منطلقات دستورية

يقول الفصل “27”: للمواطنين والمواطنات حق الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.).

ويقول الفصل “165”: تتولى الهيئة للاتصال السمعي البصري السهر على احترام التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر، والحق في المعلومة في الميدان السمعي البصري، وذلك في إطار احترام القيم الحضارية الأساسية وقوانين المملكة.).

نخلص من الفصلين إلى:

ـ حق المواطنين والمواطنات في الحصول على المعلومات.

ـ هيئة الاتصال السمعي البصري مطالبة باحترام الحق في المعلومة باعتبارها هيئة مكلفة بمرفق عام ومؤسسة عمومية: الخبر مقدس.

خروقات دستورية

تم التسويق للحكومة الحالية بكونها ذات اختصاصات وسلط تنفيذية، وأن مهمتها الأساس تنزيل مضامين الدستور تجسيدا لـ”لإصلاح” الذي انخرط فيه المغرب، وأطره خطاب 9 مارس 2011. وفي الوقت الذي تعالت فيه أصوات تنبه إلى شكلية التعديل الدستوري، كان الراكبون قطار النظام يبشرون الشعب المغربي بعهد يرفل فيه بالحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية والتداول الحقيقي على السلطة.

وحسبنا في هذا المقال أن نقف عند حق بسيط، لا علاقة له بالأزمة الاقتصادية العالمية أو بالجفاف والصقيع اللذين “تحالفا” لعرقلة أداء الحكومة والتشويش عليها؛ إنه الحق في المعلومة، والمعلومة فقط. وفي هذا السياق نعدد بعض حالات خرق هذا الحق الدستوري:

ـ تحول راتب الناخب الوطني لكرة القدم إلى سر من أسرار الدولة، يهدد ـ ربما ـ كشفه أمن البلاد واستقرارها، وفي هذه الحالة، وكما ورد في الفصل “27” من الوثيقة الدستورية: لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية وأمن الدولة الداخلي والخارجي…).

ـ التعتيم الإعلامي على الحراك الشعبي عموما، والاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها تازة والحسيمة وضواحيها خصوصا، بحيث تدخل وكالة المغرب العربي للأنباء على الخط متأخرة لتخبر أن الهدوء عاد في هذه المنطقة أو تلك.

ـ الكيل بمكيالين في تغطية المسيرتين التضامنيتين مع القدس اللتين شهدتهما الرباط يوم الأحد 25 مارس والبيضاء يوم الأحد 1 أبريل.

وهْمُ الإصلاح

تركة ثقيلة تلك أنتجتها عقود الاستبداد، فساد في فساد في فساد، وحيثما وليت الوجه لا ترى غير الفساد، وإلا ـ بالله عليكم ـ دلوني على مجال لم يغزه بل لم يعشش فيه الفساد. والغريب العجيب أن من آلت له السلطة أو بعضها يدعي أن الشروط مواتية للإصلاح، وأن الإرادة السياسية متوفرة جسدها دستور أعطى صلاحيات واسعة للحكومة ورئيسها.

نقف وقفة مع قطاع الإعلام السمعي البصري الذي ـ ربما ـ لا يتطلب إمكانيات مالية وربما موارد بشرية إضافية لتصحيح مساره لينخرط في مشروع الإصلاح، ونسأل عن حاله كيف كان قبل فاتح يوليوز 2011؟ وكيف أصبح بعد انصرام 100 يوم على تولي الحكومة تدبير شأن البلاد العام؟

لا أعتقد أن تغييرا طرأ على قطاع السمعي البصري في التعامل مع الأحداث واحترام حق المواطن في معرفة الخبر أو المعلومة وفق قاعدة “الخبر مقدس والتعليق حر”.

تابع الجميع نهج التعتيم الذي يعض عليه الإعلام الرسمي في تعاطيه مع الحراك الشعبي منذ 20 فبراير 2011، وبنفس العقلية تعامل مع أحداث تازة والحسيمة وغيرهما: تعتيم وسكوت مطبق، وأمام انفضاح الأحداث بالوسائط الحديثة يتدخل برواية أمنية كالعادة مشككا فيما تداوله الإعلام الالكتروني أو بعض الجرائد المستقلة ومتوعدا بالويل والمتابعة القضائية من يبث الفتن ويختلق الأزمات في زعمه. وجاءت المسيرات التضامنية مع القدس لتؤكد أن قطاع السمعي البصري قلعة مخزنية يتعذر اختراقها، وأن ما نص عليه الدستور من حق المواطنين في التوصل إلى المعلومة ادعاء وزيف، كذبته مسيرة 25 مارس التي لم يشفع لها حسن التنظيم وكثافة الحضور أن تسوق سلوكا حضاريا في الاحتجاج السلمي، مقابل تغطية إعلامية أرضية وجوية لمسيرة فاتح أبريل، ولولا أن الاستجابة الشعبية ـ رغم ما وفر من دعاية وتسهيلات للتنقل بالحافلات أو القطار ـ لم ترق إلى المتوقع من طرف منظمي مسيرة فاتح أبريل التي أريد لها أن تكون شعبية، لأنجزت في التسويق لها ومدحها قصائد من عيار معلقات الشعر الجاهلي.

