نشرت مجلة نون الإلكترونية، في 16 مارس 2012، حوارا أجرته مع الباحثة في العلوم السياسية “ذ. مريم يفوت” المسؤولة القطرية عن القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان. تطرق لمجموعة من قضايا المغرب الراهنة، من قبيل استراتيجية الجماعة بعد انسحابها من حركة 20 فبراير، وأحداث تازة، والحركة النسائية …؛ وفيما يلي نص الحوار:


قبل شهر مرت الذكرى الأولى لميلاد حركة 20 فبراير بشكل باهت، بينما أعلنت الصحافة احتضار هذه الحركة، ماهو تعليقك؟

حققت حركة 20 فبراير مكاسب مهمة إذ استطاعت تعبئة عدد لا بأس به من الناس واستنهاضهم للمطالبة بحقوقهم وترسيخ ثقافة الاحتجاج. وكان المكسب الأهم هو حضور الشباب في صفوفها الأمامية، مما فند كل الأطروحات التي كانت تقول بأن شباب هذا البلد انساق وراء موجات التمييع ولم يعد له أي وعي سياسي. كما فندت تلك التي كانت تدعي بأن الوعي السياسي لا يمكن أن يكتسب إلا من داخل الأحزاب السياسية. هذه في اعتقادي مكاسب ثمينة تحققت حتى وإن نجح المخزن في الالتفاف على المطالب الكبرى للحركة وهي إسقاط الفساد والاستبداد. تحدثت عن احتضار وشيك للحركة، أنا لا أرى بأن الخطر الذي يتهدد الحركة هو قلة عدد المنتسبين إليها، بل هناك خطرين اثنين يتهددانها: الأول هو أن تتسرب إليها عناصر مخزنية توجهها لتصبح في خدمة نظام يسعى جهده لطلاء وجهه القمعي بطلاء ديمقراطي، وقد يكون الإبقاء على نوع معين من الاحتجاجات جزءا من هذا الطلاء. وثاني خطر يتهدد الحركة هو هيمنة إيديولوجية معينة عليها خاصة إن كانت بعيدة كل البعد عن هوية الشعب المسلم. هذا في اعتقادي هو ما يمكن أن يؤدي إلى احتضار الحركة وليس قلة عدد مناضليها.

بعد خروج جماعة العدل والإحسان من الحركة، خلق ذلك رجة كبيرة في الأوساط الداعمة للحركة، وهو الأمر الذي ظهر معه تذبذب الحركة نحو النهاية غير المعلنة، هل كانت الجماعة تتوقع هذا السيناريو بعد انسحابها؟

خروجنا من الحركة كان للأسباب التي وضحها البيان الصادر عن المجلس القطري للدائرة السياسية والتي وضحتها عدة استجوابات لمسؤولي الجماعة يمكنكم الرجوع إليها في الموقع الرسمي. لم يكن القصد من توقيف الجماعة لمشاركتها إفشال الحركة. لطالما اتهمنا أننا نود الركوب على الحركة وتبعا لهذا المنطق فإن خروجنا من هذه الحركة يفترض أن يكون دفعة كبيرة لها إلى الأمام وليس العكس. وعموما فإننا نتمنى أن يستمر نضال أبناء هذا البلد من أجل المطالب العادلة في التحرر من قيود الفساد والاستبداد، سواء أكان ذلك من داخل حركة 20 فبراير، أو من داخل حركة المعطلين أو من خلال أشكال احتجاجية أخرى، الأساسي أن يكون مبدأ سلمية الاحتجاجات هو المؤطر لأي حراك.

هناك من يتحدث عن استراتيجية جديدة تشتغل عليها جماعة العدل والإحسان، بعدما فشلت في تحقيق المطالب الكبرى التي خرجت من أجلها في حركة 20 فبراير؟

المطالب التي من أجلها دعمنا حركة 20 فبراير لم تكن مطالب الجماعة بل هي ما تصبو إليه فئات عريضة من الشعب. صحيح أن المطالب الكبرى لم تتحقق رغم المكاسب التي سبق أن وضحتها، لكنها ليست إلا جولة، والمعول عليه بعد التوكل على الله عز وجل هو استمرارية حركية أبناء وبنات هذا الشعب في إطار سلمي.

