استسلم لدروب خياله التي ألقت به في غياهب التشتت النفسي الفظيع، وراح يستحضر لحظاتٍ يشيب لهولها الولدان من ذلك اليوم العصيب! متسائلا في حيرة قاتلة:

– لماذا لم يتحول غضبهم إلى تعبير أكثر سخطا؟ لماذا لم يضربوا الحديد بالحديد؟ وفي انكسار وفشل نفسي ذاعر أردف متهالكا على درب المآسي المتكاثرة:

– نَعَم السلاح ثم الكفاح، وما نفع السلاح بلا رجال؟ وما نفع الرجال بلا عزمات ملتاعة تَنْهدُّ أمامها العقبات وتتكسر؟ لا جرم أنَّ لي رغبة شديدة الإيلام للمروق من مهوى زنزانتي السحيق، القابع في غياهب يأسي القاتل، وظلمات غضبي الفاتر.

على هذه الشاكلة مضى سليم في طريق البحث المزعوم عن الخلاص مما يضيق به صدره من زفرات، ومن ثقلٍ تنوء بحمله الجبال، في خطوات متهالكة يمتزج فيها يأسه اليائس، مع جرعات قوية من الغضب المخدَر، قاصدا ذروة العلا فيما يعتقد ويزعم، مستقبلة إياه ضحكاتُ الواقع الساخرة من صنع الفلك في صحراءَ قاحلةٍ لا قطر فيها ولا غوث.

كان سليم في ذلك اليوم العصيب في سن الثامنة والأربعين وتسعة عشر يوما خلت من شهر ديسمبر من عام فتح الباب على مصراعيه لسنين من الشدائد .. لم يكن ذلك اليوم في شدته ووطأته عليه الوحيد والفريد من نوعه .. بل لطالما ردد مآسي جمَّة عَبَرَت منها سنوات عمره العجاف .. لا تسمع فيها إلا حديث قطع الأبدان .. وإراقة الدماء .. وبث الألم في النفوس .. فلم تَزُلْ من خَلَدِه أبدا بَلِيَّة عامه السادس الخمسين .. وطامَّة سنتِه السابعة والستين .. ناهيك عن كارثة سِنِّهِ الثالث والسبعين .. والبقية تأتي .. !!

تذكر والألم يمزق أحشاءه كمدا وعجزا يوم كُسر عليه بابه .. نظر والذعر يتملكه في تلك الوجوه التي لم يألف مثيلا لها في حياته، منذ أن استهل صارخا إيذانا بخروجه إلى الدنيا عام تسعمائة وألف .. كانوا غرباء على بلدته “التل الأدنى” .. !! ومع ذلك تبين بخبرته وفراسته في التمييز، بعضا من قسمات شخوصهم التي لا تخفى على خبير مثله بالأنساب ..

وفي سرعة كبيرة .. ودون تردد أَبَّ بيده إلى قائم سيفه ليستله .. إلا أنه فوجئ بأحدهم يوجه إليه مسدسه .. بينما انقض عليه الثاني مثل كلب شرس يشده إلى جدار البيت بعد أن ركله برجليه ..

في حين مدَّ الثالث يده إلى السيف .. وفي استهزاء بالغ وبرطانة ساخرة قال:

– أتظن أنك بهذا العود القذر قادرٌ على هزمنا واستعادة زمام الأمور إلى يدك ..؟

– جبان يا لك من جبان .. !! أبله: ألم تعِ قول من قال: عند النطاح يُغلب الكبش الأَجَم).. حقا أنت كبش أجم .. لا قرن لك .. فكيف تبغي نزال الليث .. أبله .. يا لك من أبله ..

نفذت هذه الكلمات في قلبه المكلوم نفاذ السهم المسموم في الرَّمِيَّة .. وبدل أن يرد على كلامهم الساخر والجارح .. تساءل سليم في ذهول:

– ماذا تريدون مني ؟! .. ومن أنتم؟!

– بالمختصر المفيد نريد إسراء .. رد عليه أحدهم ..

– وفي لهجة رجولية تساءل سليم: وما شأنكم بإسراء؟

– ببساطة قلَّبنا الدنيا كلها عن فتاة في مثل إسراء فلم نجد غير ابنتك تفي بالغرض .. أنت رجل معروف لدى الداني والبعيد .. ونحن نريد منك تعاونا وتفهما لما نحن من أجله هنا ..

