مقدمة

بعد سقوط الدولة العثمانية ودخول الاستعمار إلى بلاد المسلمين، وتجزئتها إلى دويلات قفصية، ظهر رجال استجابوا لنداء الحق سبحانه وتعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون 1 ، أدركوا أن طريق الفلاح هي طريق الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأيقنوا بضرورة أن تكون هناك أمة خاصة من الأمة العامة تكون هي الطليعة لأجل خدمة الإسلام ونصرة الإسلام. فظهرت تنظيمات إسلامية متعددة ومتنوعة، كل يعمل للإسلام حسب فهمه وطاقته وتصوره، متخذا الوسائل التي يراها مناسبة لخدمة المشروع الإسلامي.

لكن قد نكون غير دقيقين إن قلنا إن الإسلاميين يعملون لغاية مشتركة موحدة، وإن اختلفت وسائل العمل وطرقه، وإن اختلفت الأفكار والرؤى؛ لأن هناك علاقة ترابط قوية بين البدايات والنهايات، فالبدايات تتحكم في النهايات، فمتى كان الاختلاف في البدايات كان الاختلاف في النهايات، خصوصا إن كان هذا الاختلاف ليس على مستوى الوسائل فقط، بل على مستوى الفكر الذي هو مصدر كل ممارسة وموجهها.

ونحن على بعد عقود من تأسيس الحركة الإسلامية، وقد بلغ العمل الإسلامي مستويات عالية في شتى الأقطار، أصبح لزاما على الإسلاميين أن يحدثوا تقاربا فعليا على مستوى الفكر حتى تتوحد الرؤية المستقبلية، فيكون آنذاك الاختلاف في الوسائل إغناء لرصيد الحركة الإسلامية وخدمة للغاية المنشودة لا تضييعا للجهود وتشتيتا للصفوف.

ولتحقيق هذا لابد من منهاج ينير الطريق ويوضح المعالم ويصوب الوجهة، فتبقى السفينة على قصدها لا تجرفها أحداث الواقع وتموجاته.

إن الأستاذ عبد السلام ياسين، وهو يطرح بين يدي الأمة عموما والعاملين للإسلام خصوصا مشروعا حري بهم أن يتعمقوا فيه، أراد أن تتوحد الجهود بينهم لأجل تحقيق الاستخلاف في الأرض وتحقيق موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتتحمل الأمة مسؤوليتها التاريخية الرسالية فتبلغ رسالة رب العالمين للعالمين.

ونحن هنا إذ نريد أن نتعرف على المداخل التي تمكننا من فهم فكر الرجل، فلا بأس لو تعرضنا لبعض المداخل الأخرى من خارج مدرسة الأستاذ عبد السلام ياسين، التي ستمكننا من فهم طريقة تفكير كثير من الذين يعملون للإسلام، وستقدم لنا إجابات عن أسئلة تطرح كثيرا حول ممارستهم في الواقع.

يمكن حصر هذه المداخل في مدخلين:

المدخل الأول: التسليم بالمعطى الواقعي وجعله مقاسا للمشروع الإسلامي.

المدخل الثاني: رفض الواقع رفضا كليا أو جزئيا.

إن أصحاب المدخل الأول محكومون بنوعين من المنطق: منطق التبرير ومنطق التبعية.

إن خطورة هذا المدخل تكمن في تقزيم المشروع الإسلامي حتى يتماشى مع واقع مصنوع، صنعه حكام الداخل وأوصياء الخارج، فلا هروب من تبرير حكم جبري ذمه الشّرع ليصبح إمارة للمؤمنين، ولا هروب من الانسياق وراء الغرب الذي يتحكم في كل صغيرة وكبيرة، من أمور السياسة والقصور، إلى تنظيف الشوارع ومعالجة المياه العادمة.

أما المدخل الثاني فمحكوم بمنطق الاصطدام، اصطدام كلي أو اصطدام جزئي، فإما حمل السلاح واليد على الزناد، وإما تكفير الناس والركوع أمام أعتاب الحكام.