أما عن استراتيجيتنا فهي لم تتغير، كنا ولازلنا منذ نشأة هذه الجماعة مع نبض الشارع، حاضرين مع الشعب، نشتغل في أحياءنا وفي مدننا وقرانا، نربي الناس ونتربى معهم على طاعة الله وعلى مبادئ العدل والعزة والكرامة، وذلك من خلال برامجنا التربوية وكذا عملنا الميداني، إن في شقه الاجتماعي والجمعوي أو في شقه النضالي من خلال المشاركة في كل التظاهرات السلمية التي تهدف لإسقاط الاستبداد والفساد والظلم.

بعد توقيف الجماعة مشاركتها مع 20 فبراير، برزت أحداث تازة وبني ملال والناضور وغيرها، واليوم هناك من يتهمكم بالوقوف من وراء هذه الاحداث، ما ردكم؟

ما فتئ المخزن وكل من يدور في فلكه يتهموننا بالوقوف وراء كل حدث يزعجهم. وتلك حجة الضعيف، فبدل أن يبحث النظام عن حلول حقيقية لواقع الفقر والبطالة والتهميش الذي ترزح تحته العديد من المدن المغربية جراء سياسات الفساد والإفساد التي يتبعها النظام منذ عقود، يفضل أن يختبئ وراء سيل من الاتهامات تكال لنا. لقد كنا ولازلنا ضد استعمال أي شكل من أشكال العنف في احتجاجاتنا مهما ظلمنا، وإن كنا نحث أبناء شعبنا على النهوض من أجل مطالبهم العادلة والمشروعة، فإننا دائما نلح على ضرورة سلمية هذه المطالب. وإنني لأغتنم هذه الفرصة لأندد بما يرتكبه المخزن من عنف في حق أبناء تازة وبني ملال والناظور والحسيمة وبني بوعياش وامزورن وغيرهم من المدن، بدل الاستجابة لمطالبهم العادلة. وأؤكد أن المقاربات الأمنية لا تحل المشاكل بل تزيدها تعقيدا، وقد رأينا ما آل إليه استعمال العنف في دول كمصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا الآن. الحل الحقيقي للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يرزح تحتها أبناء هذا الشعب يكمن في تطهير دواليب الدولة من الفساد والمفسدين الذين أسسوا لسياسات مبنية على النهب والرشوة والامتيازات حتى استأثرت فئات قليلة بجل ثروات هذا البلد وتركت الأغلبية الساحقة لمصير الفقر والتهميش.

بعد وفاة العماري بعدما عذب على يد من وصفتموهم بالبوليس المخزني باعتباره عضوا في الجماعة و كناشط في 20 فبراير، ووفاة زيدون بعدما تعرض للإهمال والإسعافات المتأخرة، جراء حروقه، وهو العضو في الجماعة والناشط في حركة الطلاب المعطلين. تعاتب الجماعة بأنها لم تتخذ مواقف جريئة وشجاعة جراء ذلك.

أغتنم الفرصة بداية للترحم على روحي الشهيدين كمال العماري وعبد الوهاب زيدون وعلى أرواح كل شهداء الاحتجاجات الشعبية بالمغرب وهم كثر، رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته وكل شهداء الثورات العربية وعلى رأسهم إخوتنا في سوريا. يوجد مناخ من القمع والظلم في المغرب ذهب جراءه ضحايا كثيرون من داخل الجماعة ومن خارجها. ومواجهة هذا المناخ تكون عن إحدى طريقين: مواجهة العنف بالعنف وجر البلاد إلى ما لا تحمد عقباه وهو ما نرفضه جملة وتفصيلا، أو مواجهة هذا العنف بفضح هذه الممارسات أولا وباللجوء إلى تدابير حقوقية على المستوى الداخلي والخارجي ثانيا وبالوفاء لدماء الشهداء عن طريق استمرار النضال في القضايا التي استشهدوا من أجلها وعلى رأسها محاربة الاستبداد، وهذا هو الطريق الذي تمضي فيه الجماعة، وفي هذا السياق لازالت الهيئة الحقوقية تضغط في اتجاه كشف التقارير التي تؤكد مسؤولية الجهات المخزنية عن استشهاد أخوينا المذكورين.

من يعاتبون الجماعة في تعاطيها مع هذه القضايا هم أحد صنفين: إما متحمسون، لا يفكرون في العواقب ونحن لا نريد إغراق البلاد في بحر من الدماء كما قلت آنفا، وإما مغرضون يحاولون استفزاز الجماعة وجرها إلى طريق العنف وهو ما ننأى بأنفسنا عنه فقد كان سبيلنا ولا يزال أن لا نستدرج إلى ردود الأفعال.

