أبان الشعب السوري من خلال صموده الأسطوري إلى اللحظة، أن الشعوب حينما تؤمن بالتغيير، فهي قادرة على تحمل كل المصاعب والمشاق، حتى تصل إلى ضفة الحرية والكرامة والعدل. فمع الثورات العربية الإسلامية، انتهى زمن التواكل والعجز والمراهنة على عامل الزمن لتحقيق المطالب الشعبية أو تأجيلها إلى المستقبل القريب بتركها للأجيال اللاحقة، فلقد أفنى الجيل القديم نفسه أي جيل المقاومة في طرد العدو الخارجي، لكن الجيل الحالي تفاجأ بالاستبداد الداخلي ينخر البلدان العربية الإسلامية، التي أضحت مع مرور الزمن ضيعا لحكامها.

فأخذ الشباب العربي المسلم على عاتقه المشعل لتحرير بلدانه من عدوها الداخلي، المتمثل في الاستبداد والفساد، وكان سلاحه الأكبر في ذلك المقاومة السلمية بالمسيرات والمظاهرات والاعتصامات في شتى أرجاء بلده، فوقفت ضده آلة عسكرية متمرسة في القمع والتقتيل، وراهن حكامه على نفاذ صبر المتظاهرين، لكن شباب الثورة أظهروا إصرارا على التغيير قل نظيره في سلمية هادئة على مواجهة آلة التقتيل اليومية .

فحين خطب النظام البائد في ليبيا في شخص “القذافي” أسبوعا على بداية ثورة أحفاد عمر المختار في 22 فبراير 2011، متوعدا فيه الثوار بأنه سيتعقبهم “شبر.. شبر، بيت.. بيت، دار.. دار، زنقة.. زنقة” رد عليه الشباب الليبي يومها سنلاحقك “حفرة.. حفرة” فعثر عليه بعدما قتل في حفرة لمياه الصرف الصحي بمدينة “سرت” يوم الخميس 20أكتوبر2011. وبعدما انتشرت شائعات تفيد أن الرئيس المصري المخلوع “حسني مبارك”، لا يزال حرا طليقا في منتجع “شرم الشيخ”، رغم ما أذاقه لشعب المصري من صنوف العذاب في سني حكمه العجاف، بدأت ثورة 25 يناير، بعد نجاحها، بالمطالبة بمحاكمته، ونجليه جمال وعلاء، على قمعه للمتظاهرين بميدان التحرير، وتعهد الشباب المصري وأصر على مواصلة التظاهر حتى يقدم للمحاكمة، فكان لهم ما أرادوا، حيث قدم للمحاكمة يوم 3 غشت 2011 محمولا على سرير متحرك وما زالت أطوار محاكمته مستمرة إلى اليوم.

وحين تداعت إلى أسماع الرئيس اليمني “علي عبد الله صالح”، مع بداية الربيع العربي، أصوات نشاز لم يألف سماعها طيلة حكمه، الذي عمر 40سنة، تطالبه بالحرية والعدالة الإجتماعية، ردد عبارته “فاتكم القطار” في دولة بلا قطار، رد عليه الشباب اليمني “يا فخامة الرئيس فاتك القطار ولم يفت أبناء اليمن”، وبعد محاولاته الفاشلة للالتفاف على مطالب الشعب اليمني، لم يبق أمامه من خيار أمام إصرار وصمود الشعب اليمني سوى التوقيع على المبادرة الخليجية والتخلي عن قطار السلطة. واليوم يتعهد بعض الشباب اليمني على السير قدما على درب ثورته، حتى يحاكم “علي عبد الله صالح” أمام المحاكم الدولية رغم الحصانة التي تخولها له المبادرة الخليجية من خلال توقعيه عليها.

أما شباب الثورة السورية، المراوحة مكانها، بين دم ينزف إشراقة نصر، وتواطئ دولي يحمي الجناة، يصر شبابها على أنه لن يهدأ لهم بال حتى تحاكم العصابة الأسدية، ويحققوا كامل أهداف ثورتهم الخالدة، مادام شباب الثورة متمسكين بسلميتها ووحدة صفها، وباستمداد العطاء من رب السماء.