ضرورتها

ما أحوجنا إلى الإحسان في زمن البربرية الإنسانية، حيث يقسو الإنسان على الإنسان بغيا وعدوا؛ وفي زمن البربرية الآلية، حيث تسعى الآلة في البيئة فسادا وهلاكا؛ وفي زمن العدمية الوجودية، حيث فقدان معنى الحياة؛ وفي زمن التخلف الحضاري، حيث الوهن السياسي والاقتصادي والعلومي والتقاني.

ما أحوجنا إلى الإحسان الدال على معنى الوجود، الواصل الإنسان بخالق الوجود، والحامي حقوق الإنسان، والمحيي معاني الأخوة الإنسانية والتعارف الإنساني.

وما أحوج البلاد الإسلامية، على الخصوص، إلى الإحسان بمعنى إتقان العمل واكتساب العلوم والتقنية والتنظيم والإدارة.

نحن الفقراء إلى الإحسان بمعانيه الثلاثة؛ في العبادة الربانية، والخلق الحسن، والعمل الصالح.

فقراء إلى الإحسان؛ وبخاصة في معرفة معنى الحياة، وسر الوجود، وخالق الوجود.

فقراء إلى الله وإلى الأخوة الإنسانية، في زمـن العدمية والبربرية.

أهلها

كيف ترسيخ معاني الإحسان في نفوس الأمة وحياتها؟ هذه مهمة رجال الدعوة ونسائها، يتعاونون على البر والتقوى؛ لكن رجال الفكر والدعوة أحزاب، فكيف يكون التعاون؟ هل يترك كل حزب مذهبه، ونختار مذهبا واحدا؛ أم يكون اتباع مذهب الغالب؟

لعل الحكمة الإنسانية والسنة الكونية والتجربة التاريخية، تنصحنا بقبول التعددية والاختلاف. إن الإقصاء والتغلب بالمذهب الواحد لا يلد إلا الحروب الأهلية؛ وأن يتخلى كل عن مذهبه فهذا لن يكون؛ فليس لنا إلا وحدة لا تنفي الاختلاف والتعددية، فجمْع في فرْق وفرق في جمع؛ يقر هذه الوحدة ميثاق بين أهل الفكر والدعوة، أساسه الأمر بمعروف الشورى والعدل والإحسان، والنهي عن منكر الاستبداد والبغي والفحشاء.

المطلوب وحدة أمة إسلامية؛ ولا يكون هذا، إلا بوحدة الدولة والدعوة؛ ولا وحدة، والواقع تعددية، إلا بإقرار ميثاق هو الكلمة السواء بين أطراف التعددية.

المطلوب ميثاق يجمع رجال الدولة ورجال الدعوة؛ والمطلوب ميثاق يجمع رجال الدولة؛ والمطلوب ميثاق يجمع رجال الدعوة.

وهكذا، كلما كانت تعددية في مجال من مجالات الحياة العامة، يطلب ميثاق هو بمثابة الدستور في ذاك المجال؛ ويجمع هذه المواثيق الميثاق العام بين رجال الدعوة ورجال الدولة، وهو ميثاق قاعدته الإسلام والعمل بشريعة الإسلام في الشورى والعدل والإحسان وصلة الأرحام وحمل رسالة الرحمة للعالمين.

رجال الدعوة، وإن اختلفت مذاهبهم في الفقه والحركة والفكر، يسعون إلى الأمر الجامع الذي لا يخالف عنه إلا من يكفر غيره أو يضلله في المسائل المختلف فيها.

إن الإقرار لكل فرقة بعرفها الخاص، والاجتماع على قاعدة المعروف العام، لهو طريق الحكمة في العمل المشترك، الذي لا محالة تخصب أرضه، إن نزرع بذور العدل والإحسان في نفوس الأمة وحياتها. ألا إن الخير جامع من حيث الشر مفرق.

الولاية الخاصة داخل كل فرقة، تكون في خدمة الولاية العامة بين كل الفرق؛ والولاية العامة لا تنـزو على الولاية الخاصة، وإن كان في بعض عرفها فساد، فلا تنبذه إلا عن رضا، بما يبينه الحوار، ويهذبه التلاقي، ويعالجه التفاوض في الحديث، ويدعو إليه التعاون على البر والتقوى.

