في مراسلة لأحد أصدقائنا المنحدرين من مناطق الريف، وقفت في ذهول على الأيام السوداء المدلهمة التي عاشتها مناطق بني بوعياش وامزورن، وعلى ساعات رهيبة عم فيها الرعب والخوف الذي لقيه أطفال وشيوخ ونساء هذه المناطق ابتداء من يوم الجمعة الماضي (09-03-2012)، الذي كان الشرارة الأولى لانطلاق هذه المواجهات، إذ بعث لي الصديق بمجموعة من المعلومات وبعض مواقع الخبر التي تقوم برصد أحداث تلك المناطق التي يغيب عنّا خبرها للأسف.

وحول سؤالي عن الهدوء الغريب الذي شاب يوم الإثنين أجابني بأن سببه يعود إلى تراجع النظام وسحب قواته من الشارع تماماً. فمثلا في آيت بوعياش لم يترك إلا ثلاث “سطافيتات” أمام الباشوية، في حين كانت المدينة تعج بعربات وسيارات القمع، كما أشار على أن هناك اتصالات بالمناضلين من أجل تشكيل لجنة للحوار، وأن السلطات مستعدة للحوار بجدية. المهم، كما قال، أنه كان انهزاماً ذريعا لهذا النظام؛ فبعد أن كان عازما على استرجاع هيبة الدولة أصبح يطلب الخروج من ورطته بدون فضيحة كبيرة.

يذكر على أن منطقة بني بوعياش عاشت على إيقاع مواجهات عنيفة امتدت لأغلب أحيائها بعد توقيف أحد نشطاء المنطقة ليتبعه تضامن الساكنة واحتجاجها على هذا الاعتقال التعسفي، وليتطور الشكل إلى اعتصام أمام مقر باشوية المدينة ومقر المكتب الوطني للكهرباء ليلة الخميس، تبعه قمع عنيف لقوى الأمن وفرض حصار مشدد على المدينة.

إمزورن، المدينة المجاورة والأخت التوأم لبلدة بني بوعياش، قررت تنظيم مسيرة شعبية سلمية انطلاقا من ساحة 24 فبراير بإمزورن باتجاه مدينة بني بوعياش تضامنا مع ساكنتها واحتجاجا على القمع الأهوج والشرس الذي تعرض له المعتصمون أمام مقر باشوية المدينة ومقر المكتب الوطني للكهرباء، وحسب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع إمزورن، في بيانها أشارت إلى ما يلي: “حيث إنه، بمجرد تجمع الجماهير في المكان المحدد لانطلاق المسيرة في تمام الساعة الثالثة بعد الزوال، فوجئت بتطويق المكان بسيارات التدخل السريع والقوات المساعدة، وعلى الفور أعطيت الأوامر لإنزال مختلف عناصر القوات القمعية لمحاصرة الجماهير الموجودة بعين المكان، ودون احترام للمساطر القانونية في فض التجمعات العمومية بدأت القوات في تعنيف الجماهير؛ وقد حاول المناضلون أكثر من مرة التأكيد على كون الأمر يتعلق بمسيرة سلمية ولكن دون جدوى.

دخلت منطقة إمزورن هي الأخرى في مواجهات عنيفة تبعها تضامن مناطق أخرى كبوكيدان وأجدير وغيرها على إثر هذه المقاربة الأمنية الغير محسوبة العواقب.

تأججت بعض مناطق الريف واحتقنت الأوضاع بها وسط اعتقالات وجرحى في صفوف الساكنة، وتدخلت فعاليات المجتمع المدني على الخط، وتخندق الوضع الحكومي في خندق المقاربة الأمنية المتبعة في فض الأشكال الاحتجاجية التي كانت سلمية الطابع في أولها حسب مجموعة من المصادر.

وهذا ما عبرت عنه الجمعيات الحقوقية من الانتهاكات التي رصدت في أحداث بني بوعياش وغيرها:

طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بفتح تحقيق في “الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي اقترفتها القوات العمومية في مدينة بني بوعياش” وفق ما ورد ضمن بيان لها، داعية إلى “تحديد المسؤوليات المباشرة وغير المباشرة بشأنها ومعاقبة المتورطين فيها، وجبر الضرر بالنسبة لضحاياها وتقديم الدولة للاعتذار بخصوصها.”

وقد رصد فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بإمزورن الخروقات كما يلي:

* عدم احترام المسطرة القانونية لفض التجمعات العمومية.

* إلقاء القنابل المسيلة للدموع في أحياء سكنية.

* إصابات عديدة في صفوف المحتجين تراوحت بين جروح ورضوض وإغماءات ناتجة عن استعمال القنابل المسيلة للدموع.

* حملة اعتقالات طالت العديد من المواطنين والمناضلين لم يسلم منها حتى رئيس الفرع المحلي.

* عشرة (10) معتقلين ما زال يحتفظ بهم بمقر مفوضية الشرطة بإمزورن، من بينهم قاصر، تمت إحالتهم على النيابة العامة يوم الثلاثاء 13 مارس 2012 .

وأصدرت جمعية الريف لحقوق الإنسان تقريرا حول وقائع الأحداث التي شهدتها، وما زالت تشهدها، ببلدة بني بوعياش من إقليم الحسيمة، مثيرة رصدها “انتهاكات وتجاوزات وأضرار طالت العديد من المواطنات والمواطنين وممتلكاتهم” بناء على عمل فريق تقصّ شكّلته.

وتضمّن التقرير الصّادر عن الـARDH سردا كرونولوجيا للأحداث، مرتبطا باستهلال التوتّر يوم الجمعة من الأسبوع الماضي، مباشرة بعد “اختطاف” بشير بنشعيب عقب خروجه من مسجد ببني بوعياش وما أعقبه من كشف رسمي، عبر وكالة المغرب العربي للأنباء وبعد احتجاج عدد كبير من البوعيّاشيّين، بكون ذات الشخص أوقف باعتباره “موضوع مذكرة توقيف منذ العام 2004.”

وتبقى أسئلة مطروحة على كل الإتجاهات في هذا الباب:

– لماذا تم اعتماد هذه المقاربة الأمنية في فض الاحتجاجات بهذه المناطق بالضبط والتي جرت منطقة بأكملها إلى مالا يحمد عقباه؟

– من المتورط في جر المنطقة لهذه الأحداث؟

– ما هي الآليات التي سيعتمدها النظام لفك شفرة الهيجان الشعبي الذي يهز هذه المناطق بعد أي تدخل أمني؟

– لماذا هذا التعتيم الإعلامي الرهيب على ما حدث ويحدث في هذه المناطق وتغييب التوضيح المبرر للرأي العام؟

– هل بني بوعياش وإمزورن ستخمد كما خمدت تازة وبني ملال؟ وكيف سيتعاطى النظام مع هذه المناطق بعد ذلك؟

– هل من حوار جاد من طرف الدولة مع هذه المناطق؟ أم هي انحناءة العودة؟