من قال إن الشعوب فقدت المبادرة ولا تملك إرادة التغيير، من قال إنها نامت ولن تستفيق، من قال إنها غير واعية بحقوقها وواقعها بله أن تمضي لصنع مستقبلها، من قال إن الاستبداد أمسك بتلابيبها وكبح حركتها ومسيرها، من قال إنها جاهلة بقضاياها وقضايا أمتها، من قال إن قضية فلسطين والقدس غير حية في قلوب أبنائها وبناتها، من قال إن الحدود تمنع شوق القلوب عن الهبوب وسير الأقدام عن الإقدام، من قال… ومن قال…، من قال ذلك فإن واقع الأمة اليوم يقول غير ذلك.

قد تنام شعوب الأمة مدة وتغفل عن قضاياها زمانا، قد تستكين وتوهن، قد تعجز عن الحركة فترة، لكن لن تموت ولن تفنى روح الحياة فيها ولن تفقد الثقة في ذاتها ولن تنسى الرجوع إلى أصلها ومقومات نهضتها وأسرار قومتها الكامنة في فطرتها الإسلامية الموصولة بالغرس النبوي والزرع المحمدي الذي استوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ الكفار، فأعطى درسا لمن تبعهم بإحسان في الجمع بين الرحمة والذلة تظلل العلاقة بين المومنين والشدة والعزة تكسر شوكة الأعداء.

حين تتحرك الشعوب لكنس الاستبداد

حركة مباركة تلك التي شهدتها بعض شعوب الأمة، متخذة من الشارع موطنا ومن الصوت سلاحا ومن السلم منهجا إلا إذا اضطرها المستبدون لحمل السلاح دفاعا عن النفس المقدسة. حركة فاجأت الجميع عربا وعجما واستأثرت بالاهتمام والمتابعة، هي هبة وغضبة شعبية عارمة رامت كنس الاستبداد ورموزه سخطا على جرائره ويأسا من ويلاته وأملا في تنسم عبير حرية حقيقية وكرامة إنسانية وعدالة سياسية واقتصادية، حركة أسقطت لحد الآن ثلاثة أنظمة تباعا وأخرى يتهددها السقوط، لتعلن للعالم خلاصة مفادها أن الشعوب إذا تحركت تطيح بالاستبداد وتتحرر من أسره وتنعتق من أغلاله وتنفض الأيدي من أزلامه. حركة بدأت ولم تنته بعد، لا يدرى متى ختامها وكيف خطوها في قابل الأيام؟

حين تتحرك الشعوب نحو القدس

كانت حركة الشعوب العربية لكنس الاستبداد، وما حققت من تحرير للإرادات وتقوية للعزائم وتنمية للوعي سببا في ميلاد حركة مباركة نحو القضية الأساس قضية القدس وفلسطين، حركة شعبية تضامنية نصرة للقدس ولفلسطين جسدتها المسيرة العالمية نحو القدس يوم 30 مارس 2012 تخليدا ليوم الأرض، كما جسدتها سائر الأشكال التضامنية المنظمة في عدد من دول العالم قبل هذا اليوم أو تزامنا معه أو بعده، تحت شعار “الشعوب تريد تحرير القدس.. الشعوب تريد تحرير فلسطين”، بعد النجاح الذي حققه أسطول الحرية.

لهذه الحركة التضامنية نصرة للأقصى وفلسطين رمزية عظيمة ودلالة كبيرة، إذ تعكس:

– وحدة القلوب نية وقصدا، ووحدة العواطف شوقا وتوقا إلى تحرير المسجد الأقصى وفلسطين.

– وحدة العقول إدراكا لمكانة القدس في الإسلام ولمنزلتها ضمن قضايا الأمة، وإدراكا كذلك لمخاطر التهويد الذي تتعرض له والمخططات الصهيونية التي تستهدفه وأهله، ولواجب النفير لنصرة الأقصى وفلسطين.

– وحدة الفعل بالتحرك في مسيرة عالمية نحو القدس على مقربة من الحدود مع فلسطين، وتنظيم مسيرات وأشكال أخرى متزامنة معها، حركة متساوقة شعورا وتفكيرا وسلوكا وأصواتا تؤسس لوحدة الشعوب المستقبلية التي قد تحمل حركة أكبر من هذه، لتحرر القدس وفلسطين بعد التحرر من الاستبداد، ودون ذلك إحياء لقضية القدس وفلسطين في قلب كل مسلم، وإنماء للوعي بأهميتها ومحوريتها ضمن قضايا الأمة، وإذكاء للتحرك نحو تحريرها بكل خطوة وكل شكل يفتل في حبل القضية ويكسر شوكة اليهود الصهاينة.