– اسمحوا لي ابنتي ليست للبيع ولا الخِطبة ولا الزواج .. كل ما في الأمر أن لنا أصولا في هذا الموضوع .. والأمر كله ليس بيدي ..

وقبل أن يستعيد ما دار بينه وبين هؤلاء من حوار تذكر ما قطعه على نفسه:

– ابنتي .. إسراء .. كلا وألف كلا .. ولو كلف ذلك حياتي .. وحياة أبنائي وأحفادي وسلالتي .. إسراء اسم يطير بي في كل الآفاق .. وينقلني من سماء إلى سماء .. هيهات مني التفريط .. هيهات ..

وسرح يتملَّى فيما كانت عليه ابنته الوحيدة، بعد أن ذرف دمعتين سالتا على خديه في انعطاف بفعل ما أحدثته السّنون في خده من خدود .. كانت إسراء في عقدها الثاني بطول ليس بالفارع .. ممتلئة في غير بدانة .. أسفرت عن وجه في بياض عائم في سمرة .. في خدين ممتلئين في غير إسراف .. ذات عينين عام سوادهما في بياضهما .. في حسن وقوام وقـدٍّ كشجر البَان .. كل ذلك جعل لها من بين نساء زمانها من الحسن نصيبا .. ومن القبول ما يحدثك به لسان ثناء الناس عليها الذين عاشروها .. وعلى محياها ترتسم علائم الحشمة والوقار .. مستوية في إشراق .. تتلألأ ضياءً وجمالا .. فما أجمل أن تشرق الأرض التي تقطنها إسراء بنور مبدعها وخالقها .. تؤنس من حولها من الناس والجيران وتلاطفهم .. طيبة النفس .. محبوبة القرب .. شائقة الحديث ..

ولأنها كذلك، كانت مهوى أفئدة الناس .. ومحط الأطماع .. وفريسة يبحث عنها كلُّ ذي ناب ومخلب.. ولحسن حظها لم تكن إسراء بالبيت في ذلك اليوم العصيب الذي مافتئ والدها سليم يحكي عنه من حكايتها للناس .. كانت كعادتها تخرج إلى تخوم بلدتها “التل الأدنى” مع والدتها حبيبة .. تسيح بين أشجار البلوط، .. ونبات الزعتر .. ونوَّار اللوز .. وأغصان الزيتون .. التي كانت تكسو الأرض .. أرضَ هذا التل الحبيبِ إلى قلبها ووجدانها .. والذي أسفر للناظرين عن بقعة في بساطة وظهور .. تجذب الانتباه .. ذات أرض سهلة .. طيبة الإنبات .. تُسقى بماء السماء إلا ما نذر ..

وكثيرا ما رددت إسراء لأمها حبيبة وأبيها سليم، وَلَهـًا بهذه الأرض، قولَ الشاعر الواله الهائم في وديان العشق والألفة والحب:

أهيـم بها حُبّا وعِشقا وألفـــة *** هيام شجيرات الحدائق بالطير

حاول سليم أن يشيح بذاكرته عن كل ذلك، ولو للحظات، لئلا يزيد من جرحه العميق، إلا أنه لم يفلح .. تذكر ما قاله حَالِم أحد هؤلاء الثلاثة ممَّن اقتحموا بيته:

– نحن هنا منذ سنوات ننتظر هذه اللحظة الخالدة … كنا جِيرَةً معا .. ولعلك لم تدر ذلك .. لقد ابْتعتُ أنا وإخوتي جزءا من هذا التل بغاية البحث عنها .. إسراء مطلبنا .. هي ميعادنا .. أو قل هي تعويذة السحر القاتل الذي شتتنا .. إسراء زُينت في عيوننا .. وصورة التائه منا تريك جيدا مدى ما قاسيناه .. والحل كما قلت لك بيد ابنتك .. هي بَلْقِيسُنَا .. وكليوباترا زماننا، .. أنت تجهل إسراء، .. فلو أن ملاكا تجسد في إنسية لكانت هي ..

