إلى أخي وسيدي ميلود الداودي حفظه الله، صلة بالنبع واتصالا، رزقك الله الموالاة الكاملة، وجعلك الله ممن ارتبط ورابط: صلة قلبية الزم غرزها.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

يتكاتب الناس، ومكاتباتنا شوق وطوق، حركة شوقية، وانبعاث قلبي نحو إحياء مكاتبات الآخرة. تزحف الغفلة والتحايا المتبادلة/المبتذلة على مكاتباتنا: بسمة الحروف والكلمات والقلوبُ غافلة مغفلة، وهم الآخرة لا خبر عنه.

تعال معي أخي وسيدي ميلود يسمع بعضنا بعضا هذا الخبر المنسي، ولندخل معا كتاب الصحبة المبارك أعظم به من كتاب، أحيا فقه الآخرة، لنلتقي نحن وإياك غدا إن شاء الله في ضيافة المولى عز وجل، هاهي ذي الأيام تزحف بنا نحو الآخرة، نحو الحياة السرمدية الأبدية، نتأمل في هذه الحركة الشوقية، عسانا وعسانا ندخل في حزب إخوان الآخرة:ألا يا نسيم الريح من أرض بـابـلٍ *** تحمّل إلى أهل الحبيب سـلامـي
وإنّي لأهوى أن أكون بأرضـهـم *** على أنّني منها استـفدتُ غـرامي؟!
إذا رَمِدَتْ عيني تداويت مـنـكـمُ *** بلفظة حسٍّ أو بـسـمـع كـلامِ
وانْ لم أجد ماءَ تَيَمَّمْتُ باسمـكـم *** فَصَلَّيْتُ فرضي والديار أمــامي
لقد رأيتك سيدي في المرة الأخيرة التي زرتك فيها في بيتك الوجدي، وقد حزمت حقائبك نحو الآخرة، غزالي أنت، وقد عزمت على سلوك طريق الآخرة، منطلقا من المهاترات إلى الحقائق، حياك الله من رجل أعياه التجوال في بطون الكتب والكراريس فصاح صيحته: أردنا العلم للدنيا فأبى إلا أن يكون لله! هكذا أنت غير متكاسل عن بلوغ الأمد الأقصى، راغبا في سعادة الأبد، تعزم عزائم أهل الهمم قاطبة، وقد صمت من أوقات نفسك قاطبة، ويوم لقاهم كان فطر صيامك.لم أكن للوصال أهلاً ولـكـن *** أنتمُ بالوصال أطمعتمـونـي
فاجبروا كسر مُذنبٍ قد أتاكم *** يرتجي عفوكم بكم فارحموني
يا ولاة القلوب رفقاً بـعـبـدِ *** ضاع منه فؤاده فاعذرونـي
في بحار الهوى غرقت بوجدي *** طال شوقي لهم وقد تركوني
أيها النفس ساعدينـي وجـدّي *** ويح قلبي ومهجتي هجروني
رأيتك وقد شربت من راح حبه، فأفقت من خُمار الهوى، وقمت في السحر تبثه حنين العاشقين، وأنين المشتاقين، تنادي مولاك بشفاه ذابلة ودموع سائلة، وزفرات قاتلة، وكأني بك كمن أعلن بقصته وباح، وتفكر في أفعاله القباح، فصاح فأنشد صراحا:لا خير في العيش بغير افتضاح *** وهل على من مات وَجداً جُناح
قد جئتكم مستأمناً فـارحـمـوا *** لا تقتلوني قد رميتُ السـلاح
لا تقتلوني أنـا فـي أسـركُـمْ *** والحبُ قد أثخن قلبي جـراح
رأيتك سيدي متأهبا ليوم تترادف فيه العبرات، وتعظم الحسرات، وقد فررت من فرعون الهوى مرددا مع حادي القوم:لقد حكم الزمانُ علـيّ حـتـى *** أراني في هواك كما ترانـي
حبيبي إن بَعُدت فإنّ قـلـبـي *** على مَرِّ الزمان إلـيك وانـي
وإنْ بَعُدَتْ ديارُك عـن دياري *** فشخصك ليس يبرح عن عياني
فيا وَلَعَ العواذل كفّ عنِّـي *** ويا كفَ الغرام خذي عناني
لقد أمكنتَ حبّك من فـؤادي *** مكاناَ ليس يعرفه جَنـانـي
كأنَّك قد ختمتَ على ضميري *** فغيرك لا يمرّ على لسانـي
رأيتك سيدي تلجأ إلى حرم التضرع، تلوذ بالصحبة، وقد جثوت بين يديه فما برحت، وذقت حلاوة شراب السحر، وهجرت لذيذ المنام، ونصبت له الأقدام، وانتصبت في الظلام تطلب نصيبا من الإنعام، لهفي عليك، من لي بمثلك، دأبك دأب الصالحين، وخلقك خلق المحبين.

