إلى أخي وسيدي عاطف ويندي، كم أنت تكبر دائما في وجداني، وكم هي لحظات وجدة ومجالسها عزيزة.

يكبر في عين المرء هذا الكون، والمكون أعلى وأجل، وتتسافل به المعاني فيسقط في بئر الغفلة، والصحبة تنادي يا ليت قومي يعلمون، بالحب نسجت معاني هذا الكون الفسيح، وبه تناغمت إشاراته. يقف العقل أمام هذه المعاني كحمار نام في الوحل، ويستبد بالمرء الشوق والحنين إلى موطنه الأصلي فتقوى المغالبة، ويتمايز الناس، فمتسافل متساقط، ومقتحم مراغم: المومن فرس رهان، والفرس أفراس: فرس ضخم قوي يجر العربة، وفرس ضامر ذكي يقتحم العقبة، وإلى الذي يقتحم العقبة ينبغي أن ينصب الاهتمام.

الإنسان سلوك: تتحرك في هذا الواقع، إلى أين؟ إلى أين يركض بك الليل والنهار؟ إلى أين تبتلعك دوامة الأحداث وسرطان اليومي المقيت؟ هل خرجت من رق الأوقات وعبودية كثافة الجسم وثقله؟ يا أيها الإنسان، يا نفسي الحائرة البائرة، يتوالى عليك الليل والنهار وأنت في دار الغفلة راقدة، لهفي عليك كم ركض غيرك، وجدوا في السير وهزلت، آه ثم آه هل تكفي التباريح؟ هل يكفي البكاء؟ هل تكفي العبرات والزفرات؟ إلى متى تضيع الأوقات؟ إلى متى تشتغل بالترهات وتتعلق باللذات ولا تبالي بفوات اللحظات والأوقات؟ مشروع الله عز وجل ينادي فيك صباح مساء، وتكبر النفس ثلاثا معلنة ساعة الإفلاس.

دكاكين الغفلة مشرعة الأبواب في عالمنا الكريه، رائجة البضاعة، فمعتق نفسه أو موبقها، وتجار الكلام وسماسرته يملأون الفضاء ضجيجا: علاقات بين العباد غافلة عن رب العباد، يا حسرة على العباد!!!، وهوس الفضائيات ولغطها يسرق من الزمان والمكان مبناه ومعناه، لماذا يمضي المرء عمره في مضغ الكلام ومشروع الله عز وجل منفتح على السعادة الأبدية؟

غص في نفسك لحظة كم هو عالم النفس مضطرب موار، وكم هو عالم الصحبة هادئ: سلوك واتجاه.

طالع أيضا  الإخوانيات (1)مكاتبات الآخرة

هذه الحركة باتجاه الخالق سمو ورفعة، حياة ومعنى، وأنت يا مصطفى القديم تتلكأ، تملأ المكان ضجيجا، وأنت هوس في هوس، أما آن لك أن ترعوي، أن تلعن الآلهة المعششة في قلبك وأنت أمام جبل الصحبة العظيم!!!

عندما التقى مصطفى القديم عاطف وإدريس والمهدي وخالد… أدرك أن المشروع يكبر، وأن هذه الزهرات ستورق زنجبيلا، وأن النفس تتضاءل، بل رأيتها منسحبة ولها حصاص أو ضراط، معلنة يا ويحها، أستغفر الله بل متى كان شغل الأكابر أنفسهم، بَلْ شَغَلهم الله، واشْتَغلوا به عمن سواه.

عندما التقى مصطفى القديم هؤلاء الرهط الكرام، ضجت في وجدانه قصة حي بن يقظان، وتراءت له من بعيد عودة حي بن يقظان، وأدرك أن وراء هذه العودة صحبة عظيمة هاهي ذي مرابطة هناك، بل لمستها عمت الزمان والمكان.

لا إخالك إلا قرأت عودة حي بن يقظان في جزأين صغيرين للمهدي بن عبود رحمه الله، عد إلى السفر تجد معاني العدل والإحسان تملأ على الرجل الكيان والوجدان. رحمك الله يا بن عبود رحمة واسعة.

عندما التقى مصطفى القديم رهط المهدي الكرام، ضجت في وجدانه وانطلاقا من مطالعاته السلوكية القديمة قصة منطق الطير ورحلة الطيور المتعبة المضنية للظفر بالسينمرغ خلف جبل قاف، رحمك الله يا فريد الدين العطار فلا يزال كلامك يطن في وجداني، وإشاراتك تأسرني وركب الرابطة يضمني، أنت العاشق الولهان، وأقف بين يدي الصحبة أنا أبكم العالم وهي أفصحه، ورقة ذابلة: فراشة تحترق.

لكنني أضفت السلوك إلى الجهاد بعد أن اكتشفت المنهاج، وأدركت أن رهط المهدي الكرام نسل شجرة العدل والإحسان الوارفة الظلال، فبكيت، وآليت، وكانت التباريح وأويت إلى ركن الصحبة الشديد.

منطق الطير لفريد الدين العطار، رحلة السلوك إلى الله على ألسنة الطير: رحلة ممتعة متعبة.

طالع أيضا  الإخوانيات (3)في الحج... أشواق وأذواق

يا رهط المهدي، الطريق طويلة متعرجة: عقبة، فالزموا غرز الصحبة المبارك، وأحكموا الزمام.

كان اللقاء على بطحاء مكة، وبالصحبة امتد الانتساب. استبد بي الشوق وشدني الحنين وأنا أجالس رهط خالد والمهدي وعاطف… إلى اللقاء النوراني الأول، وامتدت لحظات الزمان والمكان الوجدي الدافئ لتعانق لحظة الميلاد السعيد، ومتى صبت الأنهار في غير بحر الصحبة الزاخر المعطاء شرب الناس كدرا وطينا، وعندما غادرت الديار انفتت كبدي بالحسرات تحن إلى ذاك الربع بالعبرات، ثم ما لبثت أن وجدت برد سلوتي هيمانا وحبا في متيمة جعلوا لها دعاء الرابطة شعارا، فعانقت الرهط من جديد، وتعهدت المعاهد والآثار والديار، باكيا مستغفرا، راجيا أن أحظى منهم بنظرة، بانتساب.