وكلا المدخلين هما سجينان في سجن التاريخ، فهذا يعتمد اجتهادات علماء اجتهدوا لعصرهم يأخذها جاهزة ليصدر الحكم الذي لا نقاش فيه. فالمرأة العجوز الأمية التي منعها الظلم في بلدها من أن تتعلم مبادئ دينها فتتمسح بالقبور هي في نظره مشركة تجب محاربتها قبل كل شيء، وذاك يأخذ الفتوى المطوية في الكتب دون معرفة ظرفها ولا سياقها فيقول لا يجوز الخروج على الحاكم، وإن كان ظالما، ومن مات خارجا عليه مات ميتة جاهلية.

لقد آن الأوان أن يصحح الإسلاميون الوجهة، وأن يرقوا بفكرهم عاليا ليتحركوا في الواقع بما يخدم مصلحة الغد، غد أجيال الإسلام التي وعدها الله تعالى بالنصر والتمكين ما إن التزمت بشروط هذا النصر، وإن لم يحصل هذا، فإن الحديث عن تحرير فلسطين وتوحيد الأمة من شرقها إلى غربها وتأسيس قواعد العدل والشورى وجعل الباب مترعا أمام الأفواج التي تدخل في دين الله تعالى ممن أهلكتهم الحضارة الغربية بقيمها الدنيئة ضربا من الخيال، أستغفر الله، بل هو موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى.

طالع أيضا  فقه الاقتحام في "المنهاج النبوي"

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: المنهاج النبوي ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها، ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها، ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد، ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء) 2 .

من خلال هذا الكلام نكتشف أن المنهاج النبوي ضروري لفهم التاريخ والواقع والمستقبل. ولما كان الأستاذ عبد السلام ياسين قد طرح بين أيدينا هذا الاجتهاد، فإننا سنعتمد على هذه المداخل، أقصد المدخل التاريخي والمدخل الواقعي والمدخل الاستراتيجي لفهم هذا المشروع المنهاجي. ولن يكتمل فهمنا لهذا المشروع إلا إذا اعتمدنا مدخلا رابعا وهو الأهم، ألا وهو المدخل الغيبي.

المدخل الغيبي

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: أدوات التحليل التي ابتليت باستعمالها هذه الطبقة من المثقفين المعاصرين تلامذة الجاهلية ليس فيها شيء يسمى الغيب، لأن دائرة الثقافة لا تعرف الله. فإذا أخذوا يحللون الأحداث التاريخية عرضوا الدوافع النفسية والسياسية والاقتصادية أيها كان العامل الحاسم في الواقعة… أما المؤمن بالله وقضائه وقدره فينظر في الأسباب الظاهرة، تكون نظرته عوراء إن لم يفعل، لكنه ينظر أيضا إلى قدرة الله تعالى وقضائه وتصرفه المطلق في ملكه) 3 .

لما طغت الحداثة الأوروبية وانبهر بها المسلمون أشد الانبهار، أصبح تفسير الظواهر أيا كانت يعتمد على المنطق والتجربة وغير ذلك من أدوات التحليل المادية، فأصبح الحديث عن الغيب حديث خرافة بلا أي نقاش.

لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتخذون كافة الأسباب العلمية والعملية في كل حركتهم، لا يمنعهم ذلك من الإيمان بالغيب تصديقا ويقينا في نصر الله تعالى، وبهذا استطاعوا أن يتغلبوا على قوى الاستكبار في عصرهم ويحرروا العباد منها رغم ما كان يبدو من فارق في أسباب القوة المادية.

إن هذا المدخل حاسم في فهم وتحليل بقية المداخل، فهو أداة إيمانية لا تستقيم الأداة العلمية إلا بها. وإذا امتلك الإنسان هاتين الأداتين فإن القلب والعقل يعملان في انسجام تام، فالأول يستمد طاقته من الوحي، والثاني خادم للأول يعمل بالأسباب لكنه يجليها من ظلام واقعها بنور الإيمان الذي يسطع من القلب.