ورد عليه الثاني:

– .. ولْتعْلم أننا ما تكبَّدنا مشقة البحث عن إسراء إلا لغاية في نفس أبينا، .. من هنا مر أبونا عليه رحمة الرب .. هي وصية أبينا فينا .. فهي منا ونحن منها .. فشُلَّت أيدينا إن فرطنا في إسراء ..

وأردف الثالث مقاطعا:

– ولن نبرح هذا المكان حتى تكون لنا .. فاختر لنفسك ما تشاء .. المهادنة والمسالمة، أو الحرب والمواجهة ..

– أنا لا أفهم ما تقولون؟ أردف سليم في ذهول .. !!

– لا نريد منك أن تفهم ما نقول؟ رد عليه حَالِم في زهو وخيلاء ..

وأضاف في لهجة توحي بالوثوق مما يقول:

في تعاليمنا قصة تشير إلى فتاة اسمها إسراء .. تقول القصة: “.. في ذلك اليوم .. الثامن والأربعين .. بعد أن يكتمل البدر في كبد السماء .. اقْتَرِبْ من إسراء .. وانْظرْ إلى البدر إنه جميل مثلما كان .. وانظر إلى إسراء إنها جميلة مثلما كانت .. في ذلك اليوم تلتقي إرادة الأرض بإرادة السماء .. ويحين الميعاد .. ولْيَكُنِ الوفاء .. !! ”

وفي غضب مخنوق أردف سليم المسكين مقاطعا:

– ومن أدراكم أن المقصود في قصتكم تلك هي ابنتي .. ؟؟ .. فما أكثر من تسمَّت بإسراء ..

هوِّن عليك.. ما اسمك؟ خاطبه أحدهم ..

– سليم عبدُ الله ..

– هون عليك يا سليم .. لعلك ما أفقت بعدُ من لدغات الصدمة التي أصابتك .. هوِّن عليك .. هذا ليس سوى غيضٍ من فيضِ النقول الشفوية التي توارثناها جيلا عن جيل .. أعرف أنك من قوم جعل الرب رحلة الشتاء والصيف لإيلافهم .. ومع ذلك لم تألفوا بعضَكم .. فأنتم في شتات .. ونحن اليوم نبحث في كل مكان عن الألفة بعد أن ذقنا مرارة القطيعة ..

– أين هي إذا ؟ .. تساءل أحدهم في عجلة من أمره ..

– أنا لا أدري .. أجاب سليم في صوت متهدج ..

ثم قال رابعهم بعد أن تيقنوا جميعا من خلو البيت من إسراء تماما:

– على كلٍّ .. نحن لسنا في عجلة من أمرنا .. وَلِنُثْبِتَ لك حسن نيتنا في أخذ الأمور بالتي هي أهْدَأْ، سنغادر كما يحلوا لك ..

وقبل أن يغادروا البيت .. نزعوا سيفه .. مهددين إياه من مغبة اتخاذ السلاح وسيلة للتعامل أو التفاهم معهم ..

على وقع هذا الكلمات المُهددةِ تركوه على أساس العودة في الوقت المناسب لإتمام المهمة .. وهنا تذكر سليم قبل أن يُدَاهِم الثلاثة بيته وُجوهَ من جاء لخِطبة إسراء في سالف الأمر .. وكيف ردهم جميعا خائبين لم ينالوا شيئا مما أمَّلوه .. تذكر، غير آسِفٍ، السبب الوحيد للرفض:

“ليس منهم من هو أهْلٌ للحفاظ على فلذة كبده الوحيدة”..

لقد كان هؤلاء ممن جاء لخطبة إسراء حقا .. كانوا .. والحمد لله .. لقد اهتديت إلى الرد الصائب: الرفض .. أعرف الآن من هم ..؟؟.. متسائلا مع نفسه ..

ثم أضاف في حيرة من أمره: إنهم عصابة إجرامية .. وما أكثرهم في هذه الأيام.. !! مجانين بلبوس كهنوتي .. (.. فلطالما سمع سليم عن دجالين ينتحلون صفات القداسة للسطو على الناس ..)

نعم (مغمغما): وإن وقعت ابنتي في أيديهم فسوف يفتكون بها فتك المنجل بالزرع .. لمن أشكو بلواي .. وزمامُ البلد لدى غيرِ أهْلِه .. مَنِ الغوث؟ .. من المخلص؟ أين القائمون على البلد؟ .. إنها الفوضى .. إن البغاث بأرضنا يستنسر في هذه الأيام .. لمن أشكو حالي .. لا جرم أنني أشبه بمن استغاث من الرمضاء بالنار ..

