مرة بعد أخرى يتأكد أن السلطة السياسية في هذا البلد لا تريد أن ترجع عن غيها وضلالها وعن الإصرار على المضي في طريق الفساد والاستبداد إلى نهايته، ذلك ما تنبئ عنه الأحداث المتوالية التي شهدتها مدن المغرب المختلفة بدءا من طنجة مرورا بتازة وسلا ومراكش وإميضر وصولا إلى بني بوعياش وإمزورن…

نفس المنطق الأمني، الضارب بجذوره في أعماق التقاليد المخزنية العريقة، هو الذي تم اللجوء إليه لمعالجة هذه الاحتجاجات رغم أن الزمن غير الزمن والناس غير الناس. ولم نكن في حاجة إلى لإعلام الرسمي لكي يخبرنا بما يجري، فقد تكفلت المواقع الاجتماعية بالأمر، خاصة موقع الفايسبوك، المطلوب رقم واحد لدى الطغاة، لما يشكله من خطر على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، حيث أتيح لنا متابعة الأحداث لحظة بلحظة، لحظات القمع والتنكيل والإهانة والاستفزاز وكل السلوكات المنحطة التي يفترض فيمن يمثلون جهاز الدولة أن ينأوا بأنفسهم عنها. ورغم كل الشعارات التي رفعت والخطب التي دبجت حول الاصلاح السياسي، حيث “الدستور الجديد” والانتخابات المبكرة، فإن الواقع يكشف كل يوم عن بؤس حال البلاد والعباد، وبالتالي يكشف عن غياب إرادة سياسية حقيقية للخروج بالبلد من هذا النفق المظلم، فلا يبقى إلا أن نجزم أن الإصلاحات المزعومة لا تعدو أن تكون مناورة مكشوفة تبغي ربح الوقت وإيهام الواهمين بأن شيئا ذا بال يحدث في المغرب.

ليس صدفة أن المدن المنتفضة في أغلبها تنتمي إلى المغرب العميق أو المغرب غير النافع بلغة المستعمر الاجنبي، حيث التهميش والإقصاء، أو ما يطلق عليه بالتعبير الدارج الجامع ب”الحكرة”؛ إنه المجال الذي شهد مقاومة باسلة ضد الاستعمار، حيث دفع الكثير من أجل الاستقلال والتحرر، لكن الذين فاوضوا باسمه لم يكونوا في مستوى المسؤولية واللحظة التاريخية، فكانت النتيجة مغربا لا يسع كل أبنائه بثقافتهم وهويتهم وحقوقهم وأحلامهم بقدر ما كان مغربا على هوى ومنطق المستعمر، والمفاوضين الضعفاء والانتهازيين، لذلك بقيت سياسته راسخة وثابتة في فلسفة إدارة شؤون البلاد والعباد- إلا أن الفرق بينهما هو أن المستعمر كان يفعل ذلك بغرض تسهيل عملية نهب الثروات بينما يفعل ذلك بنو جلدتنا من أجل تسويق مغرب الواجهة حيث “الأوراش الكبرى” و”البنيات التحية المتقدمة” وبالتالي النظام – الحليف – المستقر المتطور؟- ويمكن اعتبار نعت الخطابي للاستقلال ب “الاحتقلال” بالتوصيف الأمثل المعبر عن مغرب ما بعد “إيكس ليبان”.

إن هذه الاحتجاجات تبدو ككرة الثلج وهي تتدحرج خلال المدن والبلدات المهمشة، ولا يحتمل أن تتوقف وتنتهي، ما دامت السلطات لم تُعِدَّ لها حتى الآن غير القمع والحصار جنبا إلى جنب مع التعتيم والتشويه الإعلامي، بل قد تأخذ أبعادا أكثر خطورة ، فليس كل مرة تسلم الجرة.

لست أريد هنا محاسبة الحكومة على ما يجري، وهي العاجزة عن كشف راتب مدرب كرة قدم فاشل، لكن لا بأس من مناقشتها في بعض مزاعمها التي تدفع بها لتبرير ما يحدث، من ذلك: استرجاع هيبة الدولة، فهل يتم لها ذلك باستعمال العنف والاعتقال وإشاعة الخوف والهلع وسط الاحياء السكنية؟ إن الذين يهددون هيبة الدولة هم الذين يحكمون بالعسف والإكراه، وينهبون ثروات البلاد ما ظهر منها وما بطن، ويستخفون بعقول الناس وهويتهم، ولا يخجلون بعد ذلك أن يرقصوا على جراحهم الغائرة. والذي يهدد هيبة الدولة هو التفاوت الطبقي المرعب بين أغنياء يلعبون بالملايير، وفقراء لا يكادون يحصلون على قوت يومهم الممزوج بكثير من الذل والمهانة. من ذلك أيضا زعمها أن العنف لا يطال إلا الاحتجاجات غير السلمية، فلم تقمع احتجاجات المعطلين وهي سلمية؟ لم قمعت الوقفة التضامنية مع بني عياش بالرباط وكانت سلمية؟

ثم كيف يؤاخذ الكل بجريرة البعض؟ فلا يمكن بأي حال تبرير حصار واقتحام أحياء بكاملها بناء على سلوك معزول لا تعرف خلفياته ولا من وراءه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى الضرورات تقدر بقدرها كما يقول الفقهاء، فالإفراط الكبير في استعمال القوة والاعتداء على الممتلكات العامة إتلافا وإحراقا ونهبا دليل على أن الأمور تدبر بليل.

من الواضح أن المخزن يريد أن يقول بطريقة أو بأخرى: إن ذلك الذي تسمونه الربيع العربي قد انتهى ولم يعد من اللائق أن يسمع صوت في الساحة غير صوته هو الذي يعلو ولا يعلى عليه…