وعندما تصبح هذه العلاقة الجميلة محققة بين القلب والعقل، فإن المؤمن لا ينفصم في وعيه مصير أمته عن مصيره الفردي، فتصبح آنذاك كل حركته خادمة للمشروع خادمة لمصيره بعد الموت.

إن طموح مؤمن من هذا النوع لن يتوقف عند حدود إقامة دولة إسلامية في قطر من هذه الأقطار القفصية التي صنعها الاستعمار وأقرها حكام الجبر فينا، بل سينطلق لصياغة وعي استراتيجي تكون الخلافة على منهاج النبوة غايته، تلك التي وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد بسند صحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”.

المدخل التاريخي

لقد تحرر الأستاذ عبد السلام ياسين من سجن التاريخ الذي لازال يقبع فيه كثير من فكر العاملين للإسلام، وذلك لأنه عمد إلى التاريخ ففحصه فحصا دقيقا معتمدا على المدخل الأول وعلى قراءة الأحداث التاريخية قراءة موضوعية لا قراءة مدافع عن تاريخ المسلمين أمام الآخر الذي يعيبه مدافعة الأعمى.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: بقلب مطمئن نقبل تاريخنا، لكن بعين فاحصة) 4 .

إن الحركة الإسلامية اليوم تكون على غير هدى إن هي أغفلت المعطى التاريخي ولم تقف عنده الوقفة المطلوبة. والوقفة المطلوبة ليس التعرف على الأحداث التاريخية بشكل أكاديمي، بل لابد من قراءة التاريخ تحت ضوء الوحي الكاشف الذي لم يترك شيئا إلا بينه ووضحه.

طالع أيضا  نعمة الفهم عن الله

روى الإمام أحمد بسنده الحسن عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة”.

وإذا جمعنا بين هذا الحديث وحديث الخلافة على منهاج النبوة، نجد أن انقضاض عروة الحكم إنما هي الانقلاب من خلافة على منهاج النبوة إلى ملك عاض. وهذا الحديث الذي رواه أبو داود والترميدي بسند حسن وصححه ابن حبان عن سعيد عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك)، يبين أن هذا الانقلاب حدث في وقت مبكر من تاريخ الإسلام.

روى أبو نعيم في “دلائل النبوة” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “{ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار. ألا إن كتاب الله والسلطان سيختلفان، فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم ما لا يرضون لكم، إن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم} قالوا: {وما نفعل يا رسول الله؟} قال: {كما فعل أصحاب موسى، حملوا على الخشب، ونشروا بالمناشير. فوالذي نفس محمد بيده، لموت في طاعة خير من حياة في معصية}”.

لقد اختلف القرآن والسلطان، فغاب العدل والشورى وحل محلهما الجور وحكم السيف. والنداء النبوي يبشر بخلافة على منهاج النبوة. فهل يسلم الإسلاميون بالأمر الواقع، واقع إعراض السلطان عن القرآن، أم يعملون لإخضاع السلطان للقرآن وإن حملوا على الخشب ونشروا بالمناشير، فموت في طاعة خير من حياة في معصية، وإن إعطاء الشرعية للحكم الجبري لهو أكبر معصية، أوليس تكذيبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن من بين المسائل التاريخية التي لم يتحرر منها فكر كثير من العاملين للإسلام، هي مسألة التقليد، أي تقليد اجتهادات رجال اجتهدوا لعصرهم. فيجلب المقلد الحكم الجاهز من أسفار التاريخ يستدل به في نوازل الحاضر، دون بذل الجهد ليجتهد لعصره كما اجتهد الرجال لعصرهم. وهذا ليس تقليلا من شأن هذا العلم الغزير الذي خلفه أجدادنا رحمة الله عليهم، بل دعوة إلى إحياء الاجتهاد الذي احتكرته الآلة الرسمية توظف علماء البلاط لصالحها.

