قضية المسجد والمسجد القضية

على مدى ما يقارب السنة والنصف كانت أقلام الصحافة العالمية وكاميراتها موجهة نحو البلاد العربية ومترقبة ما سيحمله الجديد مع مطلع كل يوم جمعة جديد من المسجد وأهل المسجد. لينضاف إلى الفضل الذي حفلت به كتب الفقه والتاريخ في شأن الأحداث العظام التي وافقت يوم الجمعة تنضاف إليه مكارم إسقاط رؤوس الطغيان والفساد، ثم بعث حياة الكرامة الحرية في الأمة من جديد.

في كل جمعة حدث جديد، ومنعطف آخر يغير وجه عالمنا العربي ومعه العالم من حولنا، وتخط صفحة جديدة بعد أن تمحى أخرى سوداء كانت نارا اكتوت بها الشعوب العربية وذاقت ويلاتها صنوفا وألوانا شتى.

في كل جمعة تغيير، ومن كل مسجد صوت يهتف بالتوحيد والتكبير وإفراد العبودية والخوف والرجاء والاستسلام لله وحده. من كل مسجد ضياء ينير ليل الأمة البهيم، وينطلق منه معول يهدم صرح الباطل، مع كل تكبيرة يقظة ومع كل تهليل خنق لأنفاس من نصبوا أنفسهم أربابا من دون الله، ومع كل سجود وركوع ينطلق شعاع من نور ينير درب العزة والإباء، ويغرس في الأمة معنى من معاني العبودية لله وحده.

لعقود طويلة تحول المسجد إلى مجرد طقوس باردة مخدرة لا روح فيها وغابت عنه المعاني السامية التي من أجلها كان المسجد فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ. صارت المساجد أداة في يد دولة الجبر لإماتة الدين، وخطبها مناسبة لإحاطة رقاب الأمة بأغلال جديدة تخدر العقل وتشل الحركة وتميت القلب.حتى أضحت هذه البقع أثرا منسيا لا يفتح إلا بمقدار ولا يصل نورها وشعاعها إلى رواده، فأحرى أن يكونوا هم الشعلة التي تضيء الحي والمدينة والأمة. لا تلك الرحمة شعر بها رواد المسجد، ولا تلك الرفعة كانت له ولرواده وأهله وجيرانه. واأسفاه!

غاب أو بالأحرى غُيب المسجد فغابت معه المعاني السامقة، غابت الألفة والتراحم والنصيحة والقيام على شؤون العباد ومداواة آلام الأمة، لم يعد هو تلك المدرسة النبوية لتخريج جند الله، ولم يعد الملاذ الذي يؤوي إليه ذوو الحاجات، وبعدما كان راية للحرية والانعتاق صار مصنعا لصناعة قيود الاستبداد.

المسجد وقضايا الأمة

محنة المسجد لم تتوقف يوما، نزيفه دائم متصل: ما يعيشه المسجد الأقصى، امتدادا إلى معاناة المساجد في أمريكا إلى أوروبا إلى الصين إلى داغستان إلى أفغانستان وصولا إلا أقطار التجزئة العربية الإسلامية.

منارة أرادها الله عز وجل أن تكون للرفعة ومنبرا للحرية، فإذا بالأيدي الآثمة تحولها إلى مناسبة لوضع أغلال وأصفاد جديدة على عقول وقلوب وأرواح المسلمين. أراد الله أن تتعلق بها قلوب العباد فإذا بأيدي الجبر تجعل منها مقصلا تسلخ عليه الآيات والأحاديث لتطويع العباد، وتميمة تعلق على عروش الحكام ودولة الجبر توظف لاسترقاق الأمة واستعبادها.

غيب المسجد فغاب عن قضايا الأمة، لم يكن مع حرائر فلسطين إلا لماما، ولا مع جرح الشيشان ولا آلام غزة، ولا صوت له ولا صدى لشعوب مسلمة تذبح على مرآى ومسمع العالم، بل ولم تهتز المنابر لمشاهد قصف المآذن والصوامع لمساجد “حمص” و”درعا” و”مصراتة” وغيرها من مدن الربيع العربي. شاهدنا وتفرج العالم أجمعه- ولا يزال- مشاهد على دك الآلات العسكرية لجيوش بعض من طغاة العرب للمساجد دكا، ورأينا قنصا لرواد المساجد، ولم يتورع المتسلطون على رقاب الأمة من هدم بيوت الله على رؤوس العزل من الصبايا والأمهات والعجائز الذين فروا إليها كما فعلوا مع المحتل من قبل، فتورع المحتل الكافر والصليبي، بينما عتاة هذه الأمة وسفهاؤها ولغت دباباتهم في دماء المصلين وسامتهم سوء العذاب وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.

إي والله، أخزاهم الله في الدنيا فلم تقبلهم لا الأرض ولا السماء وذاقوا أسفل دركات الذل والهوان وأشفى الله صدور قلوب مؤمنين، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.

المسجد مطلبا

إن المسجد اليوم أحوج ما يكون إلى تحريره من هذه الخطابات الرسمية التي تقتل فينا الإسلام، وتصوره لنا كائنا محنطا لا يصلح إلا للعيش فوق السماء أو تحت الأرض، خطب كسيحة-إلا ما رحم الله- وخطباء لا نراهم إلا على المنابر، وكأنهم مخلوقات لا تعرف لغة الأرض التي نمشي فيها، ولا عهد لهم بأسواقنا وعقارنا وأحوالنا وصار الهم الأول أن يرضى الحاكم، ويبع الأمة بدراهم معدودة وكان فيها من الزاهدين.

معشر سادتنا العلماء والفقهاء والخطباء والوعاظ، يا من استؤمنتم على منبر رسول الله صلى الله عليه سلم، هلا أخرجتم المسجد من عباءة السلطان ليعود إلى حضن الأمة مع القرآن ومنهاج النبي العدنان، حتى يكون كما أراد الله ورسوله أن يكون، مسجدا منارا تعلن العبودية فيه لله وحده “الله أكبر، الله أكبر”، يكون هو القاطرة للتربية والتعليم والرباط وإعداد الرجال من حملة دعوة الحق، ومحج التائب والتائه والمهموم، والحضن الآمن لمن لبى النداء “حي على الصلاة”.

يكون هو المبتدأ والخبر لنجاح العباد والأمة “حي على الفلاح”. مطلب إعادة المسجد إلى الأمة لابد أن يكون غاية الدعاة والعاملين للإسلام، تسري في الأمة أنواره تشيع المحبة في العالمين.