مقدمة

لم يكن التدخل الغربي بقيادة الأم فرنسا المدعوم عربيا بريادة قطر في ليبيا أيام الثورة الليبية ضد نظام الطاغية معمر القدافي نابعا من حرص على انتصار الثورة أو بغية تحرير الشعب الليبي، إنما كان المحركَ والدافعَ لذلك التدخل العسكري مصالـحُ الغرب الرأسمالي ومطامعُ الحكام العرب.

مصالح الغرب

لم تقتصر غطرسة الحاكم العربي وتدخله الوحشي الهمجي لإخماد الثورة ووأدها مقتصرا على دولة ليبيا المحررة، بل إن معظم الدول العربية التي عرفت ظهور المنادين بإسقاط الفساد المتمثل في الأنظمة العربية المستبدة، لم يخل من هجوم وحشي لقوى الأمن والعسكر والبلطجية والشبيحة، فبدأ بتونس ومرورا بمصر والبحرين والمغرب واليمن والجزائر ووصولا إلى سوريا كانت آلة القمع والقتل دائرة على الشعب العربي الثائر. وكان التعامل الغربي مع هذه التوراث يختلف من نظام إلى آخر، ويدور في فلك مصلحة الغرب الذاتية، والبعد الاستراتيجي الذي سيحققه هذا التدخل، فإذا لم يكن للتدخل الغربي الأجنبي ثمرة ومزية فلا حديث عن الشعور الإنساني وعن ألوف القتلى وعن جرائم الحرب والإبادات، إنما يبقى ذلك في عموم الاستهلاك الإعلامي والواجهة السياسية، ففي ليبيا واليمن المفارقة العجيبة.

ومنذ سنة خلت والنظام السوري البعثي بقيادة الطاغية “بشار الأسد” ينكل بشعبه ويقتل ويستبيح المدن والقرى، ويهدم البيوت والمنازل والمساجد فوق رؤوس الضعفاء، ويعتقل الشباب والأطفال، ويغتصب النساء، ويرتكب أبشع المجازر باستعمال أفتك الأسلحة الجوية والبرية ضد شعب أعزل، ورغم التغطية الإعلامية التي تواكب الحدث بكل تفاصيله وتلاوينه، تبقى ردة الفعل الغربية مقتصرة على بعض التنديد تارة وفرض عقوبات اقتصادية تارة أخرى أو إرسال مندوبين للتباحث والتحاور، واستدعاء السفير في أحسن الأحوال.

التقدير الغربي للتدخل في الدول من أجل فض النزاعات، لا ينبعث من الجانب الإنساني أو القانوني، إنما تمليه المصلحة العليا للغرب، فالتحالفات الاستراتيجية، والمكسب الاقتصادي، والهيمنة السياسية محددات ومنطلقات على أساسها تتحرك الدول “العظمى”، وتبعا لها تحدد موقفها وأسلوبها في التعامل مع منطقة التوتر.

الموقف الغربي الذي صاحب الثورة اليمنية، والتي عرفت سفكا لدماء المستضعفين من أجل نيل الحرية، لم يكن كذاك الذي صاحب الثورة الليبية خلال زئيرها.

وكذا الموقف الغربي من الثورة السورية، لم يكن بحجم الدمار الذي تعرض له الشعب السوري الحر، ولم يكن بحجم الشجب والتنديد الذي يرتفع تارة ويخفت أخرى، ولم يرق إلى مستوى المواكبة الإعلامية التي استطاعت أن توثق المشهد وتجعله ناطقا متكلما عن حجم الخراب والتنكيل من قبل شبيحة “الأسد” وعن المفارقة الغربية الإنسانية.

الموقف الغربي ومعه المصلحة الأمريكية يريد من خلال الثورة في سوريا والتي يقودها أحرار البلد وعقلاؤه، أن يحولها هو إلى مكسب شخصي يحاول من خلاله اللعب على الأوراق ليضرب بقوة في منطقة الشرق الأوسط، ولك أن تحسب كبح قوة الحركات الإسلامية المتزايد في المنطقة خوفا على الحليف الإسرائيلي، وزيادة التوتر بين المسلمين والشيعة، وتكسير حلف الممانعة ضد “إسرائيل”، وزرع بوادر حرب أهلية لإرباك المنطقة، ومحاولة استمالة الحليف السوري لينقلب على الحليف الإيراني، ومسك يد “حزب الله” الممتدة على “إسرائيل”، وإبقاء الهدنة في هضبة الجولان، وزد من دواهي المصلحة الغربية ما يخفى.