إن ما خلفه أجدادنا رحمة الله عليهم من علم يستحق أن يقف علماء عصرنا معه الوقفة اللازمة؛ ويحدد الأستاذ عبد السلام ياسين آلية لفهم هذا العلم “الفقه الموروث” فيقول: كنوز مدفونة في الدفاتر، على أقفالها رموز يحلها فيستفيد منها من معه مفتاح الفقه الجامع، الفقه الذي ينظر إلى العلم المؤثل من حيث موقفه من الحكم والظرف التاريخي والصراعات المذهبية وموقف أهل العلم رضي الله عنهم المحافظ المشفق على بيضة الأمة أن ترام وعلى حماها أن يضام… هو الفقه الذي يعم نظرة واحدة الدعوة والدولة في علاقاتهما الأولى على عهد تأليف الجماعة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، ثم في تطور هذه العلاقات توسيعا على عهد الخلافة الرشيدة، ثم تطورها إلى الفساد والكساد على عهد الملك العاض فالجبري) 5 .

إن هذا الفقه الجامع هو أداة علمية لها قدرة كبيرة على تحليل المعطى التاريخي وعلاقته بالفقه الموروث، وكيف أثر ابتعاد العلماء عن أمور الحكم، الذي أصبح في أيدي الأغيلمة، على اجتهاداتهم التي انصبت كثيرا على الأمور التفصيلية في أحكام العبادات.

المدخل الاستراتيجي

إن لهذا المدخل أهمية كبيرة في فهم المشروع الذي طرحه الأستاذ عبد السلام ياسين. فبدون التعرف على هذا المدخل يجعل الكثير من الباحثين والمحللين لا يفهمون كثيرا من الخطوات التي تقدم عليها جماعة العدل والإحسان في الواقع باعتبارها مدرسة أسست على الفكر المنهاجي. وغياب هذا الوعي الاستراتيجي لدى الحركة الإسلامية له عواقب وخيمة على مستقبلها وإن بدا لها أنها تحقق شيئا لصالحها في الواقع. يقول الأستاذ مبارك الموساوي: فهيمنة العقلية البرنامجية على الحركة الإسلامية جملة هو صورة مقيتة لا تقل خطورة عن هيمنة الدولة على الدعوة عبر تاريخ المسلمين منذ ذهاب الخلافة… والمقصود بالعقلية البرنامجية هيمنة التدبير اليومي والمرحلي على الاستراتيجي والمصيري فيغطيه ويحجبه وقد يلغيه، وهذا من أكبر ما يهدد وجود الحركة الإسلامية باعتبارها مشروعا) 6 .

وتكمن أهمية هذا الوعي الاستراتيجي في كونه عاملا موجها للحركة، فلا تجرها الأحداث إلى معارك هامشية قد لا تكون نافعة للمشروع، وأيضا في كون هذا الوعي يعطي الحركة الإسلامية قدرة كبيرة على اختيار العناصر الجزية في الواقع لتجعلها تفتل في حبل المشروع الذي يبقى مشدودا إلى الغاية الكبرى المحددة سلفا.

طالع أيضا  فقه الاقتحام في "المنهاج النبوي"

ويكتسب هذا الوعي شرفه وقيمته من أنه مبني على وعي أسمى يجعل المؤمن لا يفصم بين مصيره الفردي بعد الموت وبين أفق أمته الاستراتيجي وهو الاستخلاف في الأرض.

المدخل الواقعي

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا: من يريد تغيير واقع الفتنة لابد أن يحسب حساب الواقع، ليربي الرجال والنساء، وينظم الصف القادر على إمساك الواقع المرذول، بقوة وحكمة) 7 .

