مسيرة مليونية

مسيرة وطنية كبرى شهدتها مدينة الرباط يوم الأحد 25 مارس 2012م، دعت إلى تنظيمها هيئة وطنية هي الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة)، فاستجاب لها المغاربة من جميع مدن وقرى المغرب؛ شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، قصدا في تلبية نداء الأقصى والقدس وفلسطين، استحضارا لمركزية القضية الفلسطينية في قلوب وعقول ووجدان المسلمين عموما والمغاربة على وجه الخصوص، فكانت المسيرة المغربية مشرفة للمغاربة وللمسلمين بكل المقاييس. ناهيك عن الإحساس بالأخوة والنصرة الذي عبر عنه أهل فلسطين لما شاهدوا تسجيل المسيرة المليونية على غير القنوات المغربية.

حضور كثيف ووازن، شعارات قوية وموحدة، صفوف مرصوصة ومتآخية. النساء والرجال، الشباب والشيب، والأطفال أيضا قادمون… الجميع يهتف لفلسطين ويجدد العهد على الوفاء للشهداء والمقاومة حتى تحرير كل تراب فلسطين مِن غصب الصهاينة المجرمين الذين أذاقوا أهلنا هناك كل صنوف القهر والحصار والتضييق، بل التعذيب والقتل الفردي والجماعي على مرأى ومسمع من دعاة الحقوق وحماة الحريات!

لا يكتمل الربيع العربي إلا بتحرير فلسطين السليبة، وبالتالي فالزحف التحريري اليوم ممتدٌّ من تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى اليمن إلى سوريا إلى باقي الأقطار المغتصَبة إرادتها اليوم المحررة غدًا إن شاء الله رغم أنف الطغاة والمستكبرين، ليكتمل التحرير في فلسطين. ومغربنا يأتيه دوره في حينه بإذن ربِّه.

التعتيم الإعلامي

مسيرة النصرة المليونية التي انبهر بحجمها وتنظيمها العالم، والتي أغاضت بني صهيون ومَن والاهم حتى فرَّ على إثرها هلعًا أحد الصهاينة من الباب الخلفي لقبة البرلمان المغربي (حسبت ما نقلته وسائل الإعلام الفرنسية وذكرته إيدعوت أحرنوت الإسرائيلية). هذه المسيرة الشعبية لم تجد لها مكانا في الإعلام المرئي المغربي وكأنها لم تكن! أو كأنْ لم يحضرها أحد! ألهذا الحد من الدونية تعبر عن نفسها “سياستنا” الإعلامية الجديدة القديمة؟

ازداد انكشاف غلط الذين يروجون باطلاً أن المغرب بدأ يتغير وأن عهدا جديدا تنفس فيه المغاربة عبق الحرية ! وأن لحظة تاريخية نقلت الشعب من زمن الاستبداد إلى زمن الديمقراطية ! وثبت بيقينٍ مضافٍ أن المغرب لا يزال هو هو. لم يتزحزح قيد أنملة عن جموده التاريخي وطبيعته الاستبدادية الافسادية التي لا ترى في المواطنين سوى “خشاش الأرض” أو في أحسن تقدير “زبناء”. رغم النفخ في الرماد.

أن يتم التعتيم في أوربا أو أمريكا قد نتفهمه ويكون متوقعا، نظرا لضغط اللوبي الصهيوني وتحكمه في السياسات الإعلامية الغربية عموما، ونظرا لتغاضيه عن مخططات تهويد القدس وتدنيس المقدسات وما يرافق ذلك من ترحيل وتقتيل وتخويف للفلسطينيين، وتجريف للأراضي ومصادرة للممتلكات. لكن أن يقع التعتيم في بلدنا الذي يدَّعي ساسته أنهم التقطوا رسالة الربيع العربي إيجابيا وتفاعلوا معها بسبقٍ تاريخي! وفي لحظة يسوِّق فيها طرفٌ من الحركة الإسلامية على أن المغرب يعيش ثورته! والإسلاميون يمسكون بزمام الدولة! والدستور ضمن الحقوق للجميع (قلت: إلا أن يكونوا مغاربة)!

هذا التعتيم أمر غير مُبرَّر وغير مشروع إلا في المذهب الماكيافلي الذي يبيح للحاكم استعمال مختلف الوسائل القانونية وغير القانونية، الأخلاقية وغير الأخلاقية في ممارسة السلطة ما دامت “الغاية تبرر الوسيلة” ومادام “جميع المواطنين من الأشرار”. وحده الحاكم وفنُّه وسياسته يستحق تغطيةً إعلاميةً مستفيضة ومفرطة. والجميع يعلم كيف يواكِب التلفزيون المغربي الجولات المؤدى عنها بالملايير لأشخاص فوق القانون، والموازين المختلة رغما عن حكومة لا تحكم، والاستديوهات التي تُذبح فيها الفضائل، والخواء الخاوي الذي يُفرض على المواطنين كرها.

إعلام الدولة تستأثر به عصابةٌ “مقدسة” تتحيز للنظام الحاكم ضدا على إرادة الشعب، ولا تبالي بمن احتج أو انتقد أو طالب بحقه الطبيعي والاجتماعي. إعلامٌ مُضلِّل يعكس طبيعة السلطة التقليدية الأبوية التي تعتبر الخبر مِنَّةً على المواطن كما هو الحق والحرية والوجود والمعرفة والسياسة! فقلْ لي بربِّك يا مُدعي: عن أي تغييرٍ تتحدث ومجرد النقل الإعلامي لحدث من حجم مسيرة المغاربة يوم 25 مارس يُطمس ويُغَيَّب؟

الربيع المغربي قادم

بمثل هذه السياسات الاستبدادية التعتيمية الظالمة يتقارب زمن التغيير إن شاء الله تعالى، ويتعمق الوعي بضرورة القطع مع جذور الفساد عوض تلميعه والرقص المحموم في هوامشه، فعن قريبٍ سينقشع الغبار عن شعارات ِالورد والياسمين، وتنتهي سُويعة الالتفاف على مطالب الشعب، ويُفضح خُبث التلون بألوان اللحظة، ويظهر الوجه البئيس لمخزنٍ متمرسٍ على التعتيم والتخوين والمساومة، وهو الذي قضى ردحا من الزمن في تذويب الأحزاب وتفتيت النقابات وقتل المبادرات في مهدها.

لكن زحف الربيع لا مناص يلاقي قدرا كان مقدورا فيبطل السحر ويخر الساحر على وجهه مذموما مدحورا. يجيء الحق في صبحٍ قريبٍ بحول الله وقوته، ويزهق الباطل إلى غير رجعة. فتُزلزل الأرض من تحث أقدام المتجبرين كما زُلزلت من تحث إخوانهم وأشقائهم في الاستبداد أصحاب الفخامة والمهابة في دول مجاورة كانت حكوماتها جائرة.