مطامع العرب

إن كان للغرب مصالح يسعى لتحقيقها من خلال فرصة الثورة السورية، فإن للأشقاء العرب ورؤساء دوله مطامح يسعون لتحقيقها كذلك، ليست نابعة من حب عربي أو قرابة أو عرق أو دين، وإنما مدار الأمر كله ورأسه المصلحة، فكيف نتبين الفرق في التعامل القطري والسعودي مع الثورة اليمنية وشقيقتها السورية إن لم نضعها في سياق المصلحة المحصلة.

إن الريادة التي تبحث عنها بعض الدول العربية والتصدر الذي تتوخاه للموقف العربي، ثم الهيمنة الاقتصادية على المنطقة، يجعل من بعض الدول العربية تنحو في تعاملها وفق منطق الربح والخسارة، ليس على المستوى الحقوقي بقدر ما هو على المستوى السياسي والإعلامي، ثم إن في الإملاءات الغربية دافع يحرك بعض الدول العربية خوفا على المصالح الشخصية أو تهيبا من تحول استراتيجي.

فالخشية من مد للحركة الإسلامية أو من توسع للتشيع أو انتشار للهيمنة الإيرانية في المنطقة أو استغلال تركي أو ظهور مفاجئ لجيوب القاعدة بعض من تلك التخوفات التي على أساسها تتحرك بعض الدول العربية في الشأن السوري، دون أن يكون المحرك الرئيسي ما يحدث لشعب أعزل هو أقرب دينا وملة لنا نحن العربَ المسلمين.

ثم إن الاستراتيجية التي تمثلها بعض دول الجوار السوري تمثل دافعا لدى السعودية لكي تتحرك حفاظا على الامتداد والمصلحة، فلبنان الجريح مثلا يمثل قوة للحضور السعودي على المستوى الإقليمي، ولا يمكنها أن تتنازل لأي غريم خصوصا إن كانت الطائفية هاجسا.

البعد الاستراتيجي للثورة السورية في منطقة الشرق الأوسط

لا يبدو في الأفق القريب أن تتدخل الدول الغربية أو العربية بشكل من الأشكال لكي ترفع المشقّة عن الشعب السوري، إلا وفق المصالح الخاصة التي تراها حسب الظرفية المحلية أو الإقليمية أو الدولية، ومن المرتقب أن تحاول هذه الدول، في ظل الوضع الراهن، أن تجد حلا سياسيا يبقي الوضع في سوريا قائما على حفظ المصلحة، والتي قد تتمثل في استمالة بعض الأطراف لا على مستوى النظام القائم أو على مستوى المعارضة الضعيفة، والتي تضمن أكبر قدر ممكن من المصالح الممكنة، وقد يصل الأمر إلى حد الإبقاء على نظام الأسد إن لم يكن في الأفق ما يبدد مخاوف الغرب أو يضمن الهيمنة.

وعليه فإن للثورة السورية أبعادا استراتيجية كبرى على منطقة الشرق الأوسط، لكونها تتحكم في مجموعة من العوامل تقوم عليها المنطقة، وإن أي تغيير ولو بنسبة صغيرة سيكون له أثر على المدى المتوسط، بدأ بالضربة التي سيتلقاها “حزب الله” الشيعي المناصر للنظام الأسدي البعثي سواء تعلق الأمر بانهيار النظام وذهابه أو تعلق الأمر بصفقة للإبقاء على النظام الحالي بشكل من الأشكال على أساس تحاوري، وبالتالي فك الضغط عن الحليف الإسرائيلي واستعادة قوة الردع لديه.

كما ستتأثر الدولة الحليفة “بؤرة الممانعة إيران”، مما سيربك الحسابات لديها ويخفف من وطأة حدة النبرة في حال غياب حليفها السوري وانكسار يدها في لبنان.

لبنان بدوره لن يسلم من أي تغيير على المستوى السوري، مما سيزيد حدة الصراع الداخلي بين الطوائف التي تترقب الوضع على الجبهة السورية، والتي ستسعى إلى ملأ الفراغ الذي قد يحدثه زعزعة الدور الشيعي، وهو الأمر كذلك الذي ستعمل على كسب وجني ثماره دولة “إسرائيل” المتربصة.

لكن التغيير الأكبر والعامل الحاسم في كل هذه التحركات والترقبات هو الدور الشعبي للمقاومة ومدى قدرتها على الضرب الموجع لنظام بشار وزعزعته، فإن وُفقت المقاومة الشعبية في مزيد من الامتداد والمصابرة والرد الحكيم، فستكون استراتيجيتها غالبة على مصالح الغرب الذاتية ومطامح العرب الأنانية.