بخصوص الحركة النسائية للعدل والإحسان، برزت هذه الأخيرة بحضورها القوي واللافت خلال مشاركتها في احتجاجات 20 فبراير وكذا الوقفات التي تنظمها الجماعة تضامنا مع الشعوب العربية، لكن لماذا يخبو صوت هذه الحركة في الحوار حول الحركة النسائية في المغرب، واقعها وآفاقها؟

القطاع النسائي بجماعة العدل والإحسان جزء لا يتجزأ من هذه الحركة النسائية فقد نجح في تكوين قيادات نسائية على مستوى عال من التكوين والتربية، يتمتعن بشخصية قوية ومتوازنة، توازي بين واجباتها وحقوقها في البيت وواجباتها وحقوقها في المجتمع. إن قضية المرأة قضية محورية في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين، أولاها أهمية خاصة منذ بداية الثمانينات، وربط قضيتها بقضية الأمة واعتبرها مستضعفة المستضعفين، وربط استضعافها وتهميشها بانحطاط الأمة ورزحها تحت نير الاستبداد. لقد أسس الأستاذ عبد السلام ياسين لرؤية تجديدية لقضية المرأة تنزه الإسلام عن تهميشها واستضعافها وتعزو ذلك إلى قراءات فقهية متشددة برزت خلال عصور انحطاط المسلمين واستمر تأثيرها إلى يومنا هذا. هذا الفكر المتنور شجع النساء داخل جماعة العدل والإحسان على العمل من أجل النهوض بالمرأة في كافة المجالات. فبدأن عملا رائدا من خلال إطلاق مشروع تكوين خمسين عالمة متخصصة تهتم بإعادة قراءة الأحاديث والنصوص الفقهية على ضوء السيرة النبوية وسيرة الصحابيات وبلورة تصور يثبت بالدليل أن الإسلام ما جاء ليحصر دور المرأة في البيت، مع ما يحظى به هذا الدور من اهتمام وتقدير في تصورنا. لكن إلى جانبه نحث النساء على الحضور في مجتمعهن والمشاركة الفعالة من خلال انخراطهن في الجمعيات والمؤسسات الثقافية والفكرية واشتغالهن مع نساء الشعب، محوا للأمية وتأهيلا وتوعية في شتى المجالات. وكذا انخراطهن في الحراك الشعبي من خلال مشاركتهن في التظاهرات والمسيرات بل وقيادتهن لها. أما فيما يخص الحوار حول الحركة النسائية، فنحن نستجيب لكل دعوة توجه إلينا من منطلق إيماننا بمبدأ الحوار مع الغير والحق في الاختلاف والتنافس البناء. ليس هذا فقط بل دعونا في أكثر من مناسبة لضرورة التنسيق والحوار بين مختلف مكونات الحركة النسائية في المغرب من أجل مصلحة المرأة المغربية. لكن فرص التعاون والتنسيق تظل مع ذلك جد محدودة في ظل سياسة فرق تسد التي ينهجها المخزن وكذا في ظل واقع الحصار المفروض على الجماعة.

باستثناء نادية ياسين، تغيب أسماء نسائية قيادية وذات مواقف جريئة في الصحافة الوطنية؟

الأستاذة ندية ياسين مؤسسة العمل النسائي وأحد القيادات التي تفخر بها جماعة العدل والإحسان وتفخر بها كل هيئة انتمت إليها، فقد حباها الله بمستوى فكري عال وقدرات كبيرة في التواصل، ورباها أبوها كي تكون نموذجا لغيرها من النساء، وهي كذلك بما لديها من تكوين وتربية وخلق رفيع وشجاعة قلما توجد حتى عند الرجال. ونحن في القطاع النسائي فخورات أن نكون بنات مدرستها وسائرات على نهجها، فهذه السيدة ربت على نهجها العديد من الأخوات اللواتي لديهن طاقات هائلة ومستوى عال من التكوين وحضور قوي سواء داخل الجماعة أو في الأوساط التي ينشطن فيها. يكفي أن أذكر على سبيل المثال الأستاذة منى الخليفي والأستاذة غزلان البحراوي والدكتورة فاطمة قاصد وهن عضوات في الأمانة العامة للدائرة السياسية للجماعة، وغيرهن من القيادات النسائية الوطنية والمحلية. صحيح أن حضور هذه النساء في الصحافة قليل جدا، لكن هل السبب يرجع لقلة كفاءتهن؟ بالطبع لا. السبب يرجع لأمرين اثنين: الأول الحصار المفروض على الجماعة والذي يحول دون أن تعرف أنشطتنا ومبادراتنا. والثاني وسائل الإعلام نفسها التي تزيد من تكريس الحصار علينا، فمعظمها مع الأسف لا يبحث عن المبادرات الجادة من قبيل ما نقوم به في مجال الاجتهاد النسائي، بل يبحثون عن المبادرات الرسمية في مجال المرأة وعن أسماء الشخصيات المعروفة سلفا. إذن فغيابنا عن وسائل الإعلام ليس ذنبنا.