وليكن المسجد مشرق أنوار الولاية العامة؛ حيث توقظ الأمة بما يجمعها، وما يشعرها بالعزة والخيرية، لتهب وتقوم للرسالة تبلغها للراجين رحمة الله وكرامة الإنسان.

وليكن لكل فرقة مستقراتها؛ حيث تعيش عرفها الخاص غير المضار للمعروف العام. كل ذلك في كنف الشريعة السمحة، شريعة الرحمة والحكمة والقيام لله والشهادة بالقسط.

ولاية خاصة ضمن ولاية عامة، وولاية عامة ضمن ولاية خاصة، يغذو بعضها بعضا، ويقوم بعضها لبعض؛ حتى يعم الخير فيهما جميعا، ويكونا قوة في حياة الأمة ورصا لصفها، كالبنيان المرصوص وإن اختلفت لبناته يشد بعضه بعضا.

رسالتها

رسالتها تجديد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقـدر خيره وشره، وتجديد الفقه في قضايا الشرع والفكر والسياسة والأخلاق، وتجديد الدين كله عدلا وإحسانا ووحدة أمة وسيادة خلافة وحمل رسالة الرحمة للعالمين.

رسالتها بناء الإنسان المؤمن الموقن بربه يحبه ويحبه، والرؤوف الرحيم بالخلق، والقوي الأمين في العمل، والحفيظ العليم في المال.

رسالتها ترسيخ معاني الوحدة والأخوة في النفوس والعقول والوجود.

صفتها

وصفاتها القوة والقدوة والدعوة والتأليف، يجمعها قوله تعالى واصفا نبيه قدوة الدعاة إلى الله:

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا 45 وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا 46 سورة الأحزاب.

قوة هي قوة البعث الإلهي والتأييد الرباني، وقوة وحدة الصف، وقوة السيادة الشورية، وقوة الدولة العادلة، وقوة العلم والعلوم والتقانة.

وقدوة شاهدة في العمل الصالح، والاستقامة على الحق، والإنابة إلى الله، والنصيحة للناس؛ حتى تحوز الذكر الحسن عند الله وعند الناس.

ودعوة إلى الله ربانية شاملة أصيلة واضحة.

ربانيةٌ ربانيةَ الدعاة يعبدون الله لايشركون به شيئا وربانية الدعوة تدعو إلى عبادة الله رب العالمين.

وشاملة لأمر الدين جميعا، تنظر في الأمر الشرعي وتعتبر بالقدر الكوني، وتنتظر الموعود النبوي بخلافة الأمة.

وأصيلة كالشجرة الطيبة، موصولة بالله ومدده؛ أصلها ثابت في الشرع الإلهي والفطرة الإنسانية؛ وفرعها في سماء الغيب توتي أُكلها في أرض الشهادة، آياتٍ وشواهد تبين أنها الحق.

وواضحة ليلها كنهارها، تنظر في أمر الإنسان والأمة من حيث تصوره وصفا ونقدا وتفسيرا؛ ومن حيث تقلبه في التاريخ، قياما وانتقاضا، وعمرانا وخرابا؛ ومن حيث سياقه الحاضر، دوافع وموانع؛ ومن حيث بناؤه في المستقبل، رحمة وسلاما؛ تفسر الأمر بالرجوع إلى سنة الله في خلقه وشرعه قدرا وأمرا، وفي عالم الإنسان تعارفا وتناكرا وتدافعا، وفي عالم الأكوان أسبابا وأطوارا.

ثم يجيء التأليف كالسراج المنير، يتألف القلوب بالبذل والعطاء والخلق العظيم، والإشراك في الأمر، والوفاء بميثاق التعاون على البر والتقوى. يتألف كما تألف النبي موسى عليه السلام؛ إذ كان فتى ذا نجدة وعون وقوة وأمانة، فجعل الله له أخاه هارون وزيرا، والعبد الصالح معلما، والمؤمن من آل فرعون نصيرا، والرجل من أقصى المدينة ناصحا، والسحرة دعاة، ونبي مدين مجيرا.

هذا ذكر، وإن للدعوة لحسن مآب حين تتبع أحسن الحديث في قوله تعالى:“ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ سورة النحل الآية 125.

