الارتباط القرآني الوثيق بين هاتين المدينتين رباطا مقدسا واتصالا بين أقدس بقعتين على وجه البسيطة حيث قال سبحانه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ 1 .

دلالات هذا الارتباط أن جعله الله عز وجل قبلة وزيارة وإعمارا مثلما ارتبط بها الأنبياء من قبل كعيسى وموسى عليهما السلام … إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فعسى أولائك أن يكونو من المهتدين 2 . هذا الارتباط ببيت المقدس ظل موصولا حتى فتح المسلمون بلاد الشام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ 6 سنوات، في عهد سيدنا عمر بن الخطاب الذي تسلم مفاتيحه، وحكموها لقرون، ثم احتل الصليبيون القدس لمدة 91 عاماً فأغلقوا المساجد ومنعوا الصلاة فيها.. هكذا حتى سخر الله لهذه الأمة قائداً مسلما ًربانيا هو صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس في معركة حطين فعاد الأقصى إلى المسلمين من جديد.

وقد جعله الرسول صلى الله عليه ثالث المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى” 3 .

المسجد الأقصى المبارك هو اسم يطلق على كل شيء يحيط به، كقبة الصخرة المشرفة التي تقع وسط فناء المسجد الأقصى -طولها 18 متراً وعرضها 13 متراً-، والجامع القِبْلِي -المسقوف الذي تعلوه قبة رصاصية والواقع جنوبي المسجد الأقصى المبارك، جهة القبلة-… فضلا عن العديد من المباني الأخرى التي تقع ضمن حدود الأقصى، ما بين مساجد، ومبان، وقباب، وأسبلة مياه، ومصاطب، وأروقة، ومدارس، وأشجار، ومحاريب، ومنابر، ومآذن، وأبواب، وآبار، ومكتبات، والساحات.

إن الارتباط ببيت المقدس في زمننا هذا أصبح ضرورة ملحة أكثر مما سبق لما يتعرض له من حملات الهدم والتشويه والتهويد من طرف الكيان الصهيوني المحتل، فقضية القدس قضية محورية في فكر المسلمين، لا يجب أن نمني أنفسنا بالأحلام التي تنتظر انهيار الكيان الصهوني ومعه القوى الداعمة له، بل يجب العمل من أجل صناعة طليعة مجاهدة بروح رسالية تنتظر موعود الله من خلال ما تخطط له من وسائل النصر والتمكين.


[1] سورة التوبة.\
[2] سورة الاسراء.\
[3] متفق عليه.\