لفلسطين مكانة كبيرة عند المسلمين، فهي الأرض المباركة التي ذكرها الله في القرآن في عدة سوَر كما في سورة الإسراء: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله. وذكر الله هذه الأرض المباركة أيضا في سورة الأنبياء: ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (آية 7)، وحينما قال عز من قائل: ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (آية 81)، وعندما أمر نبيه موسى عليه السلام وبني إسرائيل بدخول فلسطين: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطّة يغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (البقرة، آية 58)، والقرية هي أريحا، وفي قوله سبحانه على لسان موسى عليه السلام: يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (المائدة، آية 21). وعند ذكر قصة مريم عليها السلام في كتابه فحملته فانتبذت به مكانا قصياً (مريم 22)، والمكان المقصود هو واد يقع بين بيت لحم والقدس.

مكانة القدس عند المسلمين

مدينة القدس، زهرة المدائن ومهد الرسالات السماوية، حملت تاريخا طويلا يضرب بجذوره في السنين والقرون الممتدة، وما أحوجنا وأحوج أبنائنا وبناتنا لدراسة تاريخ القدس دراسة معمقة، حتى نتمكن من التعامل مع قضيتها، في وقت يشاهد فيه العالم محاولات وجهود اليهود والصهاينة لتهويد وطمس معالم المدينة الضاربة في التاريخ القديم (يقدر علماء الآثار أن تاريخ مدينة القدس يرجع إلى حوالي خمسة ألاف سنة قبل الميلاد).

لقد حظيت مدينة القدس بمكانة مرموقة في التاريخ الإنساني لم تساوها فيها أي مدينة، مكانة نالتها عبر تفردها بالبعد الروحي المرتبط بالزمان والمكان، فهي في الزمان ضاربة جذورها فيه بوجهها الحضاري المشرق، وتتمتع بالموقع والموضع، فكانت ملتقى الاتصال والتواصل بين قارات العالم القديم، كما تعاقبت عليها الحضارات وأقامت فيها المجموعات البشرية المختلفة، مخلفة وراءها أثارها ومخطوطاتها القيّمة، التي جسدت الملاحم والتاريخ، دلالة على قداسة المكان وعظمته.

وقد نالت هاته المكانة لاعتبارات منها:

أولا: أنها أولى القبلتين التي توجه إليها المسلمون في صلاتهم نحو ما يزيد عن ستة عشر شهرا بإمامة النبي صلى الله عليه وسلم .

ثانيا: فيها ثالث الحرمين الشريفين الذي تشد إليه الرحال معهما ولا تشد لغيرها إذ قال عليه الصلاة والسلام: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى”.

ثالثا: فيها مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن هنا يرتبط ذلك المكان بعقيدة كل مسلم وقد سجل الله تعالى هذا بكتابه العزيز فقال عز من قائل: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير.

رابعا: هي مهبط رسالات الأنبياء والرسل ومنها انطلاق الهداية للبشر لعبادة الله وحده، وهذا نابع من احترام الإسلام والمسلمين للشرائع السماوية السابقة وأنبيائها ورسلها.

خامسا: في القدس أبرز معالم الحضارة الإسلامية وقد تركت تلك الحضارة بصمات لا تنسى فيها ما زالت ماثلة أمام التاريخ كالحرم القدسي الشريف والمسجد الأقصى المبارك ومسجد قبة الصخرة والجامع العمري وحائط البراق الذي أوقف النبي صلى الله عليه وسلم براقه عنده ليلة الإسراء، وفي القدس مقابر تضم في ثراها أعدادا كثيرة من الشهداء وأبطال المسلمين من عهد صلاح الدين الأيوبي ومن قبله ومن بعده وفيها من المدارس الإسلامية التاريخية التي اهتمت بشتى العلوم الإنسانية والفقهية والإسلامية وغيرها من العلوم.

واجب نصرة إخواننا في فلسطين

مشروع العدل والإحسان يتوخى تحقيق الخلاص الفردي بتركيزه على علاقات العبد بربه ووجوب اجتهاده في التقرب إلى الله تعالى وسلوك مدارج الدين من إسلام إلى إيمان إلى إحسان، وفي نفس الوقت يتوخى هذا المشروع تحقيق خلاص الأمة بتحريرها من الظلم والاستبداد والتخلف والتبعية واستعادتها لمجدها في ظل حكم راشد يسير على منهاج النبوة. والقدس خاصة وفلسطين عامة تحتل مكانة معتبرة في هذا المشروع، باعتبارها أولى القبلتين وثالث الحرمين وأرض النبوات ومهبط الرسالات السماوية ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم، إنها عنوان عزتنا أو هواننا، قوتنا أو ضعفنا، ولها ارتباط وثيق بما نحمله من مشروع، ولذلك فمن الطبيعي أن تتبوأ مكانة خاصة في مشروعنا وبرامجنا وتحركاتنا، ولذلك أسست الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان: الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، لتجسد هذا الاهتمام ولتتصدى لهذا الواجب وتضم جهودها إلى كل الشرفاء العاملين من أجل تحرير فلسطين واسترجاع القدس إلى حاضرة الأمة الخاتمة.

قال الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ (التوبة: 71).

لا بد أن يهتم المسلم بشأن إخوانه، فهم كالجسد الواحد، ولا يتصور أن يهمل الإنسان يده أو رجله أو أي عضو من أعضائه فيتركه ولا يتحسس آلامه، إلا إذا كان أشل ميتاً؛ وبقدر إيمان المؤمن تتقد فيه تلك الجذوة ويتحرك فيه ذلك الإحساس. قال صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” رواه مسلم.