اللقاء المقدَّر

أُحدِّثُ طالب الحق العزيز عن الركن “الذاتي” والشرط الأول للسلوك، ألا وهو صدقه هو وطلبه ونيته. من أراد من الله حرث الدنيا آتاه منها، ومن أراد من الله حرث الآخرة زاد له في حرثه. ومن لا يدعو الله يغضب عليه الله، ومن لا يسأل الله لا يعطيه الله. وإرادة وجه الله خالصا فوق ما يطلبه عادة المسلمون. إرادة وجه الله، والصدق في طلبه، والسير إليه مطلب تستوفيه من يد القدر على يد اللقاء المقدَّر، فِطَرُ من خصهم الله بسابقة ولايته. وقد تكون نقطةُ البداية وقرعة اليقظة كتاباً يسألك مصنفه: هبْ أن الله جلت عظمته توَّج جهود العاملين للإسلام، وأنت منهم، بالتمكين في الأرض للجماعة التي نصرتَها، فما حظك أنت من عطائه. وما مرتبتك بين أوليائه؟ أعطاك ما سألت حين سعيت بالجهد الدائب الصابر لإقامة دولة الإسلام في الأرض، فأين أنت في معارج الإيمان والإحسان؟ كيف نسيت مصيرك أثناء الاشتغال بمصير المسلمين؟ إنما الأعمال بالنيات يا صاح، وإنما لكل امرئ ما نوى. فهل كانت هجرتك إلى الله ورسوله حقا أم كانت هجرتك إلى دنيا عاجلة وقفت في محطة ما من محطاتها؟ حتى دولة الإسلام إن نصرتها في غفلة عن الله دنيا في حقك، نصرت المسلمين لم تنصر الله. وإن الله ليؤيد هذا الدّين بالرجل الفاجر كما روى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا. اللهم استخلصنا لنفسك. فاتك تصحيح النية والصدق في الطلب والصواب في التوجه. وتلك هي المنزلة العظمى. لا يغنيك تألّق مصير الجماعة، ولا تمكين دين الله في الأرض، ولا فلاح من أفلح، ولا اختلاف من اختلف إن لم تتحقق لك أنت مع الله جل شأنه رابطة العبودية والمحبة والقربة لتكون من الذين إن تقربوا إليه شبرا تقرب إليهم باعا، وإن تقربوا إليه بالفرض والنفل صادقين صابرين منتظرين داعين راجين خائفين قربهم وكان سمعهم وبصرهم ويدهم ورجلهم) 1 .

تصحيح النية

قال الإمام السهروردي رحمه الله بعد أن ذكر حديث إنما الأعمال بالنيات: النية أول العمل، وبِحَسَبِها يكون العمل (…)، فإن دخوله (المريد) في طريقهم هجرة حاله ووقته (…). وكل من كانت بدايته أحكم كانت نهايته أتم (…). ومن لم يهتد إلى النية بنفسه يصحبُ من يعلمه حسن النية) 2 .

لا إله إلا الله، أية حكمة تحت قوله: من يعلمه حسن النية)! هناك أجيال من المسلمين طرق سمعَهم الحِسيَّ الفكري قول الله تعالى لنبيه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ 3 . لكن فطرتهم لم تسمعها، لم يعلمهم أحد هذه النية، لم يسألوا أهل الذكر.

الصدق في الطلب

وقال شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: (منزلة الصدق) هي منزلة القوم الأعظم. والطريق الأقوم الذي مَن لم يَسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين. وبه تميَّزَ أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجِنان من أهل النيران. وهو سيف الله في أرضه الذي ما وُضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرَعه. من صال به لم تُرَدَّ صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كِلْمَته. فهو روح الأعمال، ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال. وهو أساس بناء الدين، وعمود فُسْطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين) 4 .