ألم تر كيف فُعل بالذين كذبوا بهذا الحديث، فاتخذوا العنف سبيلا، وحسبوا أنهم على شيء، حتى أتى الله بنيانهم من القواعد، فخر عليهم السقف من فوقهم وصاروا قوما بورا. سقط المعسكر الشرقي وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي.

كيف كانت هذه العاقبة؟

لقد جاء ما ظنوه يؤلف بين قلوب الناس مفرقا. ظنوا الطبيعة المشتركة جامعة، وأن الملكية الخاصة هي مناط الصراع فعذاب الإنسانية. ظنوا الدنيا، مملوكة ملكية جماعية، كفيلة أن تجمعنا فنحن في جنتها فاكهين خالدين.

كذلك ظنت الرأسمالية أن الملكية الخاصة لشيء من الدنيا سبب السعادة؛ وهذه تزيد كلما كثر المال؛

تشابهت قلوب يسكنها الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت؛ وذكّرها التاريخ أن الدنيا لا تجمع، وأنها مكارم الأخلاق الجامعة، وأن المال إن صار غاية ذهب بالأخلاق.

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

لقد جاءت رسل ربنا بالحق، وأرشدتنا إلى مكارم الأخلاق التي عمودها الإيمان بالله واليوم الآخر.

وعدت الماركسية الناس جنة شيوعية في الأرض، وكفرت بجنة السماء؛ فتلك أرضها اشتعلت نارا وبوارا.

ما الدنيا جامعة ولا باقية.

قال تعالى: لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ الأنفال الآية 63.

الجامع الله، وما أمر الله به؛ وإنما أمر الله بمكارم الأخلاق في العدل والإحسان وصلة الأرحام.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” 1 .

الدنيا جامعة إن كان مع الدنيا دين وخلق ومروءة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “نعم المال الصالح للمرء الصالح” 2 .

إن درس السوفييت يعلمنا أن سياسة عصا العنف وجزر الجنة الشيوعية لا تجدي نفعا. وإنما السياسة ما كان على هدي قوله علت كلمته:

ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. سورة النحل الآية 125.

الدعوة إلى غير سبيل الله، أو إكراه الناس حتى يكونوا مؤمنين، ليس سبيلا رشـدا؛ إن الغاية لا تبرر الوسيلة، وإن العنف ما دخل شيئا إلا شانه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الرفق يمن والخرق شؤم وإذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب الرفق وإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه وإن الخرق لم يكن في شيء قط إلا شانه” 3 .

إن حفظ كرامة الإنسان ورعاية حقوقه أسبق في الاعتبار من تحقيق أهداف الثورة؛ لأن دعوة لا تكون في خدمة الإنسان، ولا تجتهد أن تتخلص إلى حبات قلبه وعقله تتحبب إليه وتحبب الخير إليه؛ دعوة لا تتبع سبيل الرفق والخلق الحسن، ليست على شيء .

هذا، وإن الناس ليسوا سواء؛ وإن الوحدة المصمتة والمجتمع الواحد غير المختلف، لأوهن من بيت العنكبوت، مادامت حقوق الإنسان فيه مداسة، والكراهية فيه ضالعة.

إن التعددية غَناء إن أصحبها التوفيق الإلهي، والاحترام المتبادل، والنصيحة والشورى، والتعاون على البر والتقوى.

هذا الدرس ينفعنا؛ لأنه يقِفُنا على ما نحن فيه من استبداد محلي، وحروب أهلية، وعداوة للآخر، يغطيها إسلام فاتر؛ فنحن في ذلة الهوان، ومسكنة الغثاء، وبأساء البلاء، وضراء تداعي الأمم.

فلا سبيل إلا حكمة الشورى والتعارف، وقبول التعدد، وجدل الانفتاح، وموعظة: “كل مجتهد مصيب”، و”لا إكراه في الدين”، وأن “الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها”، و”اطلبوا العلم ولو في الصين”.

اللهم علمنا آمين.


[1] الراوي: – المحدث: الزرقاني – المصدر: مختصر المقاصد – الصفحة أو الرقم:184 – خلاصة حكم المحدث:صحيح.\
[2] الأدب المفرد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.\
[3] البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة رضي الله عنها.\