قال الدكتور عمر إحرشان، منسق مركز الدراسات والأبحاث وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، إن احتجاج الفريق البرلماني للعدالة والتنمية على حضور أحد ممثلي “الكنيسيت” للدورة الحالية للجمعية البرلمانية للاتحاد من أجل المتوسط، يشكل واحدة من مفارقات وغرائب السياسة في المغرب، حيث صار من المألوف عند كل طرف سياسي أن يتخذ موقفين متناقضين في قضية واحدة وفي اللحظة نفسها في ما يشبه عملية توزيع أدوار).

واعتبر في تصريح لموقع هسبريس أن الازدواجية في الموقف المنتهجة من قبل حزب العدالة والتنمية هي دلالة واضحة حول صعوبات الانتقال من وضع المعارضة إلى تدبير العمل الحكومي على أساس أرضية دستورية غير سوية لأنها تقتطع مجالات هامة من اختصاص السلطة التنفيذية، وعلى أساس ميزان قوى ليس لصالح الحكومة المنتخبة التي لا يمكن أن تتذرع بشرعية شعبية لأنها تعلم قبل غيرها أنها حكومة أقلية لأن غالبية الشعب قاطعت الانتخابات، ولأنها فقدت بعض العوامل الموضوعية التي كانت تجعل المخزن في حاجة إليها، وأقصد بذلك التغطية على الحراك الشعبي واحتوائه)، موضحا أن أولى خطوات هذه الصعوبات هي تجسيد نوع من التمايز داخل نفس الحزب بين وزرائه وفريقه البرلماني، وخاصة في ظل حكومة ائتلافية سيحاول حزب العدالة والتنمية عدم تحمل كل تبعات تدبير أعضائها، وكذلك لأن هناك مجالات تدبيرية لا علاقة للحكومة بها، وفي مقدمتها المجال الدبلوماسي الذي بقي مجالا محفوظا للملك، أي أننا عمليا أمام سلطة تنفيذية برأسين).

وأكد إحرشان أن الحكومة الحالية محكومة بطابع الاستمرارية الكاملة في الكثير من الأوراش والمجالات، وهذا ما أكده التصريح الحكومي الذي صادق عليه الفريق البرلماني للعدالة والتنمية والذي يتضمن على المستوى الدبلوماسي، حيث لم يطالب هذا الفريق بالانسحاب مثلا من الاتحاد المتوسطي الذي يعتبر الكيان الصهيوني واحدا من أعضائه النشيطين)، ومن تم فـاستغرب هذا الاحتجاج المتأخر على مظهر فقط من مظاهر العضوية في هذا الاتحاد. ولذلك لا يمكن اعتبار هذا التصرف إلا في سياق تحقيق نوع من التمايز بين الحزب والحكومة والحرص على عدم التناقض مع خطابه السابق أيام المعارضة تجنبا للسقوط في أخطاء الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال).

وعلى صعيد التبريرات المختلفة، التي يقدمها حزب العدالة والتنمية، كالقول مثلا بأن هذا عمل خالص للبرلمان ولا علاقة للحكومة به أو القول بأن هذا الوفد لم يدخل بتأشيرة من وزارة الخارجية أو القول بأن رئيس مجلس النواب لم يتشاور مع الفرق البرلمانية بشأن هذه الدعوة.. اعتبر منسق مركز الدراسات والأبحاث بأن كل هذه المبررات تورط الحزب أكثر مما تخدمه مادام فريق العدالة والتنمية هو أكبر فريق وهو قائد الأغلبية ووزير الخارجية منه وكذلك رئيس الحكومة الذي أصبح بنص الدستور سلطة رئاسية لكل أعضاء الحكومة).

وأضاف إحرشان في ذات التصريح، أنه إذا تبث أن وزارة الخارجية لا علاقة لها بالموضوع فالأولى لوزير الخارجية أن يقدم استقالته والدور الرقابي للفريق البرلماني يستدعي مساءلته ومساءلة الحكومة عن الجهة التي منحت حق دخول التراب الوطني لهذا الوفد، وقد يستدعي الأمر فتح تحقيق في الموضوع. والحقيقة إن الفريق البرلماني لن يذهب بعيدا في هذا السياق لأنه بهذا السلوك قد يفتح الباب لفرق برلمانية من الأغلبية للعب نفس الدور، وأول ضحية لذلك هو الانسجام والتضامن الحكومي الذي تم التنصيص عليه في ميثاق الأغلبية وهو ما سيظهر ضعف رئيس الحكومة وقد يقود إلى تصدع وأزمة سياسية قد لا يستطيع العدالة والتنمية تدبيرها بحكم حداثة تجربته في مجال التدبير الحكومي).

وعن الهدف الحقيقي للرسالة الاحتجاجية التي وجهها الفريق البرلماني للحزب، هل هي للحكومة التي يقودها الحزب نفسه أم إلى رئاسة مجلس النواب أو إلى جهات أخرى يراها الحزب تقتطع جزءا من صلاحيات وزير الخارجية، قال إحرشان إن الفريق البرلماني لحزب العدالة والتنمية، بهذا التصرف يتحاشى تسمية الأشياء بمسمياتها ومواجهتها بالصرامة اللازمة، بل إنه للأسف يلجأ إلى فعل احتجاجي هو من وسائل عمل المعارضة وقوى المجتمع المدني لأنه لا يفعل الآليات المتاحة له للضغط من قبيل توجيه إنذار إلى الحكومة ومساءلة رئيسها والانسحاب من البرلمان والمطالبة بالانسحاب من هذا الاتحاد المتوسطي لأن محاربة التطبيع لا تتم فقط داخل المغرب ولكن في كل المجالات، سواء داخل المغرب أو خارجه). واعتبر أن سلوك الفريق البرلماني لحزب المصباح يمثل “ارتباكا” سيستمر في أداء العدالة والتنمية، وخاصة في أداء الفريق البرلماني والإعلام وحركة التوحيد والإصلاح، إن لم يتأقلم مع متطلبات الوضع السياسي الذي ارتضى العمل من داخله، والمتمثل في قبول الإطار الدستور الناقص والخضوع لوصاية مستشاري الملك وقبول ائتلاف حكومي هجين وغير منسجم. وسيزيد من تفاقم هذا الأمر تفكك الأغلبية وعدم توفرها على برنامج للسياسة الخارجية وفقدانها بالتدريج لكل مبررات نشوئها وبداية عزلتها لأنها لم تحقق طيلة هذه المدة كل ما وعدت به.

ورأى الدكتور عمر إحرشان أن موجة من الاحتجاجات ستزيد على طريقة أداء الإعلام العمومي وعلى طريقة تدبير بعض الأوراش الكبرى، مضيفا وقد لا نتفاجأ ببعض تصريحات وزراء الحزب بأن هناك تصرفات تقع داخل وزاراتهم ولا علم لهم بها، وخاصة في المجال الأمني والاقتصادي والاجتماعي، ولكن الأهم لن يحصل وهو تقديم الاستقالة احتجاج أو حجب الثقة من قبل الحزب عن وزرائه أو التصويت العقابي من قبل الفريق البرلماني على هذه السياسات في البرلمان. وهذه هي السياسة السياسوية التي تكرس العزوف واللامبالاة تتكرر مع أي حزب ارتضى الخضوع لقواعد لعب لم يشارك في صناعتها).