– لابد أن أجد حلا لابنتي .. قال سليم مع نفسه ..

ثم تذكر كيف هرع بسرعة فائقة في ذلك اليوم العصيب إلى البستان يبغي إلى نجاةِ ابنته سبيلا .. دون أن يشعر به أحد .. لقد حرص على ذلك .. قائلا مع نفسه:

– ليس في الناس أمان .. قد أستعين بأحدهم .. ولكن من أدراني أن أخباري لن تصل إلى هؤلاء المجرمين؟؟..

وبعد أن وصل إلى المزرعة حيث البستان .. استقبلته حبيبة وابنته إسراء في ذهول .. وقبل أن يبادرهما بالكلام .. ركز بصره في وجه ابنته .. مُحِدًّا النظر إليها..

بادرته إسراء: مالك تُحِدُّ النظر إلي يا أبي؟

وقبل أن يرد على سؤالها بجوابٍ يبدد حيرتها .. أجهش باكيا..

– لقد جاء اليوم من حاول أن يخطفك مني ..

– مَنْ يا أبي .. بحق السماء؟

معتوهون .. يدَّعون أن في بعض خرافاتهم وأباطيلهم ذِكرا لفتاة اسمها على اسمك .. وأن الحل لشتاتهم كما يدعون هو بيدها .. وربما توَّجوك على عرش الحكم بعد أن يظفروا بك .. وهم مصممون على أخذك مني ..

فماذا تقولين يا ابنتي؟

– أفضل الموت يا أبي على أن أكون في أيديهم .. ردت إسراء على أبيها سليم ..

أنتِ كما أنتِ يا إسراء .. لا مَسَّك أحدٌ بسوء يا ابنتي .. هناك ما هو أرحم من الموت .. السير في مناكب الأرض .. أضاف سليم ..

– الرحيل إذن يا سليم ..؟؟ أردفت حبيبة ..

– وما العمل يا رفيقة العمر ..؟؟ .. أجابها على مضض ..

– وإلى أين يا أبي ؟؟..

– أرض الله واسعة يا ابنتي .. لا بد أن أدبِّر خروجك الليلة من التل قبل الغد .. قبل أن تصيري لقمة سائغة بين أيديهم المتعطشة للدماء ..

وقبل طلوع الشمس من وراء التل الحبيب .. ودَّع سليم ابنته إسراء .. ببكاء حار .. دون أن يدري أحد ما يخبؤه القدر المحتوم .. مستقبلة إياها والدتُها حبيبة بالأحضان .. ماسحة دموعها المنسابة على خديها الأسِلَين ..

– لا تبكي يا ابنتي .. الحياة أقضية وأقدار كلها ..

– وكيف لا أبكي يا أمي الحبيبة .. ويد الغدر القاسية سوف تفصلني عن وطني التل الحبيب؟ كيف لا أبكي .. يا أماه ؟ أجابت الفتاة.

ورد الأب المكلوم:

– ستختفين يا ابنتي عن الأنظار لردح من الزمن إلى أن يحكم الله لنا .. وهو خير الحاكمين ..

وبسرعة خاطفة انتشر خبر ما حدث لسليم بين أهالي البلدة وما جاورها من البلدان كانتشار النار في الهشيم .. من دون أن تُحرك السواكن .. إلا من قائل: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. وقائل: قضاء وقدر .. ومدَّعٍ الذود عن شرف آل سليم ولا دفاع .. ومن مُظهر عبارات الغضب ولا غضب .. وهنا استيقظت حمية الحاقدين على سليم من بني جلدته من الذين رجعوا بخفي حنين من طلب يد إسراء .. ناصبين رايات التشفي .. وبالرغم من الجراح .. وتجهم الصديق .. واكفهرار وجه العدو .. قام في التل رجل رشيد .. يدعو لنصرة آل سليم .. لدحر البغاث ..