أخي! إن أردت أن يكون الله معك فالزم الصدق لأن الله مع الصادقين، كما جاء في القرآن الكريم. إن أردت أن ينصرك فانصره، إن أردت أن يذكرك فاذكره، إن أردت أن يستجيب لك فادعُه. هذه المعاملة معه سبحانه لا تثبت مع رياح الهوى العاصفة بالنفوس الخاوية، لذلك نصحك سبحانه حيث قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) (سورة التوبة، الآية: 119). ولكل صدق مكان معلوم ونتائج معلومة. فصدق اللهجة أهله ناجون من شعبة واحدة من النفاق، وصدق العهد والوفاء به كذلك، والصادقون في مواجهة العدو وجهاده شهداء. وهكذا حتى تجد الصادقين الكاملين في الصدق، أبرموا مع الله عز وجل ميثاقا غليظا ليكونُن له عبيدا. أولئك المفردون السابقون. انحيازك إليهم يرفعك إلى المنزلة العظمى) 5 .

الصواب في التوجه

ويحك! إن لم تصحح القصد وتصدُقْ في الطلب قيل لك يوم يكلَّل هامُ الأمة بتاج الخلافة في الأرض: قم، فقد استوفيت حقك، ونلت ما كتب لك، وأُعْطيتَ سُؤْلك، لم تطلب الله يوما. ومن فاته الله فاته كل شيء. ويحك! طلبت منه النصر والجنة، ما طلبت قربه والنظر إلى وجهه! وما طلبت مقعد الصدق عنده مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ضاع عمرك!) 6 .

ويحك! أنت ما فتحت الباب بينك وبينه تذكره وتناجيه، بل فتحت باب الخلق، وتِهت في دراسة “الكون الكبير”، وتعمقت في “فقه الواقع”، ونسيت الله. ونسيت سنة الله. لا جَرَمَ تحصل على ما هاجرت إليه. لا جرم تلتحق بالمناضلين من كل صنف وإن رفعت شعارات الإسلام. لم تلتحق بأحبائه. ما سمعت عنهم خبرا. ما عاهدته، ما وفيت، ما صدقت. كيف لك بالصدق إن لم تكن مع الصادقين؟)!

انظر رعاك الله فيم تدخل وكيف تخرج وأي لسان تطلب وأي قدم لك عند ربك وأي مقعد هو مقعدك. أمن المسلمين أنت أم من المؤمنين والمحسنين؟ أسألته يوما صادقا عارفا بما تطلب أن يلحقك بالصالحين؟ إلاّ تفعل فلست ممن يعنيهم كلامي، عمادك منقوض وكلامي عندك مرفوض) 7 .

إشارات

النية عمل قلبي، وحتى يكون للقلب عمل صالح لا بد له من إصلاح واستصلاح، وسيلته ذكر الله والصلاة على رسول الله، والتوبة والبكاء بين يدي الله حتى يثمر القلب الصالح نية صالحة صحيحة تسمو على طلب الدنيا وما فيها، وترتقي إلى طلب رب الدنيا والآخرة، طلب وجه الله ولذة النظر إليه.

النية الصالحة وحدها لا تكفي، بل لا بد أن يتبعها عمل صالح نبتغي به التقرب إلى الله حتى يرضى عنا، عمل نسعى من خلاله إلى نصرة دين الله وإقامة دولة الحق والعدل كما أمر الله ورسوله. عمل هو بمثابة برهان الصدق في الطلب.

الصدق أنواع ودرجات، والمطلوب تحقيق العبودية الكاملة لله حتى نكون من الصادقين الكاملين في الصدق، وذلك لن يتأتى لنا إلا بصحبة الصادقين الكاملين، والصدق في صحبتهم ومحبتهم، ذلك يرفعنا إلى المنزلة العظمى.

حتى تكون أعمالنا كلها لله جل وعلا، ولا نبتغي بها عرضا من الدنيا زائلا، علينا باتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كاملة غير منقوصة، فالصواب من الأعمال هو ما وافق السنة المطهرة.

خلاصة

إذن فهي نية صالحة صحيحة تبتغي رضى الله يتبعها عمل صالح بل يثبتها ويقويها، عمل يقتفي أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم في تزكية النفوس وتطهيرها والرقي بها إلى مقامات الإيمان والإحسان، وأيضا في نصرة دين الله وإقامة دولة الحق والعدل والحكم بما أنزل الله. وتلك هي المنزلة العظمى.


[1] الإحسان 1 ص 348.\
[2] العوارف والمعارف. ص 469 وما بعدها.\
[3] سورة الكهف، الآية: 28.\
[4] مدارج السالكين ص 268.\
[5] الإحسان 1 ص 349.\
[6] الإحسان 1. ص 351.\
[7] الإحسان 1. ص353.\