كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز)الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله.

ما أروع أن يقرأ الإنسان عبرات متأوه مكلوم ملدوغ: عائد طيبته الصحبة وبخرته في زمن الارتكاس وحمأة الرذيلة والبعد عن الله عز وجل.

يكتب بقلم يصل الكتابة بعالم الغيب بعد انقطاع دام ردحا من الزمن ظلت الكتابة فيه حبيسة الأهواء والانفعالات متسكعة في دروب الغفلة والتيه، وفي أحسن الأحوال معبرة عن إسلام فكري ثقافي فارغ من كيفية معرفة الله، وما السبيل إلى طلب المقامات العليا.

بسمة الحروف والكلمات والقلوب فارغة من حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقد أبدع السادة الصوفية الكرام رحمهم الله في بقاء حبل الكتابة موصولا بالغيب، إلا أنهم رحمهم الله أعرضوا عن الشأن العام، من يجمع بين هذه الوصلة الغيبية وبين التهمم بأمر الأمة تجديدا للخلافة؟

إن استعادة العلاقة الوثيقة التي ظلت تربط الكتابة بالغيب يحتاج أول ما يحتاج إلى صحبة، إلى تعلق قلبي يصل بالنبع، يستف من الروحانية العالية الغالية روحانية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقد كانت أمنا عائشة رضي الله عنها تشم رائحة كبد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تحترق عندما كان يقوم لصلاة الحاجة وكذلك انفطرت قلوب أوليائه الكمل، وكذلك يستمد من قدم بطاقة العجز والإفلاس فيكتب كلمات تخرق غفلة اللغة البعيدة عن هموم الناس ومصيرهم الأخروي.

إن براءة الكتابة من علة الفكر والنظر، وتحريرها من شوائب العقلانية المقيتة، والبعد فيها عن التسطيح ومحاكمة الناس وتكفيرهم، والتوبة فيها من إسلام فكري ثقافي، وتحويلها إلى سير قلبي وجداني يطلب معرفة الله، ويعانق هموم الأمة وآلامها مقترحا مشروع الاقتحام “فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة” ناسجا على المنوال النبوي لمن أكبر التحديات أمام الأقلام المؤمنة الواعدة.

بعيدا عن هدير الكلمات المكفهرة العبوسة المتجهمة الرافعة لشعار لا تجوز المحاكمة لنوايا الناس، ينبغي أن تفر لغتنا إلى رحمة البلاغ النبوي الحاني البسيط التلقائي.

عندما تتحول الكتابة سلوكا باتجاه الخالق، ونوعا من الرغبة في المحبة وهداية للناس، آنذاك ينقدح الباطل ويزهق، وإلا كانت إغواء ومساهمة في المؤامرة الشيطانية: السكوت عن عالم الغيب.

إن هذا البوح وهذا الترنم والشوق إلى معرفة الله تعالى، والتبشير بغد الإسلام المشرق القريب بإذن الله عز وجل لمما ينبغي أن يصاحب كتابة الإسلامي المقبل الذاكر المذكر، هذه القوة المتدفقة والغيرة على واقع جيله ومستقبله منطق غريب وتطاول وجسارة على حقوق الغير وحياته الشخصية وتجاوز للغة المثقف السادر الغافل المغفل: لغة متبادلة بين العباد غافلة عن رب العباد، يا حسرة على العباد!!

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله: في دين الحداثة العدو الأكبر للإنسان الموت، وهي منطقية مع مبادئها، ما دام الإنسان دابة لا آخرة أمامها فالكارثة العظمى هي الموت الذي ينبغي ألا يذكر في مجلس، وأن لا يشار إليه بكلمة، لأن الحديث عن الكارثة العظمى سوء أدب، وسبب تنغيص، ومذكرة ألم، وغص نفس، وإثم حضاري لا يغتفر) 1 .

حفظك الله من رجل كرس حياته ولا يزال للدلالة على الله، وإحياء المنهاج النبوي المغيب كتابة وسلوكا وعملا. اسأل عن الرجل واقرأ كتاباته رغم ما تعانيه من حصار وتضييق، بل والزم غرزه ففي ذلك الغناء كله.

يا حسرة على مثقف إسلامي مسكين، لم يولد بعد ولادة قلبية روحية تصله بالنبع، وهو يكتب منظرا لغد إسلامي، البداية يا سيدي تغيير ما بالأنفس. وقدس الله سر الإمام عبد القادر الجيلاني إذ يقول: يا غلام فقه اللسان بلا عمل القلب لا يخطيك إلى الحق خطوة، السير سير القلب) 2 .

إن حرارة اللقاء بالمصحوب، والحصول على كنز الصحبة الغالي الثمين لمما يزيد الكتابة تألقا وتدفقا وإقبالا.

إن شرف المعنى وبلاغة اللفظ، والبعد عن الاستكراه والتكلف، كل ذلك في لغة موصولة بالله عز وجل ليصنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة، ويخرج الكتابة من رق الغفلة والاستعباد الشيطاني والبعد عن الله عز وجل إلى سعة الذكر والجهاد.

بارك الله في الأقلام المؤمنة المتفيئة ظلال الصحبة الوارفة المهتمة المتهممة بأمر أمتها الجريحة المستعدة لتجديد الخلافة، وحفظها من ظلام الحداثة المزعومة الكاذب الكئيب.

وفي الختام: هل يقتحم فتى الإسلام نار الحداثة فتكون عليه بردا وسلاما، كما كانت نار نمرود على فتى الرسل إبراهيم أبونا عليه السلام؟ نعم، يقتحم ويسلم، هل ينجي الله من الغرق يونسنا ومن ظلمات الحداثة كما نجى يونس النبي عليه السلام؟ نعم ينجي. هل يسلم نوحنا من الطوفان ومن معه؟ نعم يسلم. هل تآمرت قريش على رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة ووقفوا له بالباب بسيوفهم فأنجاه الله ونصره؟ نعم، وكذلك ينجي الله من اتبع سنة رسل الله وسنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الصبر على الجهاد وفي طاعة الله والتوكل عليه وفي إقامة الشورى في سياق الشورى) 3 .


[1] الشورى والديمقراطية، الأستاذ عبد السلام ياسين ص 366.\
[2] الفتح الرباني ص، 32.\
[3] الشورى والديمقراطية، ص367/368.\