أين يكمن تميز الحركة النسائية للعدل والإحسان مع العلم انها أكبر تنظيم إسلامي في المغرب، في ظل بروز نساء حركة التوحيد والإصلاح، من خلال العمل السياسي والإجتماعي؟ .

نحن نحترم ما تقوم به أخواتنا في حركة التوحيد والإصلاح من عمل دعوي واجتماعي وأيضا سياسي. أما فيما يخص عملنا فكما أوضحت لك سالفا نقوم بعمل رائد على المستوى الفكري من خلال مشروع الخمسين عالمة، ولنا حضور وازن في العمل الجمعوي والاجتماعي لكنه يظل دون مستوى طموحاتنا لأن الدولة تضيق علينا كثيرا بحيث يتم سحب الترخيص من أي جمعية بمجرد أن تعرف السلطات أن إحدى عضوات مكتبها تنتمي لجماعة العدل والإحسان، أو يرفض إعطاء الترخيص للجمعيات لنفس السبب الذي أشرت إليه. بالإضافة إلى ذلك فنحن ممنوعات من المقرات العمومية الشيء الذي يضطرنا لتنظيم الأنشطة في بيوتنا التي تظل بدورها معرضة لخطر مداهمة الشرطة لها في كل حين. وقد تم اعتقال حوالي 2000 امرأة من جماعة العدل والإحسان منذ 2006 إلى الآن بتهمة تنظيم اجتماعات غير مرخص لها أو بتهمة الانتماء إلى جماعة غير مرخص لها، رغم أن جماعتنا قانونية ونتوفر على العديد من الأحكام القضائية التي تؤكد قانونيتها. وإن كان لظروف التضييق هذه جوانب سلبية كثيرة، فإن لها أيضا جانبها الإيجابي حيث أكدت العديد من الأبحاث حول القضايا النسائية أن النساء اللواتي يعشن ظروف القمع والاضطهاد يكتسبن شخصية قوية وتمرسا وشجاعة. وهذا والحمد لله أمر تتسم به أخواتنا اللواتي يجمعن إلى جانب التربية والخلق الرفيع شخصية قوية ومتوازنة. أما عن العمل السياسي فمن الخطأ أن نحصر هذا الأخير في العمل من داخل مؤسسات الدولة من حكومة وبرلمان وغيرها، أنا أرى أن قمة العمل السياسي وقوته هي في الحضور إلى جانب الشعب والدفاع عن مطالبه المشروعة والاحتجاج والتظاهر وهو أمر تحضر فيه أخواتنا متزعمات مع الرجال لا تابعات، بشهادة كل المراقبين الموضوعيين.

نلاحظ شبه تخاصم أو لنقل عدم تجانس الحركتين، على مستوى المبادرات والتظاهرات التي تنظم لنصرة قضايا وطنية أو ما يسمى في مصطلحاتكم بقضايا الأمة؟

تعلمون أن التنسيق في مثل هذه القضايا يتأثر بما هو سياسي وليس بما هو نسائي، وبالتالي يتأثر بموقع كل حركة في المشهد السياسي. ومعلوم أن حركتنا معارضة للنظام القائم، في حين تختلف مواقف إخوتنا في التوحيد والإصلاح من مؤسسات النظام، حسب القضايا وحسب الظروف السياسية. وتبعا لذلك تأتي محطات يكون فيها تنسيق تام بيننا وبينهم فيما يخص قضايا الأمة وتأتي محطات أخرى يضعف فيها أو يتلاشى هذا التنسيق. وكما قلت آنفا، نحن نؤمن بالحوار مع كل الأطراف، الإسلامية أو اليسارية ونمد أيدينا للجميع شريطة أن يصب محور التنسيق في مصلحة الشعب.

بعد تعيين بسيمة الحقاوي الوزيرة الوحيدة ضمن تشكيلة الحكومة التي يقودها حزبها، هل لكم انتظارات من هذه الوزيرة على مستوى إنصاف المرأة أو الانتصار للأسرة؟

القضية ليست قضية هذه الوزيرة أو تلك، الأخت بسيمة الحقاوي نكن لها كل الاحترام والتقدير كما نكنه للوزيرة السابقة نزهة الصقلي وليس لدينا أي مشكل مع الأشخاص. جوهر المشكل هو أن قضية المرأة اتخذت منذ عقود مطية للنظام يركب عليها متى شاء لتزيين صورته الخارجية والظهور بمظهر النظام الديمقراطي الذي يكفل حقوق المرأة. وقد استعمل هذه الورقة مرارا وتكرارا، يكفي أن نذكر على سبيل المثال إخراجه لمدونة الأسرة في وقت يطبق فيه قانون الإرهاب وينكل بأشخاص لم تثبت في حقهم التهم التي يتابعون من أجلها. وهي سياسة الكيل بمكيالين. والدليل على ذلك أن مدونة الأسرة رغم ما فيها من مزايا ظلت حبيسة النصوص، ولم تستفد منها إلا نخب قليلة أما غالبية النساء فهن غارقات في الفقر والأمية والقهر المزدوج (قهر الاستبداد وقهر العقليات الذكورية). لقد صرحنا بموقفنا هذا حين صدور مدونة الأسرة ونكرره: قضية المرأة لن تحل إلا في إطار شامل تفتح فيه العديد من الأوراش لإصلاح ما فسد. وعلى رأس هاته الأوراش محاربة الفقر الذي تعد المرأة أول ضحاياه بالقضاء على الفساد وعلى ناهبي المال العام ومحاسبتهم وبإطلاق مشاريع تنموية حقيقية يستفيد منها الجميع، ومحاربة الأمية التي تعد المرأة أول ضحاياها بتبني سياسات تعليمية جادة وإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، وإصلاح القضاء بمحاربة الرشوة والفساد في هذا المجال الذي تعد المرأة من أكبر ضحاياه… إلى غير ذلك من الأوراش. أما المبادرات الترقيعية هنا وهناك فلن تغير من واقع المرأة الكثير.

كشف الوزير الرباح مؤخرا عن لائحة المستفيدين من المأذونيات، والتي فضحت الكثير من المسؤولين والفنانين والرياضيين، بمن فيهم الأميرة لالا جمالة، كيف قرأتم هذه المبادرة؟

صحيح أن اقتصاد الريع هو من تجليات سريان الفساد في هذا البلد، وقد بينت لائحة الرباح جزءا من هذا الفساد. لكن السؤال هو كيف ينبغي معالجة هذا الفساد الذي ينخر جسم الدولة؟ هل يكفي فضح بعض المنتفعين به أم أنه يجب العمل على اجتثاثه من جذوره؟ واجتثاث الفساد يتطلب من المسؤولين الذهاب إلى أبعد من هذا، والكشف عمن أعطى الإذن لهؤلاء بالاستفادة من اقتصاد الريع، وقبله الكشف عمن ينهب ثروات هذا البلد وخيراته من فوسفاط ومعادن وثروات بحرية وفلاحية وغيرها. اجتثاث الفساد من جذوره يتطلب شفافية توضح الميزانيات المرصودة لكل مؤسسات الدولة من أعلاها إلى أدناها ومحاسبة الجميع دون استثناء: من أين لك هذا وفيم تنفق أموال الشعب)، بذلك فقط نبني دولة ديمقراطية ونقطع الطريق على وجه بشع من أوجه الاستبداد ألا وهو الجمع بين السلطة والثروة. أما الاكتفاء بحملات موسمية تفضح بعض أوجه الفساد دون معالجة مكمن الداء، فلن يعدو أن يكون مسكنات وتنفيسا على الشعب وإخفاء للوجه الحقيقي للفساد والاستبداد.

أجرى الحوار : عبدالرحيم نفتاح