لم يعلن الأستاذ تصالحا مع الواقع، لأنه واقع مرذول يجب تغييره، ولا أعلن قطيعة معه لأنه يعتبره مفتونا اختلط فيه الحق بالباطل، ولذلك يجب هدم ما فسد والإبقاء على ما صلح. يقول لا بد من هدم ما فسد هدما لا يظلم ولا يحيف، هدما بشريعة الله، لا عنفا أعمى) 8 .

إن ما ركز عليه الأستاذ عبد السلام ياسين هو مفهوم الاقتحام، اقتحام عقبات الواقع. وضع لذلك أسسا تربوية وفكرية وحركية يطول بنا المقام في الحديث عنها، نركز هنا فقط عن سرد بعض أقواله فلعل ذلك يغنينا عن أي تعليق، يقول:

لابد لنا من دعوة واضحة تنير الطريق أمام الأمة، ولابد من تربية وتنظيم متراص من المؤمنين يتوسطون الشعب، ويقيمون صلبه، يتغلغلون في بيئاته، شاهدين، حاضرين، ثابتين على خطى هادفة) 9 . تربيتنا وتنظيمنا ينبغي أن يعدا القوة الإسلامية الذاتية التي لا تعتمد على سند جاهلي، لتقاوم آثار الفساد في مجتمعاتنا وجند الإفساد الجاثم على صدورنا، حتى نستقيم على أقدامنا) 10 . في القومة الإسلامية ينبغي أن يعرف كل مجاهد من جند الله مهمته في الصف، يتصورها بوضوح كما يتصور المهمة الكلية للجند وخط سيره) 11 . التربية بداية السير، فمتى كانت متينة على هدى من الله كان الجهاد ممكنا، وان أخللنا في التربية فلا يصح أن ننتظر نصرا من الله) 12 .

إذن الأمر عند الأستاذ عبد السلام ياسين تربية وحضور مع الشعب ودعوة وجندية ووضوح… من أجل النفاذ في الواقع وتغيير آثار الفساد ومحاربة جند الإفساد. عقبة تقتحم نحو الأفق الاستراتيجي الأرضي والمصير الاخروي.

خاتمة

إن عدم الدخول من هذه المداخل الأربعة إلى فكر الأستاذ عبد السلام ياسين يجعل الباحث لا يفهم كثيرا مما يريده الرجل، مما يؤدي به إلى إصدار أحكام تفتقد إلى الموضوعية والعلمية، لأن بدون هذه المداخل يكون الفهم ناقصا لا يحيط بكل جوانب المشروع.

إن الذي يدخل من هذه المداخل إلى هذا المشروع، يمتلك أدوات فعالة تنتج وعيا شاملا بقضية الإنسان المسلم في هذه الدنيا، فهي لم تخلق له دار بقاء وإنما دار عبور وابتلاء يقتحم عقباتها طلبا لوجه الله تعالى أولا واهتماما بأمر المسلمين ثانيا، وأولا وثانيا إنما ترتيب على السطر، لكن في وعي المؤمن لا ينفصم الأمران بل الثاني خادم للأول. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: ويأتي وقت يفهم فيه المؤمن أن الدنيا ما خلقت لراحة المؤمنين، إنما جهاد شاق وعقبة تقتحم، والمجاهد من كان يومه أفضل من أمسه مثابرة ومصابرة) 13 .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] سورة آل عمران، الآية 104.\
[2] نظرات في الفقه والتاريخ ص:12.\
[3] نفس المصدر ص: 33.\
[4] نفس المصدر ص: 20.\
[5] نفس المصدر ص: 17.\
[6] مقالة: “الوعي المستقبلي وضرورته لدى الحركة الإسلامية المعاصرة”.\
[7] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا ص: 23.\
[8] نفس المصدر ص: 17.\
[9] نفس المصدر ص: 14.\
[10] نفس المصدر ص: 17.\
[11] نفس المصدر ص: 17.\
[12] نفس المصدر ص:22.\
[13] نفس المصدر ص: 23.\