طالع أيضا  الإخوانيات (3)في الحج... أشواق وأذواق

رأيتك سيدي تبكي وتصيح، تبكي إن نأوا، شوقا إليهم، وتبكي إن نأوا، خوف الفراق.

رأيتك تبكي وتنتحب وقد همت على وجهك دلالا: الويل لعمر إن لم يغفر له‏.‏

اجتاز رجلٌ صالح بدار صالح المُريّ، فسالَ عليه ماء من ميزاب، فتوقف الرجل يسأل عن الماء، فخرجت إليه الجارية فقال لها: طاهر أم غير طاهر؟ فبكت وقالت يا سيّدي هذه دموع صالح المُريّ.هاكُمُ قلبي فإن لم يرضكـم *** ففؤادي جهدُ ما يمكنـنـي
يا حمامات اللوى نوحي معي *** يا غرابَ البين ابكِ شجنـي
إخواني! ما أشَدَ الفراق، متى يكون التلاق؟!

استعملت زوجة محمد بن واسع لبَداً تجري عليها دموعه، لأنّ الدموع كانت أكلت خدّيه حتى بدت أضراسُه. إذا رأيتم باكياً فارحموه، واذا شاهدتم واجداً فاعذروه، فإنه قد وجد ما لم تجدوه.غرابَ البين صِحْ بالقرب صَوْتاً *** كما قد صِحْتَ ويحك بالبعـادِ
تُنادي بـالـتـفـرق كـل يومٍ *** فما لكَ بالتقـرُّب لا تُـنـادي
قال الجنيد: رأيتُ آدم عليه السلام في النوم وهو يبكي، فقلتُ: علامَ تبكي؟ أليس قد غفر لك ووعدك بالرجوع إلى الجنة؟ فناولني ورقة مكتوبة، قال: فأفقت فوجدت في يدي مكتوب:تحرقني بالنار نـار مـن الـهـوى *** ونار الهوى نار أحرّ مـن الـنـارِ
شغفت بجارٍ لا بدارٍ سـكـنـتُـهـا *** على الجار أبكي لا على فُرقة الدار
ولو لم يعدني بالرجوع إلى المـنـى *** هلكتُ ولكن مقصدي صاحب الدار
كان أحد المتعبدين يجتهد في العبادة وكُلّما ذكر الله وصلّى يلوم نفسه ويقول: عدمتك يا قلب ما أقساك، أصبحتَ وأمسيتَ لعظمة الله ناسياً، إلَهي كيف لي بالقرب منك وقاسي القلب بعيد عنك؟ليتَ شعري مَا الذي نلتُ أنا *** ليلةً أبرم فيهـا أمـرنـا
هل رضاني سيّدي عبداً له *** أو رماني حين ألفتُ الخنا
ودعاني أمْرُهُ عـن إذنـه *** عبدُ سَوءٍ أنْتَ لم تصلح لنا
هكذا يا عبد سـوءٍ هـكـذا *** بعدما واصلتنا قاطعتـنـا
قد دعوناك فما عجلت لنـا *** واختبرناك فما أعجبتـنـا
يا نفسي الغافلة! رَحَلَت القوافل، كيف يكون حال المستهام، إذ ا قُوِّضت الخيام، وبرزت للرحيل الأعلام؟ يا معشر المحبين، ويا ذوي الأشواق، ما خُلق الفراق إلاّ لتعذيب العُشّاق، ولا خُلِق الرحيلُ والرواح، إلاّ لتعذيب الأرواح.سَهِرْتُ غراماً والـخَـلِـيُّون نُـوَّمٌ *** وكيف ينامُ المستهام الـمُـتـيّمُ
ونادمني بـعـد الـفـراق ثـلاثةٌ *** غرامٌ ووجد والسقـام الـمُـخَـيِّمُ
أأحبابنا إن كان قتلـي رضـاكـمُ *** فها مهجتي نَصْبٌ لكم فتحكّـمـوا
“بنعمان” كم لي وقفةٌ في ظلالـه *** أسائلُ كثبانَ “الأبيرقِ” عـنـكـمُ
واستخبر الركبان عن ساكني الحمى *** وعن أهل نجد أين حَلّوا ويَمَّمُـوا
بكيت الحمى حتى بكت لي قلاعُـهُ *** وناديتُ وُرْقَ البانِ والقصد أنـتـمُ
أيا ساكني أرضَ “العذيب” لعلـكـم *** تزوروا مريضاً بالغـرام مُـتـيَّمُ