ومن يومها وعصابة حالم تجوس خلال الديار بحثا عن إسراء .. ولم تخل مداهماتهم للبيوت من عسف وتدمير .. وأسر وتنكيل .. ومن يومها أيضا .. كانوا كلما عادوا أدراجهم إلى بيت سليم أشبعوه ضربا .. مراتٍ ومراتٍ .. عَلَّه يبوح بسِر إسراء .. ومما نقلته حبيبة عنه أنه كان يردد بعد إشفاقها عليه مما يحدث له:

– “إن متُّ فَقَدْتِنِي .. وفَقدَتنِي إسراء .. وإن قُتلتْ إسراءُ خسرها أهل التل جميعا .. يا حبيبة .. يا رفيقة العمر .. “.

.. وبأسف بالغ كان يقول لزوجه أيضا:

– ذكرى إسراء إسفين مغروسة بين جنبـي .. تعروني لذكراها هزات عنيفة أكاد أقضي فيها .. فمن يأسُو جراحي بعدك يا إسراء ..؟؟ .. ومما كان ينزل بلسما على جراحاته العميقة ما كان يصله بين الفينة الأخرى من أخبارها .. بأنها في تنقل دائم من مخيم إلى مخيم .. ومن جِيرَة إلى جيرة .. من الحُلوة إلى المَرْج .. ومنها إلى الزهور .. ومن صُورْ إلى العقبة .. ومن هناك إلى أرض الجبل الأبيض .. وإلى التخوم في الجنوب .. وهلم جرا ..

ومن يومها كذلك .. كان سليم يجلس عند الفجر .. قبيل أن ترسل الشمس أشعتها الذهبية في وسط بستانه .. مكسور الشوكة .. مهيض الجناح .. منكس الرأس .. يرقب الفرصة لعودة فلذة كبده إسراء .. والدموع لا تفارقه حتى صار سليم دمِّيعا .. والرجال لا يبكون .. وإن بكوا فلأمر عظيم .. ومن فرط البكاء على ابنته إسراء .. كاد يقضي .. بل كان لا يكاد يذكرها على لسانه حتى يكون مشرفا على الهلاك .. بل يكاد يلتهب كالفُرن بنار الحطب .. ولأجل ذلك أحْرَضَه الحزن .. وأذابه الضنى .. حتى أمسى لا يقوى على النهوض .. نحيفا .. شاحب اللون .. رث الثياب .. مهمل الزي ..

وفي صبيحة أحد الأيام تماسك سليم .. وتمالك نفسه .. فهام على وجهه في الصحراء إلى المجهول بحثا عن إسراء .. آجال النظر في الآفاق .. لم يدر إلى أين المسير؟؟ .. أحس بالضياع والحيرة .. وبدا أشبه ما يكون بملاح في بحر مدلهم .. أضاع أدوات إبحاره .. وعميت عليه السماء بضباب كثيف .. ولم يدْر إلى أين المفر؟ .. أطرق برأسه إلى الأرض طويلا .. ولم يوقظه من غيبوبته القاتلة إلا نوازع الإحساس بالعطش البالغ .. مدَّ يده إلى قِربة مائه التي جففها الهجير .. فإذا هي خاوية لا يُسمع فيها إلا رَجْع الصدى .. ونظر بعين ذاكرته إلى بيته فإذا هو يباب خراب .. ونظر إلى جسده فإذا هو مثخن بالجراح والكدمات .. حاول السير .. إلا أنه لم يستطع فسقط مغشيا عليه .. وبينما هو كذلك .. رأى فيما يرى النائم: فتاة كإبهام قطاة في صحراء مجهوله المعلوم .. ترفل في ثيابها البيضاء وقد خلطتها حمرة .. في واحة خضراء .. وعلى ثيابها بعض السواد .. كأنها تتوسط لجةً من نور .. استقبلته بما هو أهله .. هي كما هي .. قالها في خاصة نفسه .. أنتِ كما أنتِ يا إسراء .. و في المدى صوتٌ يتردد ..

جاءت من مكان بعيد ..

تحمل بشرى فجر جديد ..

أتراها أصيبت.. ؟؟

أم بصرها حديد .. ؟؟

.. تهدَّج في صوته قبل أن يخاطبها .. إلا أنه صحا .. وفي شفتيه بيت لبَشَّار بصوت حزين .. يحاكي فيه الندب:

يا طفلة السن يا صغيرتها *** أصبحت إحدى المصائب الكبر