يروى عن الملك الراحل الحسن الثاني تعليقا على مشروع إصلاح قطاع السمعي البصري من طرف وزير الاتصال السابق العربي المساري، موجِّها الكلام للوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي، أنه قال: لا تنس أن التلفزيون هو جزء من دار المخزن). لذلك، وبمقتضى القانون التنظيمي الذي حدد المؤسسات والهيئات الاستراتيجية التابعة لسلطة الملك مباشرة اعتُبِـر القطاع ووكالة المغرب العربي للأنباء مؤسسة استراتيجية، بمعنى أدق: لا سلطة للحكومة على القطاع، ومهمة وزير الاتصال هي تدبير شؤون القطاع المالية والإدارية، تدقيقا في دفتر التحملات؛ بل إن صحيفة حزب رئيس الحكومة تستغرب قبل أسبوع في افتتاحيتها تمسك القناة الثانية وجمودها على نفس خطها قبل تعديل الدستور وقبل انتخابات 25 نونبر ورئاسة حزب المصباح للحكومة.

وانكشف الوهم

انكشف الوهم وظهر الزيف، وبدا أن الحديث عن الحقوق، ومنها الحق في الخبر والمعلومة كذب وبهتان، فما أبعد الشُّقة بين منطوق النص الدستوري ـ الفصلان: 27 و165 ـ وبين الواقع! إن الحق في الإعلام النزيه من أهم حقوق الانسان، احتراما لذكائه وتقديرا لمشاعره.

إن مركزية الحق في الإعلام ضمن منظومة الحقوق كانت أحد أسباب خسارة الوزير الأول البريطاني السابق طوني بلير في الانتخابات حين اتُّهِم بتغليط الرأي العام البريطاني في موضوع امتلاك عراق صدام أسلحة الدمار الشامل، وتوريط بريطانيا في حرب العراق التي كانت في غنى عنها؛ فكيف يفسر وزير الاتصال تجاهل حدث من عيار مسيرة 25 مارس بالرباط تناقلته وسائل الإعلام الأجنبي بما فيها إعلام العدو الصهيوني، وتسلط الأضواء الكاشفة الفاضحة لمسيرة فاتح أبريل بالبيضاء التي شاركت فيها الحكومة في شخص رئيسها ووزيري الاتصال والعدل؟ هل معنى ذلك أن القطاع ممخزن تبعية وتدبيرا، وبالتالي لا حق لمعارضي النظام في الإعلام؟ أم إن ممارسة الحقوق ترتبط بدرجة الولاء للمخزن؟

إن خطورة هذا القصور الحكومي في تدبير شأن عمومي كقطاع الإعلام يؤشر على محدودية الصلاحيات الحقيقية المخولة للحكومة، وهذا ما يفرض عليها ـ وقد شرعت في ذلكـ أن تتخصص في تبرير النكسات والإخفاقات؛ فمِن تنازل عن الإشراف على المؤسسات ذات التأثير الكبير في النسيج الاقتصادي ـ الفوسفاط مثلا ـ إلى الاكتفاء بقراءة بيانات الأجهزة الأمنية تفكيكا للخلايا النائمة والمُنومة وتبريرا لوقائع معينة ـ وفاة شاب تازة بعد مطاردته من طرف رجال الأمن نموذجا ـ مرورا بعدم معرفة ظروف تسلل مدير مخابرات القذافي إلى المغرب والجهل بالجهة التي سلمت تأشيرة الدخول لممثل الكيان الصهيوني ومشاركته في الملتقى المتوسطي…

لذلك، فالحكومة التي قطعت على نفسها العهد ألا تقبل تحمل المسؤولية بصلاحيات منقوصة مطالبة ـ بعد انقضاء 100على توليها شؤون العباد والبلاد ـ أن تعيد النظر في شكل تدبيرها للشأن العام للبلاد وتتجاوز مرحلة الشعارات المطمئنة وإظهار النوايا الحسنة ـ وهي ليست موضوع شك أو تساؤل ـ إلى المنجزات الميدانية تلمسا لتغيير فعلي يجد المواطن أثره وتأثيره في مختلف القطاعات الحيوية في الإدارة كما في الصحة، وفي التعليم كما في قطاع الإعلام، تأكيدا على جدية الإصلاح، وكسبا لثقة الشعب، واسترجاعا لهيبة الدولة ومصداقيتها.