ومن عَجَبِ الدنيا وأنتم أحِـبَـتـي *** يُجارُ على ضعفي لديكم وأُظْـلَـمُ
ووجدي ذيّاك الذي تـعـرفـونـه *** وحبكم ذاك المصون الـمـكـتَـمُ
وكيف يدوم الهجر والقلب عندكـم *** ولم لا أحبّ السُّقْمَ والسٌّقْـمُ أنـتـمُ
سادتي! ما أعذب أيام التلاقي، ما أكثر بكاء المشتاق، ما أحرّ أنفاس العشاق، أين من نجدٍ أرضُ العراق، قُسِمَتِ الغنائم، وأنت يا مسكين نائم، الحربُ غبارٌ قائمٌ، وأنت غلامٌ نائم.قلبي يراك على بُعْـدِ مـن الـدار *** وأنت بالقرب من قلبي وتذكـاري
إن غاب شخصُك عن عيني فلم أَرَهُ *** فإنّ حُبّك معقـودٌ بـإضـمـاري
وإنْ تكلمتُ لم ألفـظ بـغـيركـم *** وإن سكنتُ فأنتم عقد أسـراري
رأيتك سيدي تخرج من زمرة الغافلين، وقد أعيا سبحتك التفريد، وتهتدي بالصحبة إلى الصراط المستقيم، والمنهج القويم، وقد ناحت بك حمائم الاشتياق. آه يا ويح نفسي! جد العارفون وهزلتْ، وصعدوا في طلب المعالي ونزلتْ؟! يا أكباد المحزونين ذوبي والهبي:سَلُوا الليلَ عنّي مُذ تنـاءتْ دياركُـم *** هل اكتحلتْ بالغمضِ لي فيه أجفانُيا سيدي قد دخل فصل برد الفتور، فحذار أن يصيبك زكام الغفلة. لا عُدْتُ أركبُ ما قد كنتُ أركبُـه *** جُهدي فَخُذْ بيدي يا خير من رَحِما
هذا مُقام ظـلـومٍ خـائفٍ وَجِـلٍ *** لم يظلم الناسَ لكن نفسه ظَلَـمـا
فاصفح بفضلك عمّن جاء معترفاَ *** بزلَّةِ سبقت منه وقـد نَـدِمـا
مالي صلاحٌ ولا علمٌ ولا عَمَـلٌ *** فامنن بعفوك يا من عفوهُ عمما
لقد رأيتك سيدي وديدنك تضرع سيدي إبراهيم ابن أدهم رضي الله عنه، وهو ساجد في المقام، وقد بل الحصا بدموعه، وهو يتضرع إلى ربه ويقول:هجرت الخَلْقَ طرّاً في هواكا *** وأسلمتُ العبادَ لكـي أراكـا
فلو قطعتني في الحـبّ إربـاً *** لما سكنَ الفؤاد إلى سـواكـا
هكذا أنت في زمرة الصالحين درجت، قد ذابت نفسك بمحبته، وطار قلبك بالشوق إليه، صفا قلبك من الأدناس فصفاه مع الأنفاس، قلب لم ينطفئ حريقه، وما سكن شهيقه:دَعْها فَسائقُ رَكْبِها الأشـواقُ *** ذُكِرَ الخليط فَمُدت الأعنـاقُ
شَقتْ نسيمَ خُزام نجدٍ فاغتذتْ *** لا يرتجى لأسيرهـا إطـلاقُ
لا الشامُ شامٌ حين تُذكر نجدُهـا *** آهاً لذاك، ولا العراق عراقُ
باحتْ حشاشة نفسها بوصالهم *** فالوصل منها للضرام نفـاقُ
لم تستمع ذِكْرَ الحمى إلا انثنت *** فكأنما غَنّى لهـا إسـحـاقُ
أودعك سيدي بهذا الشعر الجميل:نال المنى من حَلَ في وادي مِنى *** غيري فإني ما بلغـتُ مُـرادي
وبكيتُ من ألم الفراق وشقوتـي *** فبكى الحجيج بأسـره والـوادي
رفعوا بأيديهم وضخوا بالـبـكـا *** وضَمَمْتُ من حُزني يدي لفؤادي
لي عودة لمكاتبات الآخرة في الزمن اللاحق بإذن الله عز وجل.

طالع أيضا  الإخوانيات (2) تبـاريح... المصطفى القديـم

أكثرت من الشعر في هذه الرسالة، وهي مختارات شعرية تحمل دلالات سلوكية عميقة.

ألا أبلغ محبتي لأهل وجدة، وإلى أن يتجدد اللقاء عليك السلام والرحمة عليك السلام والرحمة.