لا شك أن التربية مما تكلم علماؤنا عنه فأفاضوا واستفاضوا، وهذا المقال يريد فقط أن يلفت الانتباه إلى حساسية الموضوع من جوانب متعددة.

فأما جانب الدعوة إلى الله في خضم هذه الأجواء، فالذي يمارسها من الشباب، والذي يرشح نفسه لها في مستقبل حياته لن ينجح في ذالك إلا بأخذ هذا المعطى مأخذ الدراسة والتحليل، لأن التربية هي محور التغيير لا المواعظ والخطب، والمدعو إلى الله لن ننجح في دعوته إلا بمعرفة ثغرات تربيته لمعالجتها بالحسنى، فما صار الصحابة رضوان الله عليهم أساتذة الدين إلا حينما صيغوا بصياغة أسلوبها التربية المحمدية، ثم إننا نحن الشباب حينما ندعي من جانب ثان أننا قادرون على تربية الجيل القادم بعد تحمل أمانة الأبناء -ويا لها من أمانة-،فإننا نغامر فقط لنرتكب الأخطاء بعينها التي ارتكبها آباؤنا إن سلمنا جدلا أنهم لم يحسنوا تربيتنا، وهذا خطر يدق ناقوسه على الجيل اللاحق خصوصا أننا في مرحلة العطاء، وهنا أسجل صارخا أن الطيبوبة لا تكفي أبدا لنكون في مستوى تربية أبنائنا، بل ينبغي أن نؤهل أنفسنا لذلك بالأخذ من التربية المحمدية لنصنع من أبنائنا روادا لحضارة الإسلام لا أناسا طيبين وعزائمهم عرضة للاندثار عند أول إعصار، هذان جانبان رئيسان يجعلان أمر التربية أمرا لا مناص من إعمال الفكر فيه.

بعد هذه الإطلالة أعود لأقول إن التربية هي الثغر الذي أتانا منه أعداء أمة الإسلام فنجحوا في ذلك بعد أن أجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم، أصابوا مكمن الداء فينا فأفسدوا الأخلاق واستنزلوها من علويتها، واستصغروا الأفكار فقزموها من بعد مداها، واستنزفوا القلوب فاستخرجوا منها شعورها النابض بالحياة، ثم أضحوا بعد هذا العمل الشاق في مأمن منا إذ صارت حضارتنا منافسة تماما للحضارة المادية الدوابية. وانظروا إن شئتم كيف أصبح أعداؤنا يستفزوننا أمام مسمع العالم، ونحن في عالم الوهن نسرح، بل انظروا كيف قتلوا فينا الشعور بالانتماء إلى أمة الإسلام ثم غدوا يقتلون إخواننا في كل مكان ويذبحونهم وهم آمنون مطمئنون، يعلمون أن الأمة لن تستيقظ الآن، وحق لهم ذلك، لأن حجة كلامهم تظهر جليا في جودة تربيتنا.

إن كان الأعداء قد أصابوا في جسمنا هذا الجرح العميق، ونشروا فيه شتى الجراثيم،فديننا- باستقراء السيرة النبوية- قد عالج جروحا أكثر عمقا أشد ضررا، وحول قبائل متفرقة منهوكة إلى أمة متينة بلغ صداها المدى، حولها بالتربية إلى أمة قوية قوامها القرآن والنبوة، لذا أظن أن أمر التربية قد يستحيل هنا من مشكل في الأمة ينبغي طرحه ومناولته إلى حل رشيد ووصفة طبية نبوية ينبغي أن نتعاون أجمعين لتنزيلها إلى واقعنا لتكون شفاء لنا من هذه الأمراض التي أردتنا موتى، فقد بلغني أن أحد العلماء العاملين من هذه الأمة سئل عن السبيل إلى إصلاح المجتمع وتغيير واقع الأمة فأجاب بإيجاز: التربية ثم التربية ثم التربية، وهذا يوحي إلى أذهاننا أيضا أن الأمر يحتاج إلى طول نفس وبعد نظر، إذ لن تؤتي التربية أكلها ما لم يشتد عود

الصغير وهو متشربها، ومالم يستأنس بها الشاب ذو المخلفات حينا من الزمن، وهذا يتطلب تريثا وصبرا على الأذى، فلا نستعجل الثمرة. ولنحذر في كلامنا من مغبة عظيمة، إنها الوصاية على الناس، فنحن لسنا أبدا أوصياء على شباب قد ضلوا الطريق، بل نحن جزء منهم، أصابنا ما أصابهم، وتهننا كما تاهوا وإن اختلفت الدرجات، كلنا سواءٌ في تلقي هذه التربية المستوردة من حضارة الغرب، لذا فنحن لن نكون بأي حال من الأحوال أساتذة الموقف، أتكلم هنا بالتحديد عن الشباب الملتزم، ينبغي أن نفهم أن عموم الشباب ممن نألم لهم محتاج فقط إلى ومضة من نور حتى يستنيروا من جديد لأن فيهم كل الخير، والنور ينتشر بمحض شرارة، فلا نعتبر أنفسنا مشكاة الضياء لأننا لسنا ذلك، بل نجع ل من أنفسنا شرارة نور وبصيص أمل لهم لا غير، وهذا يقتضي في ميدان الاجتماع محبة غامرة في القلب ورحمة شاملة وحسن أدب والتماس أعذار واجتنابا لإصدار الأحكام والمواقف. فلنكن إخوتي كذلك.

قد نغفل فلا نقدر أمر التربية حق قدرها، لكن لما نشاهد بأعيننا أن الطفل إناء يملأ في الصغر لينضح بما فيه في الشباب والكبر، فحينها نفهم حقا أننا خسرنا جيلا كاملا، وأن التربية هي السبيل إلى بناء حضارة تؤمن أن لا انتشار لها ولا انتصار إلا بقيادة شباب مسلم مؤمن مجاهد حامل لرسالة الإسلام إلى العالم.