العدل ينهى عن الفساد والشطط في استعمال السلطة، ويأمر بطاعة القانون، ولا يرضى القسمة الضيزى. وإذا كان ذلك، فالعدل يكون في الحكم والقضاء والقسمة.

العدل في الحكم

إنما يكون العدل بترك الظلم ونبذ الاستبداد السياسي، وما يخرج منه من فساد اجتماعي وكساد اقتصادي.

لابد من قطع دابر الدولة الظالمة التي انفردت بمجد الحكم، تحتكر الجاه والسلطة؛ وأترفت في الحياة الدنيا، تحتكر المال والثروة؛ وأخلدت إلى أرض الدعة والسكون، فهيهات تقوم لتوبة أو إصلاح.

هذا الداء، ودواؤه سيادة الشريعة ثم سيادة الأمة؛ فيكون الأمر شورى، حتى لا يستبد بأمر الحكم هوى الفرد أو الأقلية أو الأغلبية؛ وتضع الأمة الدستور، كَيْلاَ تحمله كرها؛ و تختار الحاكم به،كيلا يحكمها غصبا.

ولكيلا يستبد الاختيار، يكون التناوب على السلطة؛ ولكيلا يستبد التناوب يكون الفصل بين السلط؛ ولكيلا يشطط الفصل، يكون التحلي بفضائل الحكامة الراشدة، فيكون الإشراك للأمة في وضوح ومسؤولية وخدمة للمصلحة العامة؛ ولكيلا تسترخي الأمور أو تشل الحركة أو تعجز الحكومة، تكون الطاعة في المعروف، تأمر بها الشريعة لأهلها الذين اختارتهم الأمة لأهليتهم علما وعملا، وتكون عزمات الحكومة القوية، تحت قيد الشريعة والمسؤولية الجنائية ومسطرة المحاكمة والعزل.

– السيادة

تكون سيادة الشريعة ثم سيادة الأمة فيكون الأمر شورى حتى لا يستبد بالأمر هوى الأغلبية بله الفرد أو الأقلية. وقد جاء بيانه في الدولة العادلة 1.

– وضع الدستور واختيار الحاكم

ويكون اختيار الدستور والحاكم به؛ لكيلا تحمله الأمة كرها، ويأخذ الحاكم الأمر غصبا.

مـن أجل ذلك، وجب التأكيد على حق الأمة في وضع دستورها، وانتخاب ممثليها، والإصلاح المتجدد للمنظومة الانتخابية في اتجاه التعبير الحقيقي عن إرادة الأمة.

تبدأ المسيرة بوضع دستور موافق لروح الإسلام وشرعه، تضعه جمعية منتخبة انتخابا حرا، يعيد بناء هياكل الحكم على أساس سيادة الدعوة، وتفرغ أهل الدولة لتسيير الشؤون العامة وتدبيرها) 1 .

يشرع الدستور للحقوق والحريات، والمقومات الأساسية للمجتمع، وطبيعة النظام السياسي ومرجعيته وصلاحياته، والعلاقات بين مؤسسات الدولة، وطريقة الانتخاب والعزل، وفصل السلط، وتعديل الدستور، والتربية والتعليم والسياسة الضريبية، ورسم خطوط المحاسبة مبادئ ومؤسسات وآليات.

طالع أيضا  فليحي العدل

ومن بنوده الرئيسية تساوي الرئيس والمرؤوس ابتداء من رئيس الدولة أمام القضاء، ووحدة القانون، وفصل السلط، وإقامة العدل، والتناوب على السلطة، وحرية النشر إلا في ترويج الإلحاد والدعارة) 2 .

هدفه تحقيق سيادة الشريعة ثم سيادة الأمة؛ وإقامة نظام سياسي شوري يتوقى الاستبداد، وأمين يتوقى الشطط والفساد، ومرتضى يقوم على أساس الانتخاب، وصادق يعمل في وضوح ومسؤولية.

وعموده حماية الحقوق والحريات، وإقامة العدل في الحكم والقضاء والقسمة.

– التناوب وفصل السلط

وحتى لا يستبد بالاختيار يكون التناوب والتداول على السلطة.

وهكذا يكون، من وسائل الصد عن سبيل الاستبداد ضجيع الفساد زيادة على سيادة القانون واختيار الحاكم من طريق الانتخاب، التناوب على السلطة.

وحتى لايستبد في التناوب يكون الفصل بين السلط.

فصل السلط وتوازنها وتكابحها وتكاملها.

ومن ذلك: فصل السلط الأفقي والعمودي؛ كفصل السلط الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وثنائية الدعوة والدولة، والحكومة المحلية.

ومن ذلك: مد السلطة الرابعة متمثلة في الإدارة التنفيذية المستقلة، واستقلال الإعلام، والديمقراطية المباشرة، والحكومة المحلية، والتعددية المتعاونة، والمعارضة السياسية، وبخاصة المجتمع المدني القوي.

ومن ذلك: موازنة السلطة التمثيلية بواسطة الدستور، وحماية الحريات، والقضاء المستقل، وآليات الديمقراطية المباشرة والاستشارية، ونظام الغرفتين.

ومن ذلك: الضبط المدني للسلطة العسكرية.

ولعل التوازن القائم بين السلط المركزية السيادية المتمثلة في سيادة الشريعة وسيادة الأمة ورئاسة الدولة وبين السلط غير المركزية المتمثلة في مؤسسات الدولة، أقوم طريق في صد عدوان الاستبداد وأمن غوائل الفساد السياسي وما يتلوه من فساد يأكل الاقتصاد والعباد والبلاد.

توازن بين مركزية السيادة ولا مركزية الحكم.

– حسن السياسة

وحتى لا يُشطط في الفصل يكون التحلي بفضائل الحكامة الراشدة، فلا يخل بشيء منها؛ فيكون إشراك الأمة أفرادا وجماعات؛ وتكون خدمة المصلحة العامة؛ ويكون الوضوح والمسؤولية. كل أولئك جدير أن يكف بأس الاستبداد والشطط والفساد، وأن يجعل رأي الأقلية محتفى به معتبرا، وصوت الضعيف يصغى إليه في اتخاذ القرار.

1. الإشراك

وإن من حسن السياسية اتباع قواعد الحكامة الراشدة المبنية على المشاركة العامة والإشراك والإدماج والتوافق والمساواة ومراعاة حقوق الجميع أفرادا وجماعات قلت أو كثرت.

وإذا كان ذلك، فقد وجب التأكيد على حق الأمة في المشاركة في صناعة القرار السياسي ومتابعة تنفيذه، من خلال اعتماد ديمقراطية تشاركية، تستعين بالآليات الديمقراطية المباشرة والاستشارية والتوافقية والمحلية والتوقعية.

طالع أيضا  نضال من أجل الكرامة والحرية

وهكذا يشارك الجميع في الفعل السياسي ومتابعته رجالا ونساء، أغلبية وأقلية وأفرادا؛ فهم فيه سواء، لهم الشأن والفعل فـي المجتمع، فلا إخراج ولا إبعاد ولا إقصاء. وهذا يقتضي أن جميع فئات المجتمع، وبخاصة الضعفاء والأكثر عرضة للحيف، يجب أن تفتح لهم الأبواب من أجل صون كرامتهم واستجلاب مصالحهم ودفع الضر عنهم.

مشاركة تكون مباشرة، أو عبر المؤسسات الوسيطة و التمثيلية. وتنتهج نهجا توافقيا يستعين بالممثلين لمختلف المصالح داخل المجتمع، من أجل الوصول إلى توافق عملي يخدم مصلحة الجميع. على أن يكون هذا النهج يخطط بعيد المدى، من أجل تنمية إنسانية مستدامة، تحفظ الإنسان والبيئة التي يعيش فيها.

ولا يخفى على بصير، أن هذه المشاركة لا تجدي نفعا، من دون مجتمع مدني منظم، يتمتع بحرية التجمع والتعبير.

2. الخدمة

هذا، وإن مما تواصفوه بالحسن في السياسية و تشاهدوا له بالفضل، حفظ رسوم الحكامة الراشدة المبنية على الإنجاز الحسن، وتلبية الحاجات في الآجال المحددة، والفاعلية الجادة والكفاية المبدعة.

وتعني تلبية الحاجات أن تسعى المؤسسات بمخططاتها، ما استطاعت، أن تكون في خدمة الأمة، تلبي حاجاتها داخل آجال زمنية معقولة.

وتعني الجدوى والكفاية أن تقوم المخططات والمؤسسات لأمر الأمة تلبي حاجاتها، متبعة في ذلك سبيل الإحسان في استعمال ما تحت يدها من المصادر المادية والتقنية، بما لا يفسد ماء ولا هواء ولا يبذر تبذيرا. إحسان في خدمة الإنسان والبيئة من حوله.

3. الوضوح والمسؤولية

هذا، وإن من التَّهَدي في السياسية العملَ وفق قوانين الحكامة الراشدة وأصولها المبنية على الوضوح والشفافية والمسؤولية والمحاسبة.

إن فساد السلطة وشططها مرد أكثره إلى غياب الوضوح والمسؤولية.

فالوضوح وسيلة لمحاربة الفساد، وجعل المؤسسات العمومية قابلة للحساب. ومن الوضوح انفتاح الحكومة على الإعلام والشعب، وأن تكون القوانين والقرارات والتقارير، سيما المالية منها، مفتوحة للنقاش.

ومع الوضوح المسؤولية. إن الدولة والحكومة والهيئة والجمعية والأشخاص والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني وجميع المنظمات والمؤسسات، كل أولئك يحاسبون، لا يترك الرئيس الشريف ويؤخذ المرؤوس الضعيف؛ تحاسبهم الأمة والمؤسسات المعنية وكل من تمسه قراراتهم وأعمالهم؛ وكذلك تحاسبهم الهيئة والجريدة والمنظمة الحكومية وغير الحكومية.

طالع أيضا  تأملات مطلبية (2)

العدل في القضاء

هو الشرط الأساس في سيادة القانون والشريعة التي انبثق عنها؛ وهو الزعيم بكف غلواء الاستبداد والشطط والفساد السياسي والإداري والقضائي؛ وهو العمود في مؤسسات المراقبة؛ والوزير في بناء المجتمع الصادق الأمين، يحمل على العمل الصالح، ويشد أزر التربية والتعليم في ذلك؛ وهو واسطة العقد في الحكامة الراشدة؛ والميزان ليقوم الناس بالقسط؛ وهو السيف الاستراتيجي المعتمد محليا ودوليا من أجل مكافحة الفساد.

من أجل ذلك، وجب أن يكون القضاء مستقلا ومحايدا؛ عادلا ونـزيها وفعالا؛ من أهم أمره رد الأمانات إلى أهلها؛ ونبراس طريقه قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا 3 .

العدل في القسمة

ويسبق أداء الأمانات إعطاء الحق الذي أمر الله به في آي قرآنه وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم في حديثه.

وإذا كان ذلك، فقد تحتم إعادة توزيع الثروة والسلطة والمكانة، في خدمة مصالح الفرد والجماعة والمجتمع والإنسانية جميعا. ما جار فيه تاريخ البغي والفحشاء، وجب جبره بالقضاء على الفوارق الاجتماعية الظالمة بالتدريج.

عدل في القسمة على أسس العرف والمعروف والتعارف.

وشرط كل ذلك إفشاء معاني التضامن عبر الزكاة وحق غير الزكاة والبذل والتطوع.

من أجل ذلك، على الدعوة وجميع المؤسسات التربوية العمل على زرع معاني الإيمان والطهر والبر وحسن الخلق في النفوس، حتى ترتقي إلى المشاركة الفعالة في ترسيخ قواعد العدالة الاجتماعية، تضامنا وتكافلا وبذلا، حاديها قوله تعالى: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ 4 .

لاإله إلا الله محمد رسول الله والحمد لله رب العالمين.


[1] البند 13 من الميثاق\
[2] البند 14 من الميثاق\
[3] سورة النساء الآية 58.\
[4] سورة